أجرى الحوار ـ يوسف بن سالم الحبسي -


يظل الاهتمام بالإنسان هو الغاية والوسيلة في بناء الدولة العمانية الحديثة، ولذلك جاءت توجيهات جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لتؤكد أن الإنسان في قلب التنمية الوطنية، وكرامته ورفاهيته غاية كل سياسات الدولة، وحول هذا البعد الإنساني والاجتماعي، وما يتعلق بتوزيع معاش الوفاة وفق قانون الحماية الاجتماعية، التقت "عمان" مع مالك بن سالم الحارثي، مدير عام المستحقات بصندوق الحماية الاجتماعية الذي أكد أن قرار توزيع معاش الوفاة ليس تقليصًا لحق ولا انتقاصًا من كرامة، بل هو حقٌ تأمينيٌ يحسب وتقدر قيمته بحسب سنوات الخدمة وأجر الاشتراك.
وفيما يلي نص الحوار:
بداية ما الذي تمثله منظومة الحماية الاجتماعية لعُمان وللمواطن العُماني اليوم؟
إن منظومة الحماية الاجتماعية التي أنشئت بالمرسوم السلطاني السامي رقم (52/2023) هي أكبر مشروع تحسيني اجتماعي رائد شهدته البلاد حديثًا، وتُعد نقلة نوعية في تحقيق مفاهيم الرفاه الاجتماعية، وقد جمعت تحت مظلتها جميع صناديق التقاعد والتأمينات الاجتماعية السابقة في كيان مؤسسي واحد، وهذه المنظومة ليست مجرد هيكل إداري، بل هي تعبير عن التزام الدولة بحماية حياة المواطنين وحقوقهم وكرامتهم في مختلف الظروف والمخاطر التي قد يتعرضون لها، منذ الطفولة إلى كبر السن إلى العجز أو الوفاة، ومن الأمومة إلى فقدان المعيل.
لذلك فالمنظومة تستند إلى خمسة مرتكزات رئيسية تكمن في العدالة والإنصاف في توزيع الموارد، والاستدامة المالية لضمان حقوق الأجيال القادمة، والتكافل المجتمعي كقيمة أصيلة في المجتمع العُماني، وكذلك حماية الكرامة الإنسانية بحيث لا يُترك أي فرد أو أسرة دون سند بعد المخاطر التي يتعرض لها، وأخيرًا التوافق مع محاور رؤية عُمان 2040، والتي تسعى في غاياتها الكبرى إلى تحقيق حماية اجتماعية متكاملة وموجّهة نحو الفئات الأكثر احتياجًا، بما يسهم في تمكينها وتماسكها بشكل عادل ومستدام.
أين يقع "معاش الوفاة" ضمن هذه المنظومة؟
 معاش الوفاة يمثل جسر الأمان الأول للأسرة بعد فقدان المؤمن عليه أو صاحب المعاش المعيل، فهو ليس مجرد مبلغ مالي، بل هو ضمان اجتماعي وإنساني يضمن استمرار الدخل الأساسي للأسرة ليسهم في استقراراها الاجتماعي والنفسي بتوفير الحماية، فلا تسقط تحت ثقل العوز أو تفقد استقرارها، والقانون حدد بوضوح من هم المستحقون لمعاش الوفاة: الأرمل أو الأرملة، الأبناء والبنات بما فيهم الطفل المحتضن وفقًا للشروط، هؤلاء ليسوا مجرد مستحقين، بل هم الامتداد الطبيعي والمباشر للمؤمن عليه المتوفى، وعصب الأسرة التي يجب أن تُصان.
وبالتالي، فلسفة المعاش هي فلسفة تكامل وتكافل بمجتمع يتشارك في صندوق تضامني، يساهم فيه المؤمن عليهم الأحياء ليستفيد منه من فقدوا رب الأسرة المعيل، فيتحول المعاش إلى رمز للعدالة والرحمة والتضامن الاجتماعي بين المؤمن عليهم والمستحقين بالمشاركة في تمويل معاشات بعضهم البعض.
ما أبرز المواد المنظمة لمعاش الوفاة؟
يمكن أن نلخص المواد المنظمة لمعاش الوفاة في أربع مواد أساسية أولها المادة (111) التي تحدد المستحقين (الأبناء والبنات، الأرمل أو الأرملة)، وثانياً المادة (112) التي تضع شروط الاستحقاق؛ مثل السن، الزواج، العمل، أو العجز عن الكسب، وثالثاً المادة (113) إذ تنظم نسب توزيع المعاش؛ وتقسيمه بالتساوي بين المستحقين، وتحدد قيمته بـ 100% إذا كانوا 3 فأكثر، و80% إذا كانوا اثنين، و60% إذا كان مستحقًا واحدًا، مع ملاحظة أن الصرف يبقى بنسبة 100% لمدة ستة أشهر بعد الوفاة، ورابعاً المادة (114) حيث تجيز الجمع بين المعاشين المستحقين للابن أو البنت عن الوالدين، كما يجمع للأرمل/الأرملة بين النصيب عن الزوج المتوفى ومعاش التقاعد المستحق له، وهذه المواد تؤكد أن الهدف هو حماية الأسرة المباشرة وضمان استقرارها المعيشي.
يثار أحيانًا تساؤل جوهري: لماذا لا يُورَّث / يصرف المعاش في حال عدم وجود زوجة أو أبناء؟
هنا نصل إلى جوهر الفلسفة التأمينية التي تقوم عليها الحماية الاجتماعية إذ أن المعاش استحقاق تأميني لا ادخار شخصي حيث أن الاستقطاعات الشهرية لا تُخزن في حساب فردي، بل تدخل في صندوق جماعي تضامني تكافلي يمول معاشات المتقاعدين وأسر المتوفين، وبالتالي لا يمكن اعتبارها رصيدًا خاصًا للمتوفى يورّث / يصرف بلا ضوابط وشروط للمستحقين.
إضافة إلى القيمة الاجتماعية حيث إن الهدف من معاشات الوفاة حماية الأسرة التي فقدت معيلها، وليس على اعتبار المعاش مالا موروثًا، فهو يهدف إلى توفير دخل بديل يضمن الاستقرار المعيشي للمستحقين وفق مبدأ التكافل الاجتماعي، وفي حال عدم وجود مستحقين تنتفي الحاجة الاجتماعية التي من أجلها وُجد المعاش.
وكذلك الحماية مقابل الادخار فلو كان ادخارًا شخصيًا لكان قابلاً للتوريث المطلق أو الصرف لغير المستحقين لكنه تأمين اجتماعي يقوم على المشاركة في المخاطر، ولو كان ادخاريا لانتهى صرف المعاش المستحق للمستحقين بانتهاء إجمالي المدخرات أو الاشتراكات التي شارك وساهم بها المؤمن عليه قبل وفاته.
كما أن الحماية الاجتماعية تقوم على الاستدامة المالية وتوريث المعاش بلا ضوابط لجميع الأقارب سيؤدي إلى نزيف مالي يهدد قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته تجاه الأرامل والأيتام.
وتوفر كذلك الحماية الإضافية إذ تقوم الفلسفة التأمينية على أن الأسرة النووية (الزوج/ الزوجة والأبناء) هي الفئة التي تأتي في مقدمة الاستحقاق عند وفاة المعيل، لذا تُعطى الأولوية في استحقاق أنصبة المعاش لها، في حين الفئات الأخرى والتي يشار إلى استحقاقها للمعاش، فإن المشرّع كفل لها منافع واستحقاقات أخرى ضمن منظومة الحماية الاجتماعية الأشمل، ما يعكس بدورة شمولية القانون وتكامله في معالجة احتياجات المجتمع.
المعاش إذًا حق تكافلي اجتماعي مشروط، لا ميراثًا مطلقًا، وحين لا توجد أسرة بحاجة إلى حماية، يتوقف المعاش حفاظًا على استدامة النظام وتمول اشتراكات هذا المؤمن عليه معاشات المستحقين الآخرين.
هل يتوافق هذا التوجه مع التجارب الدولية؟
منظومة الحماية الاجتماعية العُمانية استفادت من التجارب الدولية، ففي السعودية يُوقف المعاش إذا لم يكن هناك زوجة أو أبناء، وفي فرنسا وألمانيا لا يُصرف إلا للزوج/الزوجة والأبناء القُصّر، إذًا ما نطبقه في سلطنة عُمان ينسجم مع الممارسات العالمية الفضلى، وهو ليس استثناءً بل قاعدة متعارف عليها عالميًا.
كيف يرتبط ذلك بالقيم العُمانية الأصيلة؟
إن النظام يعكس بوضوح القيم العُمانية المتمثلة في التكافل والتضامن الكرامة التي تعنى بحماية دخل الأسرة بعد وفاة المعيل هو حفظ لكرامتها، والعدالة حيث أن عدم توريث المعاش لغير الزوجة والأبناء لا يعد انتقاصًا، بل توزيعًا عادلًا للموارد، وكذلك قيم التكافل من خلال إبقاء موارد الصندوق متاحة بما يعزز قدرته على حماية آلاف الأرامل والأيتام، إلى جانب قيم المسؤولية للأجيال عبر ضمان استمرار التزام الصندوق تجاه الأبناء مما يعكس روح العُمانيين في إعطاء الأولوية للأجيال القادمة.
كما إن منظومة الحماية الاجتماعية لم تترك الأسرة التي فقدت مصدر دخلها دون حماية اجتماعية، وإذا كان المؤمن عليه المتوفى لم يترك مستحقين لمعاش وفاته وفقًا لأحكام القانون، ولديه أبوين أو أخوه وليس لديهم أي مصدر دخل فإن منافع الحماية الاجتماعية وبالتحديد منفعة دعم دخل الأسر ستكون المنفعة المستحقة لهم وتحسب قيمتها بحسب عدد أفراد الأسرة.
وعليه فإن قواعد توزيع المعاش على المستحقين بعد وفاة المؤمن عليه أو صاحب المعاش جاءت تحقيقًا للعدالة الاجتماعية بما يكفل استدامة النظام، ونسب الاستحقاق لم توضع اجتهاداً، بل بعد دراسات اكتوارية معمّقة تراعي التوازن بين حاجات المستحقين والقدرة المالية للصندوق، وبمجمل القول فإن قرار توزيع معاش الوفاة ليس تقليصًا لحق ولا انتقاصًا من كرامة، بل هو حقٌ تأمينيٌ يحسب وتقدر قيمته بحسب سنوات الخدمة وأجر الاشتراك، ويحدد مستحقيه بشروطٍ دقيقة وضوابط واضحة، ولن يقف صندوق الحماية عند هذه الضوابط والشروط دون مراجعةٍ وتطويرٍ وتحسين، وإنما هي عملية مستمر متواصلة بحسب قراءات المجتمع واحتياجاته وتطورات منظومة الحماية الاجتماعية وفروعها ووفقًا للخطط الاستراتيجية والمشاريع الوطنية، تجسيدًا لرؤية عُمان 2040، واستجابةً لتوجيهات القيادة الحكيمة بأن تبقى كرامة الإنسان ورفاهيته غاية كل سياسة، ولذلك فإن صندوق الحماية الاجتماعية يواصل التزامه بأن يكون شبكة الأمان الأولى للمجتمع العُماني، متسلحًا بالقيم الأصيلة والشرعية القانونية والرؤية الاستراتيجية، حفاظًا على حقوق الأجيال المتعاقبة.

**media[3126798]**