في كل مرة تفاجئنا الحياة بنوع جديد من الألم الذي يتسرب إلى شرايين أجسادنا ليستقر لاحقا في أعماق الروح، ويشغل مجالات تفكيرنا، ويعكر صفو الحياة التي نعيش فيها، وكأن هذا الشعور المؤذي ما هو إلا جرح جديد يضاف إلى جراح الزمن التي لا تسكن ولا تخبو إلا مع الموت، أحيانا ندرك بأن هذا التوهج النفسي مع القدر.
إن من بين الأشياء المؤذية للإنسان، التعرض «للخيانة»، التي أراها تأتي من زاوية الضعف البشري أمام مغريات الحياة الزائلة، فكم من خيانة وإن بدت صغيرة إلا أنها لا تغتفر لصاحبها حتى وإن جاء نادما على فعلته، من منا لا يتفق على أن الصديق المخلص "نعمة" عظيمة، لكن عندما يريد أن يغدر بأقرب الناس إليه يتحول إلى «نقمة»، فكيف إذا جاء الغدر من أقرب الناس لينا؟!
في البداية لا نستوعب حيثيات المشهد أو الطريقة التي جاءت من أبوابها الخيانة، عندها قد نخرج عن نطاق السيطرة أو التحكم بأعصابنا، أو لا نعي كافة التفاصيل التي نبحث عن مبرر لها.
نسأل أنفسنا، لماذا حدث ذلك؟ وهل نستحق كل ما جرى؟، نظل في دائرة الحيرة والضياع الفكري، ولكن ما أن تهدى أنفسنا قليلا حتى ندخل في مرحلة الاستيعاب الفكري، ونربط خيوط الأحداث وجمع تفاصيلها مع بعضها البعض عندها نتأكد بأن كل ما حدث لنا من غدر وخيانة هو «مأساة حقيقية»، وعلينا مواجهتها بقوة، حتى لا نفقد الأمل بالحياة ومن حولنا من البشر، أو من منطلق الواقع الذي يدلنا دوما على أنه «ليس كل من يمشي على الأرض هو شخص خائن للعهد والوعد».
إذا كنا نكابر أو ندعي القوة في مواجهة الواقع، فإن نتائج الهزيمة تظهر سريعا على وجوهنا، فخيانة الصديق لنا هي بمثابة سكين تقطع شرايين القلب وتدميه ألما وحسرة، فما أصعبه من شعور يضغط على كل جوارحنا، فهو ذلك الجرح العميق الذي لا يبرأ بسهولة مع خيبة أمل الغير متوقعة، لكن التفاصيل المهمة تظل قابعة في مخيلة عقولنا المتعبة.
أجمع الكثير من الناس على أن جذور الخيانة وأشكالها تتشعب إلى أوجه متعددة، وتأتي من مصادر وجهات متفرقة، سواء من خلال العلاقات الفردية الخاصة أو المشاركات الاجتماعية مع الآخرين، لكن يبدو أن الخيانة هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة الفطرية البشرية، وقد تكون أيضا نوع من السلوك العدواني تجاه الآخرين، لكنها في نظر الفلاسفة والحكماء «مسألة معقدة للغاية» تحمل في طياتها مفهوما غامضا يستحق التفكير العميق، وتدعو إلى التأمل سواء من طرح الفكرة ذاتها أو من تتبع أثر الفعل بعينه.
نحن على يقين تام بأن مفهوم الخيانة وتعريفها الصحيح يختلف من شخص إلى آخر، ولكن أقوال السابقين من الكتاب والأدباء تؤكد بأن «للخيانة» أثر عظيم في النفوس البشرية وأيضا لها جانبان يكملان بعضهما البعض فمثلا الكاتبة والروائية والشاعرة البريطانية شارلوت برينت تقول: «الخيانة تعلمنا أن الثقة ليست عبارة عن هبة، بل هي اختيار نحن نتخذه»، أما القاضي والسياسي الكندي روبرت ليون فيقول: «الخيانة تعلمنا أن الصداقة الحقيقية قليلة ونادرة، وأنه يجب أن نحتفظ بها ككنز».، وأبلغ ما قيل كان على لسان أول رئيسة لأيرلندا ماريا روبنز: «الخيانة تكشف لنا ضعفنا وقوتنا في الوقت ذاته، فهي تجعلنا نتعلم كيف نتعامل مع الألم ونتجاوزه».
هذه طائفة بسيطة اقتبستها من أماكن متفرقة لأقوال خالدة قالها نخبة من البشر عن الخيانة، وكيف أنها تبقى في الجسد كالجرح الذي لا يلتئم سريعًا، بل يظل الإنسان يعاني من شدة الوجع الذي تحدثه نفسيا وجسديا مع تقدمه في العمر.
بعض الناس يرى أن أثر الخيانة يبقى مخبأ في خيمة مظلمة تلقي بظلالها على العلاقات الإنسانية، والبعض الآخر يراها أنها تجربة مؤلمة تختبر قوة الروح وقدرتها على التعافي بعد الحادثة.
وما بين الفريقين يتأكد لنا أن للخيانة دورا فعالا في نمو وتطور الأفكار الشخصية، وإذا كان هناك شيء يمكننا أن نستخلصه من هذه الظواهر القاسية ونجعله حاضرا في أذهاننا فهو أننا يجب أن نحترم «الثقة والعهود» التي نقيمها مع الآخرين، وفي الوقت نفسه أن نكون «حذرين قدر المستطاع» في اختيارنا لمن نثق بهم. وعلى الجانب الآخر، يجب أن نتعلم أيضا كيف نتعامل مع «الخيبات والتحديات» بروح إيجابية وقلب مفتوح للنمو والشفاء من الألم الذي تحدثه الخديعة أو الخيانة.
من الحقائق التي لا يخفيها الناس عن بعضهم البعض «أن الخيانة وإن تعددت أسبابها ومآربها فهي تعكس الجانب الأكثر هشاشة في طبيعة الإنسان»، وفي الوقت ذاته «تشجعنا على السعي لبناء علاقات أقوى وأكثر استدامة، وعلى التحلي بالصدق والوفاء في تعاملنا مع الآخرين».