شهد قطاع التمويل الإسلامي في سلطنة عمان نموًا متسارعًا خلال السنوات الماضية، ليصبح أحد المكونات الرئيسية في النظام المصرفي الوطني، محققًا حضورًا بارزًا ومنافسة قوية مع البنوك التقليدية. وفي هذا الحوار، يتحدث الدكتور عبدالله بن مبارك بن سيف العبري، رئيس الهيئة الشرعية في ميثاق للصيرفة الإسلامية – نافذة بنك مسقط، عن واقع التجربة العمانية في الصيرفة الإسلامية، وأبرز التحديات والفرص التي تواجهها، إضافة إلى ملامح المستقبل في ظل "رؤية عمان 2040".
فقد أكد الدكتور عبدالله العبري أن قطاع التمويل الإسلامي في سلطنة عمان حقق نموًا ملحوظًا منذ انطلاقه الرسمي عام 2012، إذ ارتفعت حصته إلى ما بين 18 و20% من إجمالي الأصول المصرفية بحلول عام 2024، الأمر الذي يعكس ثقة متنامية وإقبالًا متزايدًا من قبل المتعاملين، موضحًا أن التجربة العمانية تميزت منذ بدايتها بالصرامة الشرعية والرقابية، ما عزز مصداقيتها، غير أن المرحلة المقبلة تستدعي المزيد من الابتكار والرقمنة لزيادة الحصة السوقية.
وأشار العبري إلى أن أبرز تحديات البنوك الإسلامية هي أنها تواجه منافسة قوية مع البنوك التقليدية، خاصة في جانب الأسعار، إضافة إلى غياب قانون مصرفي خاص بها، واعتماد البنك المركزي على الأدوات التقليدية في إدارة السيولة، إلى جانب ارتفاع تكلفة الامتثال الشرعي وضعف الثقافة المالية الإسلامية لدى الزبائن، مما يجعل الإقبال أقل من المتوقع، كما لفت إلى أن التحول الرقمي يطرح تحديات إضافية في دمج مبادئ الشريعة مع التكنولوجيا المالية.
وبيّن أن البيئة التشريعية في عمان تعد مشجعة ومتقدمة نسبيًا، حيث أصدر البنك المركزي لوائح تفصيلية للصيرفة الإسلامية منذ البداية، مع وجود رقابة دقيقة لضمان الالتزام الشرعي. إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير تشريعات تدعم الابتكار في التكنولوجيا المالية الإسلامية وتشجع على إصدارات الصكوك، فضلًا عن الحاجة إلى قانون مصرفي خاص بالصيرفة الإسلامية. وأضاف أن اللوائح العمانية تتوافق بدرجة كبيرة مع معايير الهيئات الدولية مثل AAOIFI وIFSB، خصوصًا في مجالات الحوكمة الشرعية والمحاسبة، إذ فرضت سلطنة عمان منذ البداية الالتزام بمعايير المحاسبة والحوكمة الشرعية، ما منح التجربة العمانية تميزًا على مستوى الشفافية والانضباط.
وأشار العبري إلى أن قدرة البنوك الإسلامية على التميز تكمن في التركيز على القيم الشرعية والأخلاقية في التسويق، وابتكار منتجات تلبي تطلعات الشباب ورواد الأعمال، إلى جانب التوسع في القنوات الرقمية (التطبيقات الذكية، المحافظ الإلكترونية)، وخفض التكاليف مع تحسين سرعة الخدمة مع الحفاظ على الامتثال الشرعي، مؤكدًا أن التكامل مع مبادرات الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية يمنح هذه البنوك ميزة إضافية.
وفيما يخص وعي المجتمع العماني بمزايا الصيرفة الإسلامية، أوضح أن الوعي في تحسن مستمر لكنه لا يزال بحاجة إلى تعزيز، خاصة بين الفئات الشابة، حيث يسود اعتقاد بأنها أقل مرونة أو أكثر تكلفة من التقليدية، ما يتطلب حملات إعلامية واسعة لتعريف المجتمع بمزاياها وأمانها الشرعي. وأضاف أن الإقبال على المنتجات الإسلامية في نمو ملحوظ، خصوصًا في التمويل العقاري (المرابحة والإجارة) والودائع الاستثمارية (المضاربة) وتمويل السيارات، بينما لا تزال منتجات تمويل الريادي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة بحاجة إلى تطوير أكبر.
وأكد أن الالتزام الشرعي في سلطنة عمان مضمون عبر هيئات رقابة شرعية مستقلة داخل البنوك، إضافة إلى المراجعة الدورية من قبل البنك المركزي وإصدار تقارير شرعية سنوية تخضع للتدقيق. أما عن المستقبل، فأوضح أن الخطط تتجه نحو تشجيع إصدارات الصكوك الحكومية والخاصة وزيادة مساهمة الصيرفة الإسلامية في التمويل التنموي، مع إدماج التكنولوجيا المالية والتوسع في الشمول المالي عبر الخدمات الرقمية.
وأضاف العبري أن سلطنة عمان تستهدف رفع حصة التمويل الإسلامي إلى ما بين 25% و30% خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من دعم التحول الرقمي وتطوير منتجات مبتكرة وتشجيع الاستثمار المؤسسي بالصكوك، كما كشف عن توجه نحو تعزيز سوق الصكوك السيادية والخاصة لتمويل مشروعات "رؤية عمان 2040" وجذب المستثمرين المحليين والأجانب.
وحول فرص الدمج بين التمويل الإسلامي والتكنولوجيا المالية، أوضح أن المجال واسع، سواء عبر منصات التمويل الجماعي الإسلامية أو المحافظ الرقمية المتوافقة مع الشريعة أو الاستفادة من تقنيات البلوكشين لتعزيز الشفافية. وأشار إلى أن بعض البنوك العمانية بدأت بالفعل في تطوير تطبيقات مصرفية إسلامية، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة إلى ابتكارات أكبر تستهدف الشباب ورواد الأعمال.
وبيّن أن هناك فرصًا للتوسع الإقليمي والدولي أمام البنوك الإسلامية العمانية، خاصة في أسواق الخليج وشرق إفريقيا، ما يمنحها القدرة على أن تصبح مراكز إقليمية للتمويل الإسلامي، كما لفت إلى وجود توجه لتطوير أدوات تمويلية جديدة تلبي احتياجات قطاعات التعليم وريادة الأعمال، مثل منتجات التمويل العقاري المبتكرة وعقود الإجارة التعليمية والصكوك الموجهة لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار العبري إلى وجود مبادرات توعوية من البنوك والبنك المركزي لتعزيز الثقافة المالية الإسلامية، لكنه شدد على ضرورة تكثيف الحملات الإعلامية، وإدماج هذه الثقافة في المناهج الدراسية، وتنظيم دورات عمل موجهة للمستثمرين ورواد الأعمال.
وأكد الدكتور عبدالله العبري على أن مستقبل التمويل الإسلامي في سلطنة عمان واعد في ظل "رؤية عمان 2040"؛ إذ تتوافق مبادئه مع أهداف الاستدامة والتنمية الاقتصادية، وسيكون ركيزة أساسية في تمويل مشروعات البنية الأساسية والطاقة المتجددة والمشروعات الاجتماعية.