تواصل سلطنة عمان نهجها في الأخذ بآراء المواطنين في الكثير من المجالات التي تمس الصالح العام سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، ومن أهم الطرق التي مارستها هي التشاور الإلكتروني والتي تتيح للمؤسسات الحكومية التواصل مع المواطنين والأفراد عبر القنوات الإلكترونية؛ بهدف أخذ آرائهم أو التصويت حول مشاريع أو قرارات قبل إطلاقها بشكل رسمي.
وتسهم العملية بشكل مباشر في بناء الثقة بين الحكومة والمواطنين، وتعزيز الشفافية، ومواكبة اهتمامات المجتمع واحتياجاتهم، وعملت على إطلاق مبادرات داعمة لهذا التوجه، كما استفادت من القنوات الرقمية لتيسير هذه العملية، وتسريعها، وجعلها متاحة لجميع أفراد المجتمع.
في إطار «رؤية عُمان 2040»، التي تضع المواطن في قلب منظومة التطوير والتحسين، جاءت منصة «تجاوب» كمبادرة وطنية رائدة أطلقتها سلطنة عُمان خلال العام الحالي، لتكون قناة موحدة تربط المستفيدين بأكثر من 55 جهة حكومية، وتمكّن المنصة المواطنين والمقيمين من تقديم الشكاوى والمقترحات والبلاغات والاستفسارات، في بيئة رقمية تتميز بالشفافية والخصوصية وسهولة الاستخدام.
وتعكس المنصة تحولًا فعليا في ثقافة تقديم الخدمات الحكومية، حيث تعزّز مبدأ المشاركة الإلكترونية من خلال تمكين الأفراد من التعبير عن آرائهم وتجاربهم مع الخدمات الحكومية المختلفة، والمساهمة في تطويرها عبر قنوات تفاعلية سهلة ومرنة، كما يمكن للمستخدم تقديم طلباته عبر الموقع الإلكتروني، أو التطبيق الذكي، أو مركز الاتصالات، وتُرسل إشعارات فورية عن حالة الطلب ومراحل معالجته عبر الرسائل النصية والبريد الإلكتروني.
وتتيح المنصة للمستخدم متابعة طلبه، وتقييم الخدمة بعد تنفيذها، وإمكانية إعادة فتح الطلب في حال عدم الرضا عن المعالجة، مما يرسّخ مبدأ المساءلة الحكومية والمشاركة المستمرة في تحسين جودة الأداء، كما تقدم المنصة واجهة تفاعلية ثنائية اللغة(العربية/الإنجليزية)، وتدعم جميع فئات المجتمع، بما في ذلك ذوي الإعاقة، عبر ميزات كقارئ الشاشة، وإمكانية تكبير النص، ولغة الإشارة، والتنقل باستخدام لوحة المفاتيح.
تتسم المنصة بتكاملها مع أنظمة الجهات الحكومية، مما يُمكّن من توزيع الطلبات على الجهات المختصة بكفاءة عالية، وتقليل وقت الاستجابة. ويُعدّ الموقع الجغرافي عنصرًا مساعدًا إضافيًا، حيث يمكن ربط الطلب بالخدمة أو الموقع المستهدف، مما يُسهّل المعالجة ويوفر استجابة دقيقة وسريعة.
وفي إطار الشفافية، تشارك العديد من الجهات الحكومية إحصاءات دقيقة على صفحاتها الرسمية حول عدد الطلبات المستلمة، ونسبة الإنجاز، وأنواع التحديات، مما يعزّز ثقة المجتمع في فاعلية المنصة، وقد بلغ عدد الطلبات المقدّمة حتى الآن أكثر من 42 ألف طلب، تشمل أكثر من 3702 خدمة متنوعة، مما يؤكد إقبال المجتمع على استخدام هذه القناة التفاعلية والمساهمة في تطوير الأداء الحكومي.
وتعمل «تجاوب» أيضًا على استشراف المستقبل الرقمي، من خلال التخطيط لتضمين تقنيات الذكاء الاصطناعي، لفهم محتوى الطلبات وفرزها تلقائيًا حسب الكلمات المفتاحية، وتصنيفها وفق الأولوية والجهة المختصة، بما يُسهم في تسريع الاستجابة وتحقيق تجربة مستخدم أكثر سلاسة وفعالية، كما تخصص المنصة نافذة خاصة بعنوان «تواصل معنا» لاستقبال المقترحات لتطوير المنصة نفسها، مما يعزّز من الدور التشاركي، ويجعل المستخدم جزءًا من عملية تحسين الأداة التي يستخدمها.
وتُجسد المنصة نموذجا متكاملًا ونقلة نوعية في المشاركة الإلكترونية الهادفة، وتُؤسس لثقافة جديدة من التعاون بين المجتمع والحكومة، مبنية على الثقة، الشفافية، والتمكين الرقمي.
كما نفذت وزارة العمل حملة تقييم للخدمات التي تقدمها، حيث دعت المواطنين والمقيمين، خلال الفترة من 9 إلى 13 إبريل 2025، إلى المشاركة في تقييم خدماتها الرقمية وغير الرقمية، وقد هدفت الحملة إلى التعرف على مستوى رضا المستفيدين، واستطلاع التحديات التي تواجههم، واستثمار نتائج التقييم في رسم خطة تطوير شاملة. وشهدت الحملة تفاعلًا ملحوظًا عبر منصات التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة، وأسفرت عن رفع تقرير تفصيلي بنتائج المشاركة إلى فريق التحول الرقمي بالوزارة لدراستها.
كما نفّذت المؤسسة العامة للمناطق الصناعية (مدائن) خلال يوليو 2023 استبيانًا لقياس رضا المستثمرين حول خدماتها الإلكترونية والعامة، بهدف التعرّف على واقع التجربة وتحديد مجالات التحسين. وقد أظهرت النتائج أن نسبة الرضا العام تجاوزت 78%، ورصدت عددًا من الملاحظات المهمة من المستثمرين، شملت: الحاجة إلى تبسيط الإجراءات، وتحسين واجهة المنصة، وتعزيز سرعة الاستجابة من مركز الاتصالات، وتوفير خدمات استشارية في المدن الصناعية، وبناءً على هذه الآراء، اتخذت "مدائن" عدة قرارات تطويرية منها تدشين خدمة الدفع الإلكتروني، وإعادة هندسة الخدمات، وإطلاق مبادرة «عيادة التحول الرقمي للمصنعين»، إلى جانب العمل على تحسين منهجية الشكاوى وآلية التصعيد.
وفي إطار التفاعل مع المستفيدين، أطلق جهاز الضرائب استبانة رقمية لقياس رضا المستخدمين عن واجهة البوابة الإلكترونية، بهدف تقييم سهولة الاستخدام وفاعلية التصميم، وقد أسفرت المشاركة عن ملاحظات متعددة تركزت على تحسين تجربة المستخدم وتيسير الوصول إلى المعلومات والخدمات. وبناءً على هذه المخرجات، رُفِعَت النتائج إلى الفريق الفني المختص لوضع خطة تطويرية ترتكز على آراء المستخدمين.
وتعكس مبادرة تقييم الخدمات الحكومية وقياس رضا المستفيدين حرص الجهات الحكومية على تعزيز الشفافية وتفعيل التواصل الرقمي، انسجامًا مع توجهات الحوكمة الحديثة والتحول المؤسسي. ومن خلال إشراك المستفيدين في تقييم الخدمات، أظهرت جهات مثل وزارة العمل، ومدائن، وجهاز الضرائب التزامًا فعليًا بتحسين الأداء، وتجويد الخدمات، والارتقاء بتجربة المستخدم، في خطوة تعزز بناء حكومة رقمية أكثر تفاعلًا وكفاءة، تتماشى مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040».
تماشيًا مع التوجيهات السامية لتسريع تنفيذ برنامج التحول الرقمي الحكومي 2021–2025، وتأكيدًا على أهمية توفير خدمات حكومية سهلة وذات كفاءة عالية، تعمل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بالتعاون مع وحدة متابعة تنفيذ «رؤية عُمان 2040»، على تنظيم مختبرات «منجم» لتبسيط الإجراءات الحكومية، وذلك من خلال إدارة مختبرات مخصصة للجهات الحكومية المعنية، بمشاركة جميع الأطراف المؤثرة في مسار تقديم الخدمة، وإيمانًا بدور الأفراد في عملية التحسين المستمر، وأهمية المشاركة المجتمعية في رفع كفاءة الخدمات وتوجيهها بصورة أفضل لتلبية احتياجات المستفيدين، تدعو الوزارة بمشاركة أفراد المجتمع المستفيدين من الخدمات الحكومية، من خلال الحضور الفعلي للمختبرات بهدف إبراز التحديات وتقديم مقترحات التحسين التي تراعي ظروف المستفيدين.
تستهدف المختبرات إعادة هندسة 1731 خدمة حكومية، تُنفّذ على أربع مراحل، بمدة زمنية قدرها ثلاثة أشهر لكل مرحلة، تغطي كل منها مجموعة محددة من القطاعات الخدمية، حيث تُنظَّم مختبرات مكثفة لكل قطاع على حدة، كما أعلنت مختبرات «منجم» عن مسار عملها المكون من أربع خطوات، تبدأ باجتماع ممثلي الجهات المعنية بالخدمة، بمشاركة ممثلي المجتمع، لرسم المسار الحالي للخدمة، وفي الخطوة الثانية، تُستعرض التحديات ونقاط الضعف، إلى جانب مناقشة التحسينات الرقمية المقترحة، مما يؤدي إلى تصميم المسار المستقبلي للخدمة، أما الخطوة الثالثة فتتضمن إعداد مستند شامل لمخرجات المختبر، تتم مراجعته من قِبل أصحاب المصلحة وفريق ضبط الجودة، لتُختتم الخطوات بتعديل المستند واعتماده بصيغته النهائية من قبل مديري العموم في كل مؤسسة.
وتهدف الجهود المبذولة إلى مواءمة الخدمات مع متطلبات واحتياجات المستفيدين، مع مراعاة سياق الاستخدام، والعمل على معالجة التحديات التي تعيق الاستفادة من الخدمات المقدمة، كما تسعى المبادرة إلى دعم الجهات الحكومية وتمكينها من تسريع إنتاج إجراءات حكومية بسيطة وفعالة، ومعالجة التعقيد في المسارات الحالية، إلى جانب تعزيز المعرفة وبناء المهارات لضمان تطبيق أفضل الممارسات في تحسين جودة الخدمات.
وتُفعّل هذه المختبرات الدور المجتمعي في تطوير الخدمات الحكومية؛ إذ تمكّن المستفيدون من التسجيل إلكترونيًا للمشاركة في كل مرحلة من مراحل المختبرات، سواء عبر المسار الحضوري من خلال حضور جلسات النقاش والمشاركة المباشرة في اتخاذ القرارات، أو عبر المسار الرقمي من خلال تعبئة استطلاعات الرأي الإلكترونية، ويُعزز هذا النهج ثقافة الشراكة بين الحكومة والمجتمع، ويجسد مبدأ إشراك المواطنين في تصميم السياسات والخدمات، وحققت نتائج نوعية في تبسيط الخدمات الحكومية وتحسين تجربة المستفيد، من خلال ثلاث مراحل رئيسية من العمل التشاركي والمشاركة الرقمية، ففي المرحلة الأولى (يناير–مارس 2023)، تم تبسيط 145 خدمة بمشاركة أكثر من 300 ممثل مؤسسي و50 مشاركًا من المجتمع، وشملت تسع جهات حكومية رئيسية، أما المرحلة الثانية (مايو–يوليو 2023)، فاستهدفت تبسيط 120 خدمة، بمشاركة أكثر من 100 جهة و100 فرد من المجتمع، مما يعكس نهجًا شاملًا في تطوير الخدمات، وفي المرحلة الثالثة، تمت تغطية 45 خدمة أساسية، أبرزها تسجيل المواليد، وإصدار الوثائق الرسمية، وخدمات الزواج، والرعاية المجتمعية، مع التركيز على تقديم الخدمات بشكل استباقي ومن خلال باقات موحدة تُسهل على المستفيدين.
وعلى نطاق أوسع، نجحت المبادرة في تبسيط إجراءات 2,199 خدمة حكومية من أصل 2,869 خدمة مستهدفة بين عامي 2021 و2023، بنسبة إنجاز بلغت 41%، ما يعكس التزام سلطنة عُمان بمنهجية رحلة المستفيد، وتقديم خدمات حكومية رقمية أكثر تكاملًا وكفاءة، ضمن رؤية طموحة تستند إلى الشفافية والمشاركة المجتمعية الفاعلة.
أطلقت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات مبادرة "شوركم" في سبتمبر 2017، وهي منصة حوارية مفتوحة تتيح للمواطنين والمقيمين التعبير عن آرائهم ومقترحاتهم عبر جلسات إلكترونية، واستطلاعات رأي رقمية، وتفاعل مباشر على منصات التواصل الاجتماعي مثل إكس، وإنستجرام، وفيسبوك، ويوتيوب، ولا تزال المبادرة مستمرة حتى اليوم، تأكيدًا على التزام الوزارة بتعزيز التفاعل الرقمي مع المجتمع.
تعكس المبادرة حرص سلطنة عُمان على إشراك المجتمع في تطوير الخدمات والتشريعات، خاصة في مجالات التقنية والفضاء السيبراني، وتناقش الجلسات قضايا مهمة مثل حماية الأطفال إلكترونيًا، والبيانات المفتوحة، والتحول الرقمي في الجهات الحكومية، وتُظهر الإحصائيات أن 93% من الجهات الحكومية تستخدم أدوات المشاركة الإلكترونية، و78% منها تعتمد منصات التواصل الاجتماعي للتفاعل مع الجمهور، مما يعكس التزامها بتعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية الرقمية.
وتُظهر المؤشرات الرقمية حتى الآن تفاعلًا لافتًا من الجمهور، حيث تجاوز التفاعل 2,500 منشور على منصة إكس، وأكثر من 4,600 إعجاب، و60 فكرة مطروحة، مما يعكس درجة كبيرة من التفاعل والالتزام المجتمعي.