أكد مختصون على أن الإعلام يمتلك القدرة في تشكيل الوعي المجتمعي، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأسرية مثل: الزواج والطلاق والنفقة والتربية وحقوق الطفل،
وأشاروا في حديثهم لـ"عُمان" إلى أن الإعلام الواعي شريك في بناء مجتمع قانوني مثقف ومتزن ومتماسك، قادر على حماية الأسرة وصون النسيج الاجتماعي من التفكك.
تأثير الإعلام
أوضح الدكتور خلفان بن سالم البوسعيدي -أخصائي علاقات أسرية أول- أن رسالة الإعلام رسالة سامية ونبيلة ولها تأثيرات عميقة على مختلف فئات المجتمع؛ نظرًا لقدرته على الوصول السريع والواسع للآخرين، وبيّن أن الإعلام يلعب دورًا محوريًا في صناعة الوعي وتشكيل الهوية الأسرية، وله حضور أساسي في نشر قيم الحب والمودة والحوار والتسامح، غير أنه في الوقت نفسه سلاح ذو حدين، فقد يسهم في معالجة القضايا الأسرية أو يضخمها ويعرضها وكأنها النموذج السائد في الواقع.
وتناول أبرز الممارسات الإعلامية التي تدعم الاستقرار الأسري، معتبرًا أن إنتاج مقاطع فيديو قصيرة لا تتجاوز دقيقة واحدة، تقدم رسائل مركزة ومبسطة، ويعد من أقوى الوسائل وأكثرها تأثيرًا، بحكم أن غالبية المجتمع اليوم يعتمد بشكل أساسي على الشاشات، مشيرا إلى أهمية الرسائل الإعلامية الموجهة للمقبلين على الزواج؛ حيث ينبغي أن تركز على أسس اختيار شريك الحياة، والفروقات النفسية بين الجنسين، والحقوق والواجبات الزوجية، إضافة إلى برامج خاصة بالحوار وإدارة الغضب واتخاذ القرار وحل المشكلات، لافتا إلى ضرورة إبراز قصص ونماذج أسرية ناجحة من المجتمع، لما لذلك من أثر إيجابي في بناء تصورات سليمة حول الحياة الأسرية.
حملات إعلامية
وفيما يتعلق بدور الحملات الإعلامية في نشر ثقافة التسامح وحل النزاعات بالحوار، رأى البوسعيدي أن استضافة نماذج ناجحة ومؤثرة من المجتمع العماني يمثل جانبًا مهمًا، خاصة عند استغلال المناسبات الوطنية لتعزيز الرسائل، كما أكد على أهمية بناء شراكات مع مؤسسات معنية مثل وزارة التنمية الاجتماعية لدعم هذا الدور.
وأفاد بأن إشراك المتخصصين في العلاقات الأسرية ضمن فرق إعداد البرامج الإعلامية يعد أمرًا أساسيًا، كونهم الأقدر على توصيف المشكلات الأسرية وتبسيطها، فضلًا عن امتلاكهم مهارات إيصال المعلومة بشكل مؤثر وسريع، ما يعزز ثقة الجمهور في المادة المقدمة.
أما عن توظيف القصص الواقعية في الإعلام لمعالجة النزاعات، فقال الدكتور خلفان البوسعيدي بأنه يتحفظ على التركيز على القصص السلبية مثل الخيانة أو الاستغلال أو العنف؛ نظرًا لآثارها السلبية على المقبلين على الزواج، أنه في المقابل يدعم نشر قصص ناجحة واقعية تقدم بأسلوب قصصي مؤثر واحترافي على يد متخصصين.
قيم مجتمعية
من جانبه، تناول الدكتور هلال بن سالم العبري، أخصائي إرشاد وتوجيه بجامعة السلطان قابوس، الدور المؤثر الذي يلعبه الإعلام في تشكيل أنماط التفكير والسلوك بين أفراد المجتمع، موضحًا أن المادة الإعلامية بمختلف قوالبها تسهم في صياغة توجهات سلوكية واجتماعية واقتصادية، مشيرا إلى أن التوعية بالتفكير الناقد تمثل أحد أهم أدوار الإعلام في هذا الجانب، لما لها من أثر في تعزيز مشاركة الأفراد بآرائهم بشكل متزن بعيدًا عن التعصب والكراهية.
وأضاف: إن الإعلام ينبغي أن يركز على التوعية بالقضايا الأسرية من خلال طرح قصص نجاح مرتبطة بالتنشئة السليمة المستمدة من الدين الحنيف ورسالة الأسرة في بناء مجتمع صالح، مؤكدًا أن ذلك يسهم في جعل الفرد عنصرًا فاعلًا في محيطه ومؤثرًا إيجابيًا في مجتمعه.
ولفت إلى أن من أبرز الصعوبات التي تواجه الأسر قضية ضبط الانفعالات، والتي قد تنتج عن ضغوطات الحياة أو سرعة التفاعلات اليومية، وهو ما يستدعي إنتاج برامج إعلامية ذات بُعد نفسي تساعد في نشر الاستقرار والسكينة، مع ضرورة استضافة المختصين لضمان دقة المعلومة وارتكازها على أسس علمية ودينية رصينة، في ظل الكم الهائل من المعلومات المتداولة.
وبيّن أن استعراض قصص النجاح داخل الأسر يسهم بشكل ملموس في خفض الصراعات، إذا ما تم تقديمها ضمن خطوات علمية مدروسة لإدارة الخلافات والتعامل مع الأبناء في مختلف المراحل العمرية. وأكد أن التنوع والتجديد في الطرح الإعلامي يمثلان الطريق الأمثل للإسهام في تقليص حدة النزاعات الأسرية.
وأشار العبري إلى أن الدراسات العلمية تقدم مقترحات عديدة لتعزيز الاستقرار الأسري، وعلى الإعلام أن يقوم بدوره في تبنيها ونقلها إلى المجتمع، لما لذلك من انعكاس مباشر على استقرار الأسرة والمجتمع ككل.
كما تناول دور الإعلام في دعم المبادرات التعليمية والمجتمعية من خلال الإعلان والترويج، وحث الجمهور على التفاعل معها، مما يسهم في نجاحها واستمراريتها ونقل رسالتها إلى الأجيال القادمة. وختم الدكتور هلال العبري حديثه بقوله: إن الإعلام يمثل منارة للتوجيه والإرشاد، ويسهم في غرس قيم المحبة والسلام والانفتاح المتزن الذي عُرف به المجتمع العماني.
الإعلام وصون الأسرة
بدوره، قال الدكتور عبدالعزيز بن مبارك الراشدي، محامٍ مقيّد أمام المحكمة العليا: إن الإعلام يمتلك قوةً هائلةً ودورًا محوريًا في تشكيل الوعي المجتمعي لدى جميع شرائح المجتمع، خصوصًا فيما يتعلق بالقضايا الأسرية الحساسة مثل: الزواج والطلاق والنفقة والتربية وحقوق الطفل وغيرها. وبيّن أن الإعلام الواعي ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو شريك أساسي في بناء مجتمع قانوني مثقف ومتزن ومتماسك يعرف حدوده وحقوقه.
وتطرق إلى المساهمة الإيجابية للإعلام في رفع وعي المجتمع من خلال عدة مسارات فاعلة، منها التثقيف القانوني المباشر عبر إنتاج محتوى مبسط وسرد حالات واقعية، إضافة إلى إقامة حملات إعلامية توعوية موجهة بالتعاون مع الجهات القضائية، مثل: الحملات الموجهة للمقبلين على الزواج التي توضح الحقوق والواجبات القانونية كحقوق المرأة والطفل، مشيرا إلى أهمية استغلال الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة، وتصحيح العديد من المفاهيم المغلوطة في التعامل بين الأزواج وأفراد الأسرة، مع بناء شراكات مع مؤسسات المجتمع المدني مثل: جمعيات المرأة العمانية والفرق التطوعية الخيرية واللجان الاجتماعية في الولايات لنشر الثقافة الأسرية الصحيحة.
وأضاف: أن الطرح القانوني ينبغي أن يكون مبسطًا وبعيدًا عن التعقيد والمصطلحات الجافة، فتبسيط المعلومات القانونية ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية. وأكد أن القانون ليس حكرًا على القضاة والمحامين، إذ أن فهم الحقوق يحمي الأسرة، فالكثير من النزاعات الأسرية تنشأ من سوء فهم للحقوق والواجبات، وضرب مثالًا بأن المرأة حين تفهم حقوقها بشكل واضح، فإنها عند وقوع الطلاق تستطيع تحديد حقوقها الشرعية المعتبرة مثل النفقة وحضانة الأبناء.
وأشار إلى أن الإعلام لا يمكن أن يؤدي دوره التوعوي ما لم تُقدم له معلومات قانونية قابلة للفهم والنشر، فكلما اقترب القانون من الناس اقتربت العدالة من الواقع، كما لفت إلى أن اللجوء إلى المحاكم بشكل عام يُثقل كاهل المتقاضين نفسيًا وماديًا ويطيل أمد الخلافات، وهنا يبرز دور الإعلام كأداة استراتيجية لنشر الوعي القانوني وتعزيز ثقافة التسوية الودية، عبر تسليط الضوء على البدائل القانونية مثل إدخال الحكمين في المصالحة الأسرية أو اللجوء إلى لجان التوفيق والمصالحة قبل التوجه إلى المحاكم، استنادًا إلى نص المادة (4) من قانون التوفيق والمصالحة. وبيّن أن الإعلام يمكن أن يسهم أيضًا عبر برامج تلفزيونية وإذاعية حوارية تستضيف خبراء قانونيين وشرعيين لشرح القوانين بلغة مبسطة، مستشهدًا ببرنامج "سؤال أهل الذكر" الذي قدّم فهمًا واسعًا لأحكام الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية. كما يمكن للإعلام أن يقدم مقالات توعوية في الصحف اليومية، ويعزز المحتوى الرقمي القانوني على منصات التواصل الاجتماعي.
وختم الدكتور عبدالعزيز الراشدي بالقول إن الإعلام بكل وسائله يُعد الأداة الفاعلة في إيصال المعلومات القانونية إلى المجتمع، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يخضع لرقابة صارمة، ما ينعكس سلبًا أو إيجابًا على المتلقين، وقال من المؤسف أن نرى محتوى يسهم في تفكيك الأسر وانحراف سلوكيات الأطفال والشباب وحتى الكبار أحيانًا، مؤكدًا أن القوانين النافذة في سلطنة عمان تجرّم العديد من السلوكيات الأسرية. واستشهد بقانون الطفل الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ٢٢/٢٠١٤ الذي تضمن أكثر من سبعين مادة لحماية حقوق الطفل وتجريم الاعتداء عليه، إضافة إلى قانون الجزاء الذي أقر عقوبات صارمة للجرائم التي تمس الأسرة والمجتمع، مشيرًا إلى أن دور الإعلام يتعاظم في تكثيف الوعي لصون الأسرة وحماية النسيج المجتمعي.