ترجمة: نهى مصطفى
دفع التطور السريع للذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة العديد من المحللين إلى الاعتقاد بأنه سيزعزع السياسة الدولية وتوازن القوى العسكرية، بل ذهب بعضهم إلى حد الادعاء، على حد تعبير خبراء التكنولوجيا دان هندريكس وإريك شميدت وألكسندر وانج، بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة قادرة على "ترسيخ هيمنة وسيطرة دولة واحدة بالكامل، تاركةً مصير منافسيها رهن إرادتها".
لا شك أن الذكاء الاصطناعي هو تكنولوجيا تحويلية، من شأنها أن تعزز الأسس الاقتصادية والسياسية والعسكرية للقوة الحكومية، لكن الفائز في سباق الذكاء الاصطناعي لن يتمتع بالضرورة بهيمنة مطلقة على منافسيه الرئيسيين.. لا تزال قوة الأسلحة النووية، أهم اختراع في القرن الماضي، عائقًا رئيسيًا أمام التغيير الجذري الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي. طالما بقيت أنظمة الردع النووي قائمة، فإن المزايا الاقتصادية والعسكرية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لن تسمح للدول بفرض تفضيلاتها السياسية بالكامل على بعضها البعض. الاقتصاد الأمريكي أكبر بنحو 15 مرة من اقتصاد روسيا، وأكبر بنحو 1000 مرة من اقتصاد كوريا الشمالية، ومع ذلك تكافح واشنطن من أجل إقناع موسكو أو بيونج يانج بفعل ما تريده، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى ترسانتيهما النووية.
أشار بعض المحللين إلى أن تطورات الذكاء الاصطناعي قد تشكل تحديًا لهذه الديناميكية. لتقويض الردع النووي، سيحتاج الذكاء الاصطناعي إلى تقويض ركيزته الأساسية: قدرة الدولة على الرد على هجوم نووي بضربة نووية مدمرة خاصة بها، وهو ما يعرف بقدرة الضربة الثانية. من الممكن أن تسهل تقنية الذكاء الاصطناعي على الدولة تدمير الترسانة النووية بأكملها لمنافستها في "ضربة أولى رائعة" من خلال تحديد مواقع الغواصات النووية والقاذفات المتنقلة. كما يمكنها منع الخصم من شن ضربة انتقامية من خلال تعطيل شبكات القيادة والتحكم، ويمكنها أيضًا تعزيز الدفاعات الصاروخية بحيث لا يعود بإمكان الخصم التهديد بالانتقام بشكل موثوق. إذا استطاع الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة مساعدة دولة ما على تجنب احتمال التدمير المتبادل المؤكد، فإن هذه التقنية ستجعل تلك الدولة لا تضاهى في قدرتها على تهديد وإكراه الخصوم - وهي نتيجة تتماشى مع الرؤى الشائعة بشكل متزايد للهيمنة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لكن تقويض توازن القوى النووية لن يكون سهلًا. لا تزال التقنيات الناشئة تواجه قيودًا حقيقية في المجال النووي. حتى أكثر أنظمة الاستهداف والاستشعار تطورًا، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، قد تجد صعوبة في تحديد موقع منصة إطلاق نووية متنقلة مخبأة تحت جسر، وعزل إشارات غواصة نووية عن ضجيج المحيط، وتنظيم التدمير المتزامن لمئات الأهداف برًا وجوًا وبحرًا - دون أي مجال للخطأ. وسيرد المنافسون على استخدام خصومهم للتكنولوجيا الجديدة بخطوات خاصة بهم للدفاع عن أنظمتهم، كما فعلوا في كل منعطف منذ فجر العصر النووي. ومع ذلك، حتى لو لم يشكل الذكاء الاصطناعي تحديًا للردع النووي، فإنه قد يشجع على انعدام الثقة واتخاذ إجراءات خطيرة بين الدول المسلحة نوويًا.
العديد من الخطوات التي يمكن للحكومات أن تتخذها لحماية وتعزيز قدراتها على الرد بالضربة الثانية قد تثير قلق المنافسين، مما قد يؤدي إلى سباقات تسلح باهظة التكلفة وخطيرة. من الممكن أيضًا أن تتجاوز أنظمة الذكاء الاصطناعي عتبةً حاسمة وتظهر تحسيناتٍ سريعةً للغاية في قدراتها. وفي حال حدوث ذلك، فقد تصبح مزاياها للدولة التي تمتلكها أكثر وضوحًا ويصعب على المنافسين منافستها. ينبغي على صانعي السياسات رصد هذا السيناريو وتسهيل التواصل المنتظم بين خبراء الذكاء الاصطناعي والخبراء النوويين. وفي الوقت نفسه، ينبغي عليهم اتخاذ خطواتٍ للحد من احتمالية وقوع الحوادث والتصعيد، بما في ذلك تقييم الأنظمة النووية بحثًا عن نقاط الضعف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والحفاظ على قنوات الاتصال بين القوى النووية. ستساعد هذه الخطوات على ضمان استمرار الاستقرار النووي - وليس فقط الردع النووي - في عصر الذكاء الاصطناعي.
يعتمد الردع النووي على قدرة الدول على توجيه ضربة ثانية مدمرة بعد التعرض لهجوم نووي، مما يجعل الضربة الأولى انتحارية ويضمن توازنًا مستقرًا نسبيًا. لكن هذه القدرة ليست محصنة، إذ يمكن استهداف منصات الإطلاق المتنقلة أو الغواصات إذا أمكن العثور عليها. غير أن اتساع أراضي الصين وروسيا والولايات المتحدة، إضافة إلى المحيطين الأطلسي والهادئ، يجعل من الصعب تنفيذ ضربة أولى ناجحة. ومع ذلك، فإن ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية قد يحل هذه المشكلة. فبقدرتها على معالجة وتحليل كميات هائلة من البيانات، يمكن للجيش المجهز بهذه التقنيات استهداف الأصول النووية لمنافسيه بشكل أفضل. الصواريخ المتنقلة التي تطلق من الأرض تشكل العمود الأصعب في قدرات الضربة الثانية لدى روسيا والصين، إذ يمكن إخفاؤها والتنقل بها باستمرار، ما يجعل القضاء عليها أكثر تعقيدًا من الصواريخ الثابتة في الصوامع. غير أن التقدم في الذكاء الاصطناعي قد يغير المعادلة، إذ يمكنه معالجة كميات هائلة من بيانات الأقمار الصناعية والاستطلاع والاستخبارات البشرية والإشارات، لزيادة فعالية تعقب هذه المنصات المتحركة واستهدافها.
قد تجعل التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي المحيطات أكثر "شفافية"، ما يهدد سرية غواصات الصواريخ الباليستية، خاصة بالنسبة للولايات المتحدة التي تعتمد عليها بشكل كبير. يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين تتبع الغواصات عبر تحليل بيانات متعددة المصادر، بل واختراق أنظمة الخصوم. لكن حتى مع ذلك، تبقى الضربة الأولى الحاسمة غير مضمونة، إذ تستطيع روسيا والصين مواجهة التطورات الأمريكية بوسائل مضادة، مثل مهاجمة الأقمار الصناعية، والتشويش، وزيادة الأهداف الوهمية، وتقليل الإشارات، وتحسين سرعة منصات الإطلاق، أو حتى استخدام الذكاء الاصطناعي لإرسال بيانات مضللة في قنوات تراقبها أجهزة الاستخبارات الأمريكية.
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على تسهيل اكتشاف وتدمير الأسلحة النووية، بل يمكن أن يهدد أيضًا أنظمة القيادة والتحكم الضرورية لتنفيذ الضربة الانتقامية. هذه الأنظمة مسؤولة عن كشف الهجمات وتقييم الأضرار وإرسال أوامر الرد. لكن استهدافها محفوف بالمخاطر، إذ قد يفسر كتمهيد لهجوم نووي ويؤدي إلى رد وقائي. العديد من مكوناتها معرضة أصلًا للخطر، ومع التطور التكنولوجي تزداد هشاشتها: فالمعدات الثابتة قد تدمَّر بالضربات، والمراكز المتنقلة والمراكز الجوية قد تستهدف بدقة أكبر، والأقمار الصناعية قد تصبح أكثر عرضة للهجوم، فيما قد تتيح الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي اختراق شبكات القيادة والتحكم وتعطيلها.
رغم التطور التكنولوجي، فإن القضاء الكامل على أنظمة القيادة والتحكم النووية بضربة واحدة يظل صعبًا للغاية. فقد صممت هذه الأنظمة لتكون مرنة عبر التكرار والتدابير المضادة: مخابئ عميقة تحت الأرض، آلاف الأقمار الصناعية، مراكز جوية يصعب رصدها، وأنظمة سيبرانية محمية. كما أن أي محاولة للاختراق تتعرض لخطر الكشف والانتقام، فيما تعمل الدول على تعزيز دفاعاتها بالذكاء الاصطناعي وتشغيل شبكات بديلة. لذلك، يبقى احتمال أن يشكّل الذكاء الاصطناعي تهديدًا حاسمًا للقضاء على هذه الأنظمة ضعيفًا.
وهناك مخاوف من أن يضعف الذكاء الاصطناعي الردع النووي عبر تعزيز الدفاعات الصاروخية، مما يقلل من فاعلية الضربة الثانية ويغري بضربة أولى. تاريخيًا، أثبت بناء دفاع صاروخي فعّال ضد قوة كبرى أنه شبه مستحيل بسبب صعوبة الاكتشاف والتتبع والتدمير خلال دقائق معدودة. الأنظمة الحالية محدودة وقابلة للإغراق بصواريخ أرخص. لكن الذكاء الاصطناعي قد يحسن الأداء عبر تسريع تحليل بيانات أجهزة الاستشعار، التمييز بين الرؤوس الحربية والوهمية، تحسين التنبؤ بالمسارات، وتصميم صواريخ اعتراضية أخف وأكثر مرونة وأقل كلفة.
رغم أن الدفاعات الصاروخية المعززة بالذكاء الاصطناعي قد تحسّن بعض القدرات، إلا أنها تواجه قيودًا مادية واقتصادية تجعل من الصعب تحييد الردع النووي. المهاجمون يملكون خيارات عديدة لتجاوزها، من الإغراق بالصواريخ الوهمية إلى استهداف الدفاعات مباشرة. وحتى لو بالغت الدول في تقدير قوة الذكاء الاصطناعي، فقد يقود هذا الإدراك إلى سباق تسلح وزيادة عدد الرؤوس الحربية، وتوسيع استخدام المنصات المتنقلة، وتسريع إجراءات الإطلاق أو تفويضها. مثل هذه السياسات قد ترفع مخاطر التصعيد أو الحوادث النووية، خصوصًا لدى القوى النووية الأصغر مثل الهند وباكستان.
إلى جانب هذا الغموض المزعزع للاستقرار، لا يزال من الممكن أن تطوّر الدول أنظمة ذكاء اصطناعي أقوى بكثير، ما قد يهدد أساليب الردع النووي بطرق لا يمكن توقعها حتى الآن، خاصةً إذا أصبح البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي مؤتمتًا بالكامل - وهو ما يشير إليه بعض الخبراء - مما يحفز انطلاقًا مفاجئًا في القدرات. ينبغي على خبراء الأمن القومي ألا يستبعدوا هذا الاحتمال، وأن يراقبوا باستمرار أي دلائل على انطلاق سريع في قدرات الذكاء الاصطناعي بين النافسين. ولكن حتى لو كان الذكاء مصدرًا قويًا، فهو ليس سحرًا، وستواجه الدول، التي تسعى إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لنزع سلاح خصومها، حدودًا مادية وعملية ومؤسسية حقيقية. سيظل على الدولة المدعّمة بأنظمة الذكاء الاصطناعي التحويلية حل عدد هائل من المشاكل بالغة الصعوبة قبل أن تفكّر في القضاء على منافس نووي: ستحتاج إلى دمج الذكاء الاصطناعي المتقدم في البيروقراطيات العسكرية واسعة النطاق، وهي ليست مهمة سهلة، ومعرفة كيفية اختبار هذه الأنظمة مسبقًا - وهي مهمة شاقة نظرًا للحاجة إلى تجنب إثارة رد فعل استباقي والتدرب على آلاف الخطوات مع هامش ضئيل للخطأ. ومهما بلغت من الذكاء، لن تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية من التهرب من قوانين الفيزياء. ولا تضمن أي أداة أو قدرة لدولة فرض تفضيلاتها على دولة أخرى: فالولايات المتحدة، في نهاية المطاف، امتلكت قوة عسكرية واقتصادية ساحقة على طالبان في أفغانستان، ومع ذلك منيت بهزيمة نكراء بعد عقدين من الحرب.
لا ينبغي أن يشجع أيً من هذا على الرضا عن الذات، فحتى لو استمر الردع النووي، سيظل الذكاء الاصطناعي يحدث تحولًا في الأمن القومي بطرق عديدة، بما في ذلك مساعدة الدول على تطوير أسلحة ذاتية التشغيل جديدة، وتعزيز القدرات السيبرانية الهجومية والدفاعية. وستكون لهذه التطورات عواقب وخيمة، حتى لو لم تمنح أي دولة القدرة على فرض إرادتها على خصومها المسلحين نوويًا. وقد يسهل الذكاء الاصطناعي أيضًا الوصول إلى القدرات الخطيرة، مقلّلًا العوائق أمام الجهات الفاعلة غير الحكومية والأفراد لبناء ونشر أسلحة بيولوجية وكيميائية وإشعاعية مدمرة. هذه ليست سوى بعض المشاكل التي سيضطر صانعو السياسات إلى معالجتها مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي. في المجال النووي، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين ألا ينتظروا ليروا ما يحدثه الذكاء الاصطناعي من تقدم. عليهم ضمان أن تشمل عمليات وضع السياسات خبراء الذكاء الاصطناعي إلى جانب الخبراء النوويين، مما يشجع على حوارٍ كان غائبًا حتى الآن في مجتمع الأمن القومي. وينبغي عليهم إجراء مراجعات دقيقة للأنظمة النووية للتحقق من نقاط الضعف التي يمكن أن يستغلها الذكاء الاصطناعي المتقدم، وخاصةً في الفضاء الإلكتروني، وتعميق صفوف خبراء الذكاء الاصطناعي داخل الحكومة الأمريكية. ينبغي عليهم أن يقيّموا بدقة أي تصريحات حول الحاجة إلى التسابق نحو الذكاء الاصطناعي العام، أو أهمية كونهم السبّاقين في تطوير سلاحٍ نوويٍ خارق، خشية أن يفاقموا المنافسة النووية المحفوفة بالمخاطر والمكلفة. ومن خلال حوارات ضبط الأسلحة، ينبغي عليهم العمل على تعزيز القيود الأخلاقية والسياسية والقانونية المهمة المفروضة على قدرة الدولة على شنّ ضربة أولى ساحقة أو اتخاذ خطوات تصعيدية أخرى. لا يمكن اعتبار نظام الردع النووي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أمرًا مفروغًا منه. مع احتدام التنافسات السياسية وتزايد المنافسة على التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي بين القوى العظمى في العالم، أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى الحفاظ على قنوات الاتصال والطرق للحد من خطر التصعيد غير المقصود والكوارث.
•سام وينتر- ليفي زميل في برنامج التكنولوجيا والشؤون الدولية في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.
•نيكيتا لالواني باحثة غير مقيمة في برنامج التكنولوجيا والشؤون الدولية، تكتب عن التكنولوجيا الناشئة والأمن القومي.
•نشر المقال في Foreign Affairs