التوازن المالي موضوع يمس كل فرد وأسرة، ففقدان السيطرة على خطة الإنفاق يؤدي حتما إلى اللجوء إلى الاقتراض العشوائي أو الديون غير المبرمجة، وكلها عوامل تعيق تحقيق التوازن وتؤدي إلى الانهيار الكامل للخطة المالية على المدى البعيد .

ويعرف الدكتور قيس السابعي، الخبير الاقتصادي والمهتم بشؤون التوعية المالية، "التوازن المالي" قائلا : هو في جوهره اعتدال، والنقطة التي تقف بين الإفراط والتفريط. فكما أن خير الأمور أوسطها، فإن التوازن المالي يعني أن يكون دخل الفرد مساويًا لنفقاته خلال فترة زمنية محددة. هذه المدة الزمنية يحددها الفرد نفسه، سواء كانت أسبوعًا أو شهرًا أو سنة، بشرط أن تكون الخطة محكمة ومدروسة.

وأوضح أن الهدف الحقيقي من تحقيق التوازن المالي هو تجنب الضغوط المادية التي قد تعصف بالفرد أو الأسرة، مثل العجز المالي أو الضائقة أو الحاجة المستمرة للاقتراض ، فإذا كانت النفقات تتجاوز الإيرادات، فهذا يعد عجزًا، بينما إذا زادت الإيرادات عن النفقات، فهناك فائض مالي. لكن التوازن المنشود هو أن تتساوى الإيرادات مع النفقات دون إخلال بالاحتياجات الأساسية، وضمن إطار زمني مرن لكنه محدد سلفًا.

وحول أبرز الأخطاء التي تؤدي إلى اختلال الميزانية الشخصية، أشار الدكتور السابعي إلى أن من أبرزها غياب الخطط البديلة لمواجهة الظروف الطارئة، وعدم وجود ميزانية تحوطية لأي مستجدات. فالظروف المالية الطارئة قد تحدث في أي لحظة، ولذا من الخطأ الاعتماد فقط على خطة واحدة دون وضع بدائل واضحة. كما أن من الأخطاء الشائعة اعتماد الكثيرين على مصدر دخل وحيد، دون التفكير في تنويع مصادر الدخل أو الاستثمار في فرص إضافية تدعم الميزانية. كما لفت إلى أن استخدام البطاقات البنكية والتحويلات الرقمية يفقد الفرد الإحساس بقيمة المال، ما يؤدي إلى إنفاق مفرط دون وعي.

وبيّن الدكتور أن فقدان السيطرة على خطة الإنفاق الموضوعة، واللجوء إلى الاقتراض العشوائي أو الديون غير المبرمجة، كلها عوامل تعيق تحقيق التوازن المالي، وقد تؤدي إلى الانهيار الكامل للخطة المالية على المدى البعيد. كذلك، فإن ضعف الثقافة المالية وعدم معرفة الفرق بين الضروريات والكماليات يؤدي إلى سوء تصرف واضح في الموارد المتاحة.

وحول كيفية معالجة هذه الإشكاليات، أكد السابعي أن الحل يكمن في وضع خطة مالية دقيقة، تنسجم مع حجم الدخل والنفقات المتوقعة، وتكون مبنية على أساس واضح من التدرج والمرونة. وأوضح أن هذه الخطة ينبغي أن تشمل عنصر الادخار، بجانب التحكم في المصروفات قدر المستطاع. ومن المهم أن يكون للفرد مصدر دخل إضافي، كأن يكون لديه استثمار بسيط أو مشروع جانبي يرفد دخله الأساسي، ما يخفف عليه عبء المصروفات المفاجئة.

أما فيما يتعلق بالمفاضلة بين الادخار والاستثمار، فقد أكد الدكتور قيس أن كلا الخيارين مهمان، غير أن طبيعة الخيار الأنسب تعتمد على أهداف الفرد والمدة الزمنية للخطة. فإذا كانت الخطة قصيرة الأجل، فالادخار هو الخيار الأنسب، أما إن كانت طويلة الأجل، فإن الاستثمار يظل الخيار الأفضل لتحقيق نمو مالي مستدام. وأشار إلى أن أغلب الاقتصاديين يفضلون الاستثمار، لكن هذا لا يعني الاستغناء عن الادخار، بل يجب أن يسير الاثنان معًا بطريقة متكاملة.

ووجه السابعي رسالة إلى كل من هم في بداية حياتهم المهنية، مفادها ضرورة أن تكون لديهم خارطة طريق مالية واضحة، قائمة على التوازن والاعتدال. وأوصى بالتركيز على الأساسيات، وتجنب الانسياق وراء الكماليات في بداياتهم، مشددًا على أهمية الادخار أولًا ثم التدرج لاحقًا في الاستثمار. كما دعاهم إلى التعلم من تجارب من سبقوهم، سواء من داخل أسرهم أو من المحيط التجاري والاجتماعي، وعدم التسرع في البحث عن الربح السريع، لأن ما يأتي سريعًا غالبًا ما يزول سريعًا.

وشدد السابعي على أهمية نشر الثقافة المالية في المجتمع، بدءًا من المراحل الدراسية، مؤكدًا أن إدخال مواد دراسية تُعنى بالاقتصاد والتقنية المالية في المرحلة الثانوية خطوة ضرورية. وأوضح أن الثقافة المالية لا تتطلب تخصصًا أكاديميًا، بل يكفي أن يكون لدى الفرد وعي بالحقوق والواجبات المالية، وأن يعرف كيف يدير دخله، ويحدد أولوياته، ويميز بين الضروري والثانوي.

وتناول الدكتور قيس بعض الظواهر السلبية المنتشرة، مثل التقليد الأعمى لما يُعرض في وسائل التواصل الاجتماعي، والرغبة في مجاراة الآخرين في مظاهر الترف، ما يدفع بعض الشباب إلى الاقتراض غير المدروس، ويؤدي إلى نتائج وخيمة. وحذّر من الوقوع في فخ "نسخ المشاريع"، حيث يقلد كثير من الناس نماذج تجارية رائجة في السوق دون دراسة جدوى أو تميّز، ما يؤدي إلى تكرار الفشل.

واختتم الدكتور قيس السابعي حديثه بدعوة وسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والمبادرات المجتمعية، لتكثيف جهود التوعية والتثقيف المالي، من خلال برامج ودورات ومحتوى رقمي موجه لمختلف الفئات . فالمعرفة المالية، كما يقول، أصبحت ضرورة حياتية، لأن المال هو ركيزة من ركائز الاستقرار النفسي والمعيشي. وأكد أن على كل فرد أن يسعى لبناء ثقافته المالية وتطوير قدراته في هذا المجال، حتى يتمكن من مواجهة الأزمات بثقة، ويحقق توازنًا حقيقيًا ينعكس على مستوى معيشته وجودة حياته.