تتشكل الظاهرة الإفريقية في الأدب الإفريقي كواقع ثقافي له أبعاده الخاصة، تلك الأبعاد التي تتمحور حول الصراع الدائر حول هذا الموضوع والمؤسس لأوجه موضوعات الصراع ليس مع قوى خارج القارة فقط، بل تشمل أيضا وعلى وجه الخصوص أوجه الصراع داخلها، وأقصد بأن كلمة الصراع الموظف في الرواية التي يكتبها المبدع في إفريقيا إنما تتمحور حول المعنى الثقافي المتمثل في الملاحقة والمتابعة وراء سلطة المصطلح ومحاوره المتنوعة وإذا كان السرد في أمريكا اللاتينية قد أتى لنا بالواقعية السحرية في سرديات هذه القارة فإن السرد في إفريقيا قد أتى لنا بالسحر الأدبي الأسطوري.

وأن محاولة وصف الأدب الإفريقي -في حد ذاته- كمصطلح يثير مشكلة فنية، وجدلا حول طبيعة هذا المصطلح. فما هو الأدب الإفريقي، وكيف نحدده؟ أهو أدب منطقة جغرافية بعينها؟، أم أن هناك بالفعل واقعًا إفريقيًا، له أبعاد جغرافية قارية تدفعنا إلى البحث عن التعريف الواضح الشافع لهذا المصطلح الملتبس في معناه ومبناه؟. لقد وضعت هذه الإشكالية موضع البحث في مؤتمرات إفريقية عدة، كثر الجدل حولها دون أن تنتهي إلى حل مرض لها.

والأدب الإفريقي كما حدده الدكتور جوريس سيلينكس أستاذ الأدب الإفريقي بجامعة كارنيجى ميلون بالولايات المتحدة الأمريكية هو الإنتاج الأدبي للشعوب الواقعة جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى، والذي بدأ زمانيًا مع عهد الاستعمار الأوربي للقارة». وهو يتسم بالمحلية الشديدة، فهو أدب يتشرب من الميثولوجيا، والبيئة، والعادات، والتقاليد، والدين، والخرافات، والأساطير، هذه العوالم جميعها تصب دائمًا في كل أجناس الأدب الإفريقي بصورة أو بأخرى، وهي دائمًا ما تكون محفزًا على تنضيد الموروث داخل أنسجة الأبداع أي كان شكله أو صورته. «ولعل أهم ما يميز الجيد من الأدب الإفريقي الحديث أن له شخصيته واهتماماته الخاصة، هذا بالإضافة إلى تلك الصفات التي تجعل منه أدبًا عالميًا يستمتع به الإفريقي وغير الإفريقي، ومن الموضوعات المهمة التي يعالجها الأدب الإفريقي فكرة غزو الحضارة الأوروبية للحياة الإفريقية وقضائها في كثير من الأماكن على نوع متميز من الحياة له تقاليده ومعتقداته، وقد تكون له مساوئه ولكن له محاسنه وقيمه المتجزرة داخل القارة السوداء، التي لم يكن الأوروبي المستعمر بقادر على فهمها واستيعابها؛ لأنه كان ينظر إلى القارة السوداء، نظرة ضيقة خاطئة».

ولما كانت الرواية الإفريقية باعتبارها الجنس الأدبي السائد الآن على المشهد الأدبي في القارة، وأن زمن الرواية الإفريقية يتماهى الآن مع زمن الرواية في العالم كله، وأن مقولة أن الرواية هي ديوان العالم الجديد قد أصبحت حقيقة واقعة بالفعل، وهي تصب الآن في مشهدية الأدب الإفريقي بشكل لافت، وأنها بإبداعاتها التي أبدعها الكتّاب الأفارقة قد وطدت نشأتها ودعمتها في ظل استعمار إرهابي قامع، يتحكّم في كل مقدرات شعوب القارة التي استعمرها واستلب مقدراتها على مدار سنين طويلة، ولا يسمح ببصيص ولو ضئيل من حرية التعبير أو التفكير، وكان كل همه أن يعوق تعليم الأفارقة، وتثقيفهم بأي وسيلة من وسائل القمع والترهيب، لذا جاءت الرواية الإفريقية كسلاح جديد في يد الأفارقة يعبّرون بها عن قوتهم وتمردهم الدائم المستمر. ولا شك أن الروائيين الأفارقة في ظل هذه المجرة الروائية الإفريقية قد حققوا إنجازًا إبداعيًا مدهشًا أدهش العالم بأسره.

لذلك نرى أن ما كتب عن الرواية الإفريقية في منجزها الحديث قليل من كثير، وما سيكتب عنها سيكون أكثر من ذلك بكثير، ذلك أن الرواية الإفريقية تدخل الآن منحنى التحولات في تراكم منجزها، وتميز الكثير من هذا الإنجاز الذي تحوّل في الأدب العالمي إلى ظاهرة لافتة تستحق التقدير والحضور والإعجاب، بعد كثير من التهميش والتعتيم.

وهي تمثل الآن حالة من حالات التحولات السردية في المشهد السردي العالمي بفضل عدد من كتاب إفريقيا الذين فاز العديد منهم بجوائز عالمية، أبرزها جائزة نوبل للآداب التي فاز بها كل من النيجيري «وول سونيكا» 1986، والمصري «نجيب محفوظ» 1988، وحظيت جنوب إفريقيا على هذه الجائزة مرتين الأولى على يد «نادين جورديمير» 1991، والثانية فاز بها «جون ماكسويل» عام 2003، كما فازت بها أيضا الكاتبة الأمريكية ذات الأصول الإفريقية «تونى موريسون» عام 1993، كذلك فاز كثير من الكتّاب الأفارقة وروائيها على وجه الخصوص بكثير من الجوائز العالمية الأخرى، مثل البوليتزر والبوكر والجونكور والأورانج النسائية، فضلًا عن الإرهاصات الأولى للرواية الإفريقية التي بدأها الكتاب الزنوج في أمريكا وغيرها من البلدان الأخرى –إبان عصر التفرقة العنصرية- بروائيين كانت لهم رؤية خاصة بهم، وبإنجازهم الأدبي نبعت من تلك الجذور التي قدموا منها، ومن التمرد على نزعة العنصرية التي كانت سائدة خلال فترة من الفترات في هذه البلدان التي كانوا يعيشون فيها، كما كان لتشبثهم بالموروث الإفريقي المحلي، وتجديد الحياة في القرية، والأرض الإفريقية السوداء له دوره المهم في إنجاز عدد من النصوص الروائية المتفاعلة مع هذه الخصيصة. إضافة إلى المرارة التي زرعها الاستعمار الأبيض في قلوب الأفارقة للاستحواذ على الثروات والأرض والإنسان، كانت جميعها الرافد الحقيقي للأدب الإفريقي خاصة في مجال الرواية والقصة القصيرة والسرد على إطلاقه، إضافة إلى فنون الشعر والمسرح في حداثتها الآنية.

ويمثل الأدب الإفريقي الآن أيقونة مهمة في ساحة الأدب العالمي لما له من سمات خاصة، في توجهه الإبداعي استحوذت في كثير من الأحيان على هويته الخاصة، حيث يكتب عدد كبير من أدباء إفريقيا باللغات الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية والإسبانية، وقد عاشت إفريقيا وهي خمس مساحة اليابسة تقريبا حياة مريرة طوال تاريخها. وظهر أدبها أول ما ظهر خارج القارة على يد الأفارقة الذين سيقوا منها عنوة إلى القارة الأمريكية الشمالية والجنوبية، قبل أن يتمكن أبناؤها داخل القارة من تفعيل ورسم الخطوط العريضة للأدب الإفريقي المحلي فيها بانفعالاتهم وأقلامهم وأفكارهم ورؤاهم الإنسانية الخاصة.

من هنا نستطيع أن نسقط على هذا المشهد السردي المهم ضوءًا مبهرًا يعّرف القارة الروائية (إفريقيا) والمنجز السردي فيها، وهو في أرفع حالات توهجه وتألقه وحضوره، ويعرّف العالم بأن الرواية في إفريقيا لا تقل حضورًا وتميزًا عن مثيلاتها في أي منطقة من مناطق العالم بكتابها ومبدعيها، وقضايا واقعها، وتقنيات كتابتها. وقد بهرت الرواية السوداء في أمريكا المجتمع الأمريكي على يد العديد من الكتّاب الزنوج القادمة جذورهم من القارة السوداء (إفريقيا)، أمثال ريتشارد رايت (1909- 1960) صاحب رواية «ابن البلد» الذي وضع في روايته وفي أدبه الصارخ إتهاما صريحا للمجتمع الأمريكي يعبر فيه عن غضبة الزنوج في أمريكا بقتل إنسانيتهم من خلال قوانين التفرقة العنصرية التي كانت سائدة آنئذ، كذلك الروائي رالف اليسون (1914-1994) صاحب الرواية الشهيرة «الرجل الخفي»، فقد علمّت هذه الرواية جيلين من القراء السود والبيض كيفية التفكير في أنفسهم، فلا تزال الكلمات التي استهل بها رالف أليسون روايته ترن في أسماع القارئ بعد خمسين عامًا من كتابتها لأول مرة: «أفهم أني رجل خفي لسبب بسيط هو أن الناس يرفضون أن يروني». وقد كتب رالف أليسون روايته كقطعة هجاء روائية عن حي هارلم في مدينة نيويورك، والجنوب الأمريكي بصفة عامة. كذلك الكاتب الأسود جيمس بولدوين (1924-1987)، أشهر كاتب روائي ومسرحي زنجي في أمريكا، كانت أعماله الروائية والمسرحية الساخطة على المجتمع الأمريكي لفرط عنصريته، ومغالاته في الظلم والإرهاب تجاه الجنس الأسود العائش على أرضه، التي قدمت لنا الكاتبة الأمريكية (فيرن مارجا أكمان) دراسة عن حياته في كتابها «حياة جيمس بلدوين الساخطة» قدمت فيها بلدوين الثائر الذي عاش حياته كلها في ثورة مليئة بالمرارة والحماس، وانعكس ذلك كله على رواياته ومقالاته الملتهبة التي اتهم فيها أيضًا المجتمع الأمريكي بالعنصرية وقتل السود، والروائي الأسود الظاهرة «الكيس هيل» صاحب رواية «الجذور» الشهيرة والتي تحكى عن عائلة أمريكية سوداء من خلال حفيدها «كونتا عمر كنتي» الإفريقي الذي تحوّل إلى أسطورة. وقد مثل هؤلاء الكتّاب وغيرهم كثيرون، القارة الإفريقية في المجتمع الغربي الجديد في أمريكا بأعمالهم الروائية والسردية المبهرة في إرهاصات أولية قبل أن تبزغ شمس الرواية على الأرض الإفريقية ذاتها. كما تمثل الكاتبة الأمريكية «تونى موريسون» الحائزة على جائزة نوبل عام 1993 حالة من حالات كتّاب الأدب المتفاعل مع الجذور الإفريقية، وهى على حد قول أليسون فلود في صحيفة الجارديان البريطانية بأن تونى موريسون تبقى أيقونة للخيال المبدع، والمعنى الشاعري في هذا الزمان نسجًا على منوال الأكاديمية السويدية التي ذكرت عند منحها جائزة نوبل «أن رواياتها تتميز بقوة البصيرة والمضمون الشاعري الذي يمنح الواقع الأمريكي ملامحه الأساسية»، وتوني موريسون أسمها الحقيقي (كلون أنطون/دفورد) وكان فوزها بهذه الجائزة يعنى فوز المبدعات الزنجيات السود جميعا. والكاتبة «أليس وولكر» الحائزة على جائزة البوليتزر الأمريكية عن روايتها «البشرة الأرجوانية» التي تؤرخ زمنيًا لحياة امرأة سوداء من الجنوب الأمريكي تعانى عنصريًا من الإيذاء الجسدي والمعنوي. ولكنها تنتصر في النهاية على الاضطهاد العنصري من خلال الحفاظ على ثقافة السود في أمريكا وإرثهم التراثي وتواريخهم السائدة والثابتة.

على الجانب الآخر نجد أن القارة الإفريقية قد تفاعل فيها الفن الروائي، وأخرج لنا العديد من الكتّاب الذين بصموا هذه المنطقة من الكتابة السردية بإبداعاتهم، ومنجزهم الروائي المتميز الذي نافس هذا الفن في أوروبا والأمريكتين وأصبح حالة من حالات المنجز السردي العالمي المشار ببصمته القوية على المشهد العام في زمن الرواية الآني.

ويعد كل من النيجيريين وول سونيكا، وشينوا أتشيبى، وأموس تيوتولا، والسنغالي عثمان سمبيني، والصومالي نور الدين فرح، والكيني نفوجي واثيونجو، والغيني كامارا لايي، والكاميروني مونجو بيتي، والجنوب إفريقي أزكيل مفاهليلي، وأليكس جوما. من الأسماء التي كتبت أدبا إنسانيا عبرت به عن ذاتها، وعن هويتها الإفريقية، وطبيعة الأرض التي نشأت عليها وحافظت على إرثها وموروثها من الضياع، والتمرد السائد في رؤيتهم وبحثهم عن الحرية للإنسان الإفريقي. إضافة إلى ذلك فإن: «التجارب الأولى في كتابة الرواية باللغات المحلية المكتوبة قبل عقود من ظهورها باللغات الأوربية. وبالرغم من قلة هذه اللغات المحلية المكتوبة فقد أثبتت مرونتها الشديدة في استيعاب شكل فني، معقد، ومركب، مثل فن الرواية، وكانت البداية في جنوب القارة- حيث يوجد عدد من اللغات قام المبشرون بتدوينها- لأغراض دينية- منذ النصف الأخير من القرن الماضي، وترجموا إليها الأنجيل والكتب الدينية والمدرسية، ثم انتشر التعليم بها في مدارس الإرساليات وقامت مطابع هذه الإرساليات بطبع الإبداعات الإفريقية المكتوبة بها. وعلى رأس هذه اللغات لغة التونجا في زامبيا، ولغة الشونا في زيمبابوي، ولغة السوتو في ليسوتو، ولغة الزوسا والزولو في جمهورية الجنوب العنصرية». وعلى مستوى الريادة في هذا الفن يعد «توماس موفولو» أول روائي يكتب رواية فنية في إفريقيا وهي رواية «مسافر إلى الشرق» كتبها بلغة قبيلة السوتو، لذا كانت له قصب السبق والريادة في هذا المجال، ولا ندري إن كان موفولو قد اطلع على روايات أوربية قبل كتابته روايته هذه أم لا. وتوالت بعد ذلك الكتابة الروائية بلغات عدة في كثير من أنحاء القارة، وكلها تنادي بتحدي الاستعمار، والمطالبة بالاستقلال والتحرر من ربقته البغيضة في شتى أشكالها ومظاهرها. وهو ما أشار إليه فرانز فانون من المخاطر الكامنة في النظر إلى الثقافة كشيء ثابت جامد وذلك في البحث الذي تقدم به إلى المؤتمر الثاني للكتاب السود الذي عقد في روما سنة 1959 الذي ضمنه بعد ذلك كتابه «المعذبون في الأرض». ولا شك أن دراسة الأدب الإفريقي، خاصة فن الرواية، وتحليل اهتماماته يعكسان إضافة إلى الموقف المضاد للاستعمار، والجهد الذي يبذله الكتّاب الأفارقة في سبيل تأكيد أصالة الثقافة الإفريقية من جهة، والرغبة في دفع إفريقيا على طريق التقدم من جهة أخرى، من هنا يبدو الأدب في الوقت نفسه، وفي هذا الطريق بمثابة القاعدة الصلبة للوعي الثقافي الإفريقي، والأداة الفعالة في عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأدبي على صعيد القارة السوداء كلها.