«لا أحد يستطيع أن يصف جحيم النزوح، إلا من جرّبه في غزة.. إننا نشعر بفقدان الكرامة» هكذا قال أبو محمود وهو يتحدث من مدينة خان يونس في جنوب قطاع غزة، بعد أن نزح لها هربًا من حرب الإبادة، التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أكثر من 65 يوما. وأبو محمود من حي الشجاعية في شمال القطاع، خرج من بيته فجرا في منتصف أكتوبر الماضي، بعد أن قُصف الحي الذي يعيش فيه وهدم منزله هو وأسرته ومئات المنازل الأخرى. خرج أبو محمود ومن معه من أسرته في لحظة لا يستطيع أن يميّز فيها بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، مخلِّفا وراءه ذكريات وحكايات ولحظات لا يمكن نسيانها رغم ما أحاط بها من عذابات الاحتلال وسجونه.
وطوال الطريق إلى الجنوب كان هو ومئات آخرين يرفعون أياديهم إلى أعلى على أمل ألّا يغدر بهم جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولكنه فعل وغدر، كعادته، ومات بعضهم في الطريق، وبقيت جثثهم شاهدة على جرائم الاحتلال الإسرائيلي وغدره وعلى عجز المجتمع الدولي عن حمايتهم، أو حتى الدعوة إلى وقف الإبادة الجماعية التي تمارس ضدهم بدعم وتشجيع من الدول الكبرى.
وبالنسبة لمئات الآلاف من الذين هربوا من شمال القطاع إلى وسطه أو جنوبه، وخلّفوا بعض شهدائهم تحت الأنقاض؛ بحثا عن ملاذات آمنة لمن بقي حيًا، لا تبدو الصورة في الجنوب مختلفة أبدا، إنها أشبه بالمثل العربي الذي يقول «كالمستجير من الرمضاء بالنار» كما كرر أبو محمود أكثر من مرة خلال حديثه عبر الهاتف.
كانت رحلة النزوح الجبرية من الشمال إلى الجنوب محفوفة بالكثير من المخاطر وفقا لما قاله ٦ أشخاص تحدثت معهم «عمان» عبر الهاتف مباشرة أو عبر تسجيل شهادات مصورة بالفيديو وإرسالها عبر تطبيق «الواتساب». مارسَ جيش الاحتلال إرهابًا متنوعًا ضد النازحين، فعلاوة على الجثث المتقطعة إلى أشلاء والمتناثرة على جانبي طريق النزوح، كان القصف متواصلا طوال الطريق وأصاب في مرات كثيرة النازحين سواء عبر تأثرهم بالشظايا المتطايرة أو عبر عمليات القنص أو عبر عمليات القصف المباشرة خاصة للنازحين عبر السيارات. كانت رحلة النزوح فصلا من فصول الجحيم كما رآها النازحون أنفسهم الذين عبّروا عن خيبة أمل كبيرة تجاه العالم الذي فقد إنسانيته وصار حاله مساويًا كحال قوات الاحتلال الصهيوني. وحتى الآن لم يستطع المجتمع الدولي رغم كل الجرائم والمجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي من الوصول إلى مجرد إجماع حول قرار يوقف إطلاق النار في غزة. ويوقن أهالي القطاع أن إسرائيل لن تستجيب لأي قرار حتى لو صدر من مجلس الأمن الدولي.. رغم ذلك فإن هذا القرار لا يبدو أنه سيصدر، أصلا، بعد أن استخدمت أمريكا الجمعة الماضية حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار بوقف إطلاق النار لدواعٍ إنسانية بعد أن نبّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش -في خطوة نادرة الأربعاء الماضي- مجلس الأمن الدولي في رسالة رسمية اعتمد فيها على المادة 99 من ميثاق المنظمة، إلى التهديد العالمي الذي تمثّله حرب غزة. وتقول المادة 99: «يحق للأمين العام أن ينبه مجلس الأمن إلى أي مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين».
ورغم القصف المتواصل الذي بات يتركز -بعد الهدنة القصيرة- على جنوب ووسط قطاع غزة، دون الانسحاب من الشمال، إلا أن قوافل النازحين ما زالت تخاطر وتتجه ناحية مدينة رفح قرب الحدود مع مصر.
ووفقا للشهادات التي حصلت عليها «عمان» من الميدان في غزة لا يبدو أن ثمة فرقا كبيرا بين من فرّ في بداية الحرب أو بعد شهر على بدايتها، فقد كانت نيران الاحتلال في انتظار الجميع، الأمر الذي معه تأكد لسكان غزة، بيقين تام، أن قوات الاحتلال لم تكن تبحث في الحقيقة عن مسلحي «حماس»؛ كان واضحًا لدى الجميع أنها تقوم بإبادة جماعية ممنهجة، وكانت تسعى لجعل الجميع يشعرون بالذل والمهانة وعدم وجود منطقة آمنة تأويهم في غزة سواء كانت مستشفيات أو مدارس.. كان الهدف أن يبنوا رأيا سلبيا ضد المقاومة وينقلبوا عليها أو يشُوا بها جيش الاحتلال ويصلوا إلى قناعة أن يتحولوا إلى لاجئين في شبه جزيرة سيناء.. لكن هذا الأمر بقي حلمًا من أحلام إسرائيل لم تستطع الوصول إليه.
ويعيش النازحون إلى المناطق الجنوبية حياة صعبة جدا جعلت الكثير منهم يأسفون أنهم تركوا منازلهم في الشمال، معتبرين أن الموت تحت ركام منازلهم المهدمة أكثر كرامة من الوضع الذي يعيشونه الآن في ظل غياب جميع مقومات الحياة وفي مقدمتها مياه الشرب ودورات المياه وتطبيب أطفالهم. تقول «أم محمد عليوه» عبر مقطع فيديو مسجّل أرسلته لـ«عمان»: «حتى أجدادنا لم يعيشوا مثل هذه العيشة التي نعيشها نحن الآن».. كانت أم محمد تجلس في مقابلة فرن يدوي يبدو عبارة عن صفيح من حديد قديم تحته حطب مشتعل وفوق الصفيح قطع عجين تتحول بعد حين إلى رغيف خبز. لكن أم محمد تشتكي من نقص الماء والطحين وغيرها من المواد الغذائية التي يمكن أن تجعل الإنسان يقاوم نزعات الموت التي تتنزل على النازحين من طائرات جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ومنذ نهاية الهدنة قبل أكثر من أسبوع، تناقصَ بشكل كبير جدا عدد الشاحنات التي تُدخل مواد إغاثة داخل القطاع عبر معبر رفح.. وتقول تقارير أممية: إن عدد النازحين الآن في مدينة رفح يزيد على 1.7 مليون فلسطيني يعيشون ظروف نزوح هي الأسوأ في العالم. وتنتشر الكثير من الأمراض خاصة بين الأطفال، وفي مقدمتها الإسهال وأمراض أخرى غير مشخصة في ظل تعطيل كامل للقطاع الصحي.
ومثل غيره يبدو ناهض سلامة سعد النازح من حي الشجاعية إلى دير البلح نادما أنه ترك بيته وتحوّل إلى نازح! يقول بكثير من الحسرة: لو بقيت في بيتي لكان أكرم لي من هذه الحياة الذليلة التي وجدتُ نفسي فيها أنا وأسرتي ومئات الآلاف هنا.
وناهضٌ نازح منذ الأيام الأولى لبدء الحرب عندما أسقطت إسرائيل منشورا فوق حي الشجاعية يدعو الجميع إلى النزوح. كان القصف على الحي قد بدأ منذ أيام وهُدمت الكثير من البيوت فوق رؤوس سكانها واستشهد المئات.
ويحمل حي الشجاعية -الذي استهدفته إسرائيل منذ بداية الحرب- رمزية تاريخية منذ الحروب الصليبية إلى حادثة أسر الجندي شاؤول آرون عام 2014.
خرج ناهض بصحبة 108 أشخاص من أفراد عائلته الكبيرة بينهم حوالي 40 طفلا، كانوا جميعا قد خرجوا مكرهين خوفا من الموت فمنزلهم لا يبعد أكثر من كيلومتر واحد عن «سلك الاحتلال». يقول ناهض: عندما خرجنا كان ما زال العشرات من عائلتنا تحت الأنقاض مثلهم مثل المئات غيرهم، فلا أحد يستطيع أن يزيل الركام في ظل استمرار القصف ليلا ونهارا وغياب المعدات المخصصة للبحث عن ناجين تحت ركام العمارات.
لكنّ ما يُغضب ناهض وآخرين غيره أن توزيع المساعدات القليلة التي دخلت إلى القطاع تتم بطريقة غير عادلة في ظل غياب إدارة حقيقية للتوزيع العادل.
ولا ينسى ناهض أن يقول: إنه حمل أطفاله إلى المستشفى في دير البلح على عربة يجرها حمار في ظل غياب أي سيارات للإسعاف التي يزيد الطلب عليها يوميا.
***
ويحاول الفلسطينيون في قطاع غزة أن يمارسوا حياتهم في اللحظات التي يتحينونها عند انقطاع صوت القصف، وهم شعب يحب الحياة ما استطاعوا إليها سبيلا، كما يقول الشاعر محمود درويش. ورغم المصائب التي تعرّض لها جميع سكان قطاع غزة خلال هذه الحرب، إلا أنهم تعالوا فوق جراحهم وقطعوا مسافات طويلة سيرا على الأقدام خلال الهدنة الماضية للاطمئنان على أقاربهم ومشاهدة فظائع الاحتلال خاصة في قراهم البعيدة عن الجنوب.
كان القصف متوقفا في اللحظة التي سجّل فيها أحمد أبو زايد شهادته لجريدة «عمان».. كان يمسك بيده آلة حلاقة ويقوم بقص شعر أحد الزبائن الذي قصده لحلاقة رأسه. وأبو زايد يملك صالون حلاقة قبل أن يهدمه الاحتلال كما هدم بيته واضطره للنزوح إلى الجنوب. يقول أبو زايد: أحاول أن أعمل رغم صعوبة الحياة وعدم قدرة الناس على الدفع.. لكن ماذا أفعل أريد أنا الآخر أن أحصل على قوت يومي.
ويتمنى أبو زايد أن تنتهي الحرب ويعود إلى منزله المهدم ويعيش إلى جواره ولو تحت خيمة صغيرة.. فالحياة في النزوح -والحديث له- كلها تعب وشقاء ولا شيء فيها يحفظ الكرامة، والجميع ينتظر اللحظة التي تهبط فيها قذيفة تجعله يغادر ظلم الأرض إلى دار عدل أخرى.
***
لا يعيش أهالي غزة حياتهم مثل بقية البشر، إنهم ينامون خوفا من الموت ويستيقظون لانتظاره وخلال كل هذه الأوقات تلاحقهم الكوابيس، ويستعيدون في كل لحظة قوافل الشهداء رغم أنهم ما زالوا منغمسين في المشهد كل يوم، فلا يتجاوزون صورة مجزرة إلا وتلاحقهم صور مجزرة أخرى.
وتزيد العذابات لدى النساء أكثر، ففيما ينشغل الرجال بتوفير بعض مستلزمات الحياة أو المشاركة في عمليات الإنقاذ والإسعاف، تتذكر النساء أبناءهن تحت الركام.. فلا يستطعن النوم وهن يتذكرن أن لهن أطفالا أو شبابا أُجبرن على تركهم تحت ركام القصف دون أن يعرفن إن كانوا قد ارتقوا شهداء أم يواجهون عذابات الخوف تحت الركام.
ولم تستطع أم من عائلة أبو جراد -ماتت طفلتها جراء الحمى- الحديث، كانت تبكي بشكل هستيري، ماتت طفلتها الصغيرة بين يديها في ظل غياب أي خدمات صحية ولو لعلاج الحمى.
ولا يخلو بيت في قطاع غزة خلال هذه الحرب، إلا وقدّم شهيدا واحدا على الأقل، وبعض الأسر انتهت بالكامل، حيث دفنت كلها تحت الركام ما يعني محوها من السجل المدني.. وفيما يعتبر محظوظا من وجَد له قبرا أو عرِف مكان دفنه ليحظى في يوم من الأيام بشاهد قبر، فإن الغالبية دفنوا تحت الركام أو تركوا في العراء لتتحلل جثثهم، فيما حمل بعض الآباء جثث أطفالهم التي تحولت إلى أشلاء في أكياس بلاستيك.. إنها مأساة كبيرة ستترك ندوبًا خالدة في وجدان أهالي غزة وقد تتفجر في يوم من الأيام بطوفان آخر لا يبقي ولا يذر.
كان أبو أحمد منفعلا جدا وهو يتحدث عن الوضع في غزة.. وأبو أحمد نازح من قرية المغرافة في جنوب مدينة غزة، ويقيم مع 16 فردا من أفراد أسرته في مدرسة تابعة للأونروا في مدينة رفح جنوب القطاع. يقول أبو أحمد: إنه لا يحصل إلا على «كرتونة بسكويت» واحدة بها 12 علبة، وعليه هو وأفراد أسرته أن يتقاسموها لوجبات يومية ثلاث!
ورغم المشهد الذي يعيشه أبو أحمد، إلا أنه يقول: «لا أعرف شيئا عن السياسة أريد أن أعيش بسلام أنا وأسرتي». ويبلغ تعداد النازحين في المدرسة التي نزح لها أبو أحمد أكثر من 7 آلاف شخص.
أما أبو ياسر الذي نزح من مخيم البريج في غزة ويقيم الآن في مخيم النصيرات في الجنوب، يفكر في أقاربه الذين ما زالوا تحت الأنقاض منذ بداية الحرب.. يقول بكثير من التأثر: استشهد، حتى الآن، 12 شخصا من أفراد عائلتي بعضهم ما زال تحت الأنقاض.. وكلنا مشاريع شهداء سواء كنا في المواجهة أو كنا هنا في مدارس الأونروا التي لا يقيم لها العدو أي اعتبار.
وأبو ياسر الذي لا يرى أي أفق قريب للحل يتأسف من الحال المزري الذي يعيشه النازح الفلسطيني، حيث يتقاسم كل ثلاثة أشخاص علبة فول واحدة.. وقد لا يجد جرعة ماء يشربها بعد ذلك. وعندما تحدثه عن أن كل شيء يمكن أن يعاد إعماره يقول بما يشبه السخرية: ماذا يمكن أن يعمر، كل غزة سُويت بالتراب.. متى يمكن أن يعاد إعمارها؟
ويتساءل أبو ياسر بكثير من الحسرة: لماذا يسكت العرب؟!!
وليس بعيدا عنه في نفس المخيم يقول أبو محمد الذي كان يتحدث وهو يقلي بعض الطعام على نار الحطب: الوضع مأساوي جدا والحمد لله.. ولكن نحمد الله أننا بقينا على قيد الحياة. يواصل أبو محمد ـ قلي ما بدا أنه سمك ـ حديثه بالقول: إما أن تكون هناك هدنة إلى الأبد أو أن يكملوا قتلنا جميعا، فنذهب عند رب رحيم بنا.
***
رغم كل ما يلاقيه أهالي غزة -خلال حرب الإبادة التي تشنها عليهم قوات الاحتلال الإسرائيلي مدعومة بآلة عسكرية وسياسية أمريكية وغربية- إلا أنهم صامدون ومتماسكون وإن تساقط الشهداء عن يمينهم وعن يسارهم وإن نزحوا عن منازلهم وما زال بعض أطفالهم وشبابهم تحت الأنقاض.. إنهم شعب جبار يضرب أروع الأمثلة للعالم كيف يكون النضال وكيف تكون المقاومة وكيف يضحون من أجل أوطانهم.
شاركت في تسجيل الشهادات -في مخيمات النازحين في غزة وتسهيل عمليات التواصل- الدكتورة حكمت المصري.
**media[2517265]**
وطوال الطريق إلى الجنوب كان هو ومئات آخرين يرفعون أياديهم إلى أعلى على أمل ألّا يغدر بهم جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولكنه فعل وغدر، كعادته، ومات بعضهم في الطريق، وبقيت جثثهم شاهدة على جرائم الاحتلال الإسرائيلي وغدره وعلى عجز المجتمع الدولي عن حمايتهم، أو حتى الدعوة إلى وقف الإبادة الجماعية التي تمارس ضدهم بدعم وتشجيع من الدول الكبرى.
وبالنسبة لمئات الآلاف من الذين هربوا من شمال القطاع إلى وسطه أو جنوبه، وخلّفوا بعض شهدائهم تحت الأنقاض؛ بحثا عن ملاذات آمنة لمن بقي حيًا، لا تبدو الصورة في الجنوب مختلفة أبدا، إنها أشبه بالمثل العربي الذي يقول «كالمستجير من الرمضاء بالنار» كما كرر أبو محمود أكثر من مرة خلال حديثه عبر الهاتف.
كانت رحلة النزوح الجبرية من الشمال إلى الجنوب محفوفة بالكثير من المخاطر وفقا لما قاله ٦ أشخاص تحدثت معهم «عمان» عبر الهاتف مباشرة أو عبر تسجيل شهادات مصورة بالفيديو وإرسالها عبر تطبيق «الواتساب». مارسَ جيش الاحتلال إرهابًا متنوعًا ضد النازحين، فعلاوة على الجثث المتقطعة إلى أشلاء والمتناثرة على جانبي طريق النزوح، كان القصف متواصلا طوال الطريق وأصاب في مرات كثيرة النازحين سواء عبر تأثرهم بالشظايا المتطايرة أو عبر عمليات القنص أو عبر عمليات القصف المباشرة خاصة للنازحين عبر السيارات. كانت رحلة النزوح فصلا من فصول الجحيم كما رآها النازحون أنفسهم الذين عبّروا عن خيبة أمل كبيرة تجاه العالم الذي فقد إنسانيته وصار حاله مساويًا كحال قوات الاحتلال الصهيوني. وحتى الآن لم يستطع المجتمع الدولي رغم كل الجرائم والمجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي من الوصول إلى مجرد إجماع حول قرار يوقف إطلاق النار في غزة. ويوقن أهالي القطاع أن إسرائيل لن تستجيب لأي قرار حتى لو صدر من مجلس الأمن الدولي.. رغم ذلك فإن هذا القرار لا يبدو أنه سيصدر، أصلا، بعد أن استخدمت أمريكا الجمعة الماضية حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار بوقف إطلاق النار لدواعٍ إنسانية بعد أن نبّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش -في خطوة نادرة الأربعاء الماضي- مجلس الأمن الدولي في رسالة رسمية اعتمد فيها على المادة 99 من ميثاق المنظمة، إلى التهديد العالمي الذي تمثّله حرب غزة. وتقول المادة 99: «يحق للأمين العام أن ينبه مجلس الأمن إلى أي مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين».
ورغم القصف المتواصل الذي بات يتركز -بعد الهدنة القصيرة- على جنوب ووسط قطاع غزة، دون الانسحاب من الشمال، إلا أن قوافل النازحين ما زالت تخاطر وتتجه ناحية مدينة رفح قرب الحدود مع مصر.
ووفقا للشهادات التي حصلت عليها «عمان» من الميدان في غزة لا يبدو أن ثمة فرقا كبيرا بين من فرّ في بداية الحرب أو بعد شهر على بدايتها، فقد كانت نيران الاحتلال في انتظار الجميع، الأمر الذي معه تأكد لسكان غزة، بيقين تام، أن قوات الاحتلال لم تكن تبحث في الحقيقة عن مسلحي «حماس»؛ كان واضحًا لدى الجميع أنها تقوم بإبادة جماعية ممنهجة، وكانت تسعى لجعل الجميع يشعرون بالذل والمهانة وعدم وجود منطقة آمنة تأويهم في غزة سواء كانت مستشفيات أو مدارس.. كان الهدف أن يبنوا رأيا سلبيا ضد المقاومة وينقلبوا عليها أو يشُوا بها جيش الاحتلال ويصلوا إلى قناعة أن يتحولوا إلى لاجئين في شبه جزيرة سيناء.. لكن هذا الأمر بقي حلمًا من أحلام إسرائيل لم تستطع الوصول إليه.
ويعيش النازحون إلى المناطق الجنوبية حياة صعبة جدا جعلت الكثير منهم يأسفون أنهم تركوا منازلهم في الشمال، معتبرين أن الموت تحت ركام منازلهم المهدمة أكثر كرامة من الوضع الذي يعيشونه الآن في ظل غياب جميع مقومات الحياة وفي مقدمتها مياه الشرب ودورات المياه وتطبيب أطفالهم. تقول «أم محمد عليوه» عبر مقطع فيديو مسجّل أرسلته لـ«عمان»: «حتى أجدادنا لم يعيشوا مثل هذه العيشة التي نعيشها نحن الآن».. كانت أم محمد تجلس في مقابلة فرن يدوي يبدو عبارة عن صفيح من حديد قديم تحته حطب مشتعل وفوق الصفيح قطع عجين تتحول بعد حين إلى رغيف خبز. لكن أم محمد تشتكي من نقص الماء والطحين وغيرها من المواد الغذائية التي يمكن أن تجعل الإنسان يقاوم نزعات الموت التي تتنزل على النازحين من طائرات جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ومنذ نهاية الهدنة قبل أكثر من أسبوع، تناقصَ بشكل كبير جدا عدد الشاحنات التي تُدخل مواد إغاثة داخل القطاع عبر معبر رفح.. وتقول تقارير أممية: إن عدد النازحين الآن في مدينة رفح يزيد على 1.7 مليون فلسطيني يعيشون ظروف نزوح هي الأسوأ في العالم. وتنتشر الكثير من الأمراض خاصة بين الأطفال، وفي مقدمتها الإسهال وأمراض أخرى غير مشخصة في ظل تعطيل كامل للقطاع الصحي.
ومثل غيره يبدو ناهض سلامة سعد النازح من حي الشجاعية إلى دير البلح نادما أنه ترك بيته وتحوّل إلى نازح! يقول بكثير من الحسرة: لو بقيت في بيتي لكان أكرم لي من هذه الحياة الذليلة التي وجدتُ نفسي فيها أنا وأسرتي ومئات الآلاف هنا.
وناهضٌ نازح منذ الأيام الأولى لبدء الحرب عندما أسقطت إسرائيل منشورا فوق حي الشجاعية يدعو الجميع إلى النزوح. كان القصف على الحي قد بدأ منذ أيام وهُدمت الكثير من البيوت فوق رؤوس سكانها واستشهد المئات.
ويحمل حي الشجاعية -الذي استهدفته إسرائيل منذ بداية الحرب- رمزية تاريخية منذ الحروب الصليبية إلى حادثة أسر الجندي شاؤول آرون عام 2014.
خرج ناهض بصحبة 108 أشخاص من أفراد عائلته الكبيرة بينهم حوالي 40 طفلا، كانوا جميعا قد خرجوا مكرهين خوفا من الموت فمنزلهم لا يبعد أكثر من كيلومتر واحد عن «سلك الاحتلال». يقول ناهض: عندما خرجنا كان ما زال العشرات من عائلتنا تحت الأنقاض مثلهم مثل المئات غيرهم، فلا أحد يستطيع أن يزيل الركام في ظل استمرار القصف ليلا ونهارا وغياب المعدات المخصصة للبحث عن ناجين تحت ركام العمارات.
لكنّ ما يُغضب ناهض وآخرين غيره أن توزيع المساعدات القليلة التي دخلت إلى القطاع تتم بطريقة غير عادلة في ظل غياب إدارة حقيقية للتوزيع العادل.
ولا ينسى ناهض أن يقول: إنه حمل أطفاله إلى المستشفى في دير البلح على عربة يجرها حمار في ظل غياب أي سيارات للإسعاف التي يزيد الطلب عليها يوميا.
***
ويحاول الفلسطينيون في قطاع غزة أن يمارسوا حياتهم في اللحظات التي يتحينونها عند انقطاع صوت القصف، وهم شعب يحب الحياة ما استطاعوا إليها سبيلا، كما يقول الشاعر محمود درويش. ورغم المصائب التي تعرّض لها جميع سكان قطاع غزة خلال هذه الحرب، إلا أنهم تعالوا فوق جراحهم وقطعوا مسافات طويلة سيرا على الأقدام خلال الهدنة الماضية للاطمئنان على أقاربهم ومشاهدة فظائع الاحتلال خاصة في قراهم البعيدة عن الجنوب.
كان القصف متوقفا في اللحظة التي سجّل فيها أحمد أبو زايد شهادته لجريدة «عمان».. كان يمسك بيده آلة حلاقة ويقوم بقص شعر أحد الزبائن الذي قصده لحلاقة رأسه. وأبو زايد يملك صالون حلاقة قبل أن يهدمه الاحتلال كما هدم بيته واضطره للنزوح إلى الجنوب. يقول أبو زايد: أحاول أن أعمل رغم صعوبة الحياة وعدم قدرة الناس على الدفع.. لكن ماذا أفعل أريد أنا الآخر أن أحصل على قوت يومي.
ويتمنى أبو زايد أن تنتهي الحرب ويعود إلى منزله المهدم ويعيش إلى جواره ولو تحت خيمة صغيرة.. فالحياة في النزوح -والحديث له- كلها تعب وشقاء ولا شيء فيها يحفظ الكرامة، والجميع ينتظر اللحظة التي تهبط فيها قذيفة تجعله يغادر ظلم الأرض إلى دار عدل أخرى.
***
لا يعيش أهالي غزة حياتهم مثل بقية البشر، إنهم ينامون خوفا من الموت ويستيقظون لانتظاره وخلال كل هذه الأوقات تلاحقهم الكوابيس، ويستعيدون في كل لحظة قوافل الشهداء رغم أنهم ما زالوا منغمسين في المشهد كل يوم، فلا يتجاوزون صورة مجزرة إلا وتلاحقهم صور مجزرة أخرى.
وتزيد العذابات لدى النساء أكثر، ففيما ينشغل الرجال بتوفير بعض مستلزمات الحياة أو المشاركة في عمليات الإنقاذ والإسعاف، تتذكر النساء أبناءهن تحت الركام.. فلا يستطعن النوم وهن يتذكرن أن لهن أطفالا أو شبابا أُجبرن على تركهم تحت ركام القصف دون أن يعرفن إن كانوا قد ارتقوا شهداء أم يواجهون عذابات الخوف تحت الركام.
ولم تستطع أم من عائلة أبو جراد -ماتت طفلتها جراء الحمى- الحديث، كانت تبكي بشكل هستيري، ماتت طفلتها الصغيرة بين يديها في ظل غياب أي خدمات صحية ولو لعلاج الحمى.
ولا يخلو بيت في قطاع غزة خلال هذه الحرب، إلا وقدّم شهيدا واحدا على الأقل، وبعض الأسر انتهت بالكامل، حيث دفنت كلها تحت الركام ما يعني محوها من السجل المدني.. وفيما يعتبر محظوظا من وجَد له قبرا أو عرِف مكان دفنه ليحظى في يوم من الأيام بشاهد قبر، فإن الغالبية دفنوا تحت الركام أو تركوا في العراء لتتحلل جثثهم، فيما حمل بعض الآباء جثث أطفالهم التي تحولت إلى أشلاء في أكياس بلاستيك.. إنها مأساة كبيرة ستترك ندوبًا خالدة في وجدان أهالي غزة وقد تتفجر في يوم من الأيام بطوفان آخر لا يبقي ولا يذر.
كان أبو أحمد منفعلا جدا وهو يتحدث عن الوضع في غزة.. وأبو أحمد نازح من قرية المغرافة في جنوب مدينة غزة، ويقيم مع 16 فردا من أفراد أسرته في مدرسة تابعة للأونروا في مدينة رفح جنوب القطاع. يقول أبو أحمد: إنه لا يحصل إلا على «كرتونة بسكويت» واحدة بها 12 علبة، وعليه هو وأفراد أسرته أن يتقاسموها لوجبات يومية ثلاث!
ورغم المشهد الذي يعيشه أبو أحمد، إلا أنه يقول: «لا أعرف شيئا عن السياسة أريد أن أعيش بسلام أنا وأسرتي». ويبلغ تعداد النازحين في المدرسة التي نزح لها أبو أحمد أكثر من 7 آلاف شخص.
أما أبو ياسر الذي نزح من مخيم البريج في غزة ويقيم الآن في مخيم النصيرات في الجنوب، يفكر في أقاربه الذين ما زالوا تحت الأنقاض منذ بداية الحرب.. يقول بكثير من التأثر: استشهد، حتى الآن، 12 شخصا من أفراد عائلتي بعضهم ما زال تحت الأنقاض.. وكلنا مشاريع شهداء سواء كنا في المواجهة أو كنا هنا في مدارس الأونروا التي لا يقيم لها العدو أي اعتبار.
وأبو ياسر الذي لا يرى أي أفق قريب للحل يتأسف من الحال المزري الذي يعيشه النازح الفلسطيني، حيث يتقاسم كل ثلاثة أشخاص علبة فول واحدة.. وقد لا يجد جرعة ماء يشربها بعد ذلك. وعندما تحدثه عن أن كل شيء يمكن أن يعاد إعماره يقول بما يشبه السخرية: ماذا يمكن أن يعمر، كل غزة سُويت بالتراب.. متى يمكن أن يعاد إعمارها؟
ويتساءل أبو ياسر بكثير من الحسرة: لماذا يسكت العرب؟!!
وليس بعيدا عنه في نفس المخيم يقول أبو محمد الذي كان يتحدث وهو يقلي بعض الطعام على نار الحطب: الوضع مأساوي جدا والحمد لله.. ولكن نحمد الله أننا بقينا على قيد الحياة. يواصل أبو محمد ـ قلي ما بدا أنه سمك ـ حديثه بالقول: إما أن تكون هناك هدنة إلى الأبد أو أن يكملوا قتلنا جميعا، فنذهب عند رب رحيم بنا.
***
رغم كل ما يلاقيه أهالي غزة -خلال حرب الإبادة التي تشنها عليهم قوات الاحتلال الإسرائيلي مدعومة بآلة عسكرية وسياسية أمريكية وغربية- إلا أنهم صامدون ومتماسكون وإن تساقط الشهداء عن يمينهم وعن يسارهم وإن نزحوا عن منازلهم وما زال بعض أطفالهم وشبابهم تحت الأنقاض.. إنهم شعب جبار يضرب أروع الأمثلة للعالم كيف يكون النضال وكيف تكون المقاومة وكيف يضحون من أجل أوطانهم.
شاركت في تسجيل الشهادات -في مخيمات النازحين في غزة وتسهيل عمليات التواصل- الدكتورة حكمت المصري.
**media[2517265]**