مشروع الاستزراع وفّر ما يقارب نصف مليون شجرة قرم خلال 10 أعوام -
تراجع مساحات غابات أشجار القرم عالميا إلى النصف -
مع تصاعد الظواهر المناخية المتغيرة وتسارع وتيرة تغير المناخ برزت استراتيجيات غابات الكربون الأزرق كمصطلح للتعبير عن الكربون العضوي الذي يمتص ويُخزن في المحيطات والنظم الإيكولوجية البحرية بصفتها مصائد طبيعية للكربون تعمل على امتصاصه من الغلاف الجوي وتخزينه في كتلتها الحيوية أو في التربة، وعلى الرغم من المساحات الصغيرة لهذه النظم البيئية الساحلية، إلا أنها تتمتع بالقدرة على احتجاز كميات كبيرة من الكربون مقارنة بالنظم البيئية الأخرى، جاء ذلك في حديث خاص للدكتورة أحلام بنت هلال الهنائية، باحثة مشاركة بمركز الدراسات والبحوث البيئية بجامعة السلطان قابوس، مع (عمان)، التي أكدت أن الحلول القائمة على الطبيعة تشكل محورا أساسيا في الاستجابة العالمية للتكيف مع تغير المناخ والحد من مخاطر الكوارث، وأن دمج النظم الإيكولوجية الساحلية مثل غابات القرم «المانجروف» ومناطق الأعشاب البحرية ومستنقعات المياه المالحة، هو أساس بناء استراتيجيات الكربون الأزرق للتكيف والتخفيف من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وأكدت على الجهود الكبيرة التي تقوم بها العديد من الدول لحماية أحواض الكربون الأزرق والمحافظة عليها من أجل الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاقية باريس للمناخ.
مصائد كربون
وأكدت الهنائية أن غابات القرم رغم أنها تمثل ما نسبته 0.4٪ فقط من الغابات الموجودة في العالم، فإن معدل احتجازها للكربون يبلغ حوالي 18.4 تيراجرام من الكربون المنبعث في الهواء سنويًا وأن أكثر من 75٪ من الكربون الأزرق يتم احتجازه في تربة أشجار القرم بالإضافة إلى احتجاز الكربون وتخزينه، وقالت: إن غابات القرم توفر مجموعة من الخدمات باعتبارها مكونا رئيسا للنظام الأيكولوجي الساحلي منها: توفير موائل حاضنة مهمة تشكل مناطق تكاثر لدعم مصائد الأسماك ومأوى لتعشيش الطيور، وحماية السواحل والحد من تآكل الشواطئ، وتحسين نوعية المياه من خلال ترشيح الرواسب وأنشطة السياحة البيئية كمراقبة الطيور والتجديف ومشاهدة الحياة البرية.
أشجار القرم في سلطنة عمان
قالت الهنائية: تستوطن أشجار «القرم الرمادي» (Avicennia Marina) ما يقارب 32 موقعا على طول السواحل العمانية وهو النوع السائد والوحيد في سلطنة عمان، والذي يتحمل نسبيا درجات الحرارة المرتفعة ومحدودية الأمطار والملوحة العالية. ويتوزع هذا النوع في مناطق ساحلية عدة امتدادا من منطقة الباطنة شمالا، مرورا بالعاصمة مسقط والمنطقة الشرقية والمنطقة الوسطى، وصولا إلى محافظة ظفار جنوبا.
وأضافت أن القطاع البيئي في سلطنة عمان نجح في إكثار ومضاعفة مساحات أشجار القرم لتبلغ المساحة الكلية التي تغطيها أشجار القرم في عُمان قرابة ألف هكتار، حيث أطلقت الجهات المختصة بالبيئة عام 2000م وبالتعاون مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، مشروع استزراع أشجار القرم وتأهيل الأخوار الذي بدأ بتأسيس أول مشتل في محمية القرم الطبيعية في مسقط، حيث تم اعتماد محمية القرم الطبيعية منذ عام 2013 كموقع ضمن اتفاقية رامسار « Ramsar»، وهي الاتفاقية المعنية بحماية الأراضي الرطبة، وأضافت أيضا: تضم محمية القرم الطبيعية مشتلين من غابات أشجار القرم يمكنهما توفير 24000 شتلة من أشجار القرم سنويا. وقد استطاع مشروع الاستزراع زراعة ما يقارب نصف مليون شجرة قرم خلال 10 أعوام منذ انطلاقه، مما يعد إنجازا كبيرا على طريق حماية وصون أشجار القرم في سلطنة عمان.
كميات الكربون الأزرق
قالت الهنائية: إن مركز الدراسات والبحوث البيئية بجامعة السلطان قابوس يقوم بإجراء أول تقييم ميداني شامل لمخزون الكربون في أشجار القرم الطبيعية المستزرعة على طول السواحل العمانية، وإن هذه الدراسة تحقق في الكتلة الحيوية للكربون فوق سطح الأرض (AGB) وتحت سطح الأرض (BGB)، بالإضافة إلى قياس مخزونات الكربون في التربة في خمسة مواقع على طول السواحل العمانية، ويتم بعدها مقارنة قدرة أشجار القرم الطبيعي على احتجاز الكربون مع قدرة أشجار القرم المستزرع على احتجازه، من خلال تحليل العينات المأخوذة من مواقع الدراسة وتقدير كميات الكربون المحتجز في كل عينة، مشيرة إلى أن التقييمات الدقيقة للكربون الأزرق هي الخطوة الأولى لتطوير خطط حماية وإدارة هذه النظم البيئية الساحلية التي تعد من أهم أحواض الكربون في الطبيعة، كما أن دراسة هذه البيئات سوف توفر الأساس المنطقي لخطط واستراتيجيات الحفاظ على غابات القرم في سلطنة عمان، وأضافت: إن مجموعة كبيرة من الدراسات تناولت عزل الكربون في أشجار القرم في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، إلا أن عددا قليلا من الدراسات تناول مخزونات الكربون في أشجار القرم في المناطق الجافة والصحراوية.
إدارة مستدامة
نبهت الهنائية إلى تراجع مساحات غابات أشجار القرم إلى النصف على الصعيد العالمي خلال السنوات الأربعين الماضية، وبمعدل يتراوح بين ثلاث وخمس مرات أسرع من إجمالي خسائر الغابات في العالم. وبالمثل انخفضت مساحة هذه الغابات في منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي. وأشارت إلى أن هذه النظم البيئية مهددة على الرغم من الجهود الحكومية والمبادرات المجتمعية لحماية غابات القرم واستعادتها، وذلك نتيجة للأنشطة البشرية المختلفة مثل التنمية الحضرية الساحلية والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية والاستزراع المائي، كما أن غابات القرم معرضة بشكل كبير للآفات البحرية، والرعي الجائر والتلوث خصوصا التلوث النفطي، وأشارت أيضا إلى أن التغيرات المناخية تؤثر على غابات القرم بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر والذي يؤدي بدوره إلى تآكل السواحل والفيضانات الشديدة ثم فقدان الموائل الطبيعية لأشجار القرم.
أمل المستقبل
أشارت الهنائية إلى اختفاء معظم غابات القرم على سواحل سلطنة عُمان منذ حوالي ستة آلاف عام، وذلك وفقا لدراسة حديثة أجرتها جامعة بون الألمانية ونشرتها دورية Quaternary Research، وحسب الدراسة فإن أبرز الأسباب التي أدّت إلى انهيار تلك النظم البيئية هو التغير المناخي والانخفاض المفاجئ في هطول الأمطار مما تسبب في تملح التربة وانخفاض الغطاء النباتي في المناطق المتضررة بشكل عام بسبب الجفاف الأكبر.
وإدراكا لخطورة التهديدات التي تتعرض لها غابات القرم، ولرفع الوعي العالمي لأهمية هذه النظم البيئية المتفردة فقد أقر المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في عام 2015، يوم 26 يوليو يوما دوليا لصون النظام الإيكولوجي لغابات المانجروف، وأن تكاتف الحكومات والمجتمعات المدنية لحفظ واستعادة هذه النظم البيئية الحيوية أصبح ملحا في ظل مناخ متغير، كما أن خطط واستراتيجيات الحفاظ على النظم الإيكولوجية الطبيعية بات ضروريا من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والإيفاء بالالتزامات الدولية في مجالات البيئة والمناخ.