مثل معظم القرى، في قريتي، (قبل 1970م) غير وارد في قواميسها كلمات مثل إعلام، إذاعة وتلفزيون، صحف ومجلات، سينما، مسرح، عدا ندرة من النخبة الذين يمتلكون – ربما بتحفظ أو سرّية - ريديو (مذياع)، أو من سافروا إلى دول أخرى، وجربوا شيئا من ذلك.. فالأخبار هنا محلية ضيقة، تتداول في مجالس الرجال أو السوق والمسجد. بينما النساء يتبادلن نشرتهن المحلية في لقاءاتهن الخاصة. أما السبق فيكون عند شريعة الفلج وهنّ يستقين الماء. ويمكن أن تنشط (وكالة قالوا) مع بعض الأحداث الاستثنائية. أو وصول أخبار مضت عليها أيام يأتي بها الركبان والمسافرون، فوصول سيارة قادمة من البندر (مطرح) يعد حدثا وحديث الناس، وقد تطلق عدة طلقات نارية (إعلاما) بوصول مسافرين ربما يحملون بعض الأخبار. فما زالوا يتحدثون عن أول مرة دخلت فيها سيارة البلد وكيف جفلت منها الحيوانات والطيور وحتى بعض البشر، ويتذكرون أول شخص دخل بدراجة هوائية يأتي من قرية مجاورة ويعجب الناس منها ومنه وهو يمتطيها.

ويتداول الناس حكايات ربما تم التصرف ببعضها من حكايات ألف ليلة وليلة وما شابه، وأُسقطت على واقعنا وماضينا، بينما تتبادل النخبة الحديث حول الوضع العالمي والزعيم الأسطوري عبد الناصر، وعن (الجرمن والأمريكان والتشينا والجابان والنصارى).

فقريتي واحة وادعة وسط الصحراء.. ما زلت متعلقا بها، أحبها كثيرا. رغم هجرتي المتقطعة عنها منذ أكثر من خمسين عاما. بل وحرصت في السنوات الأخيرة أن يكون لي فيها ضاحية (مزرعة تقليدية صغيرة) لأظل حتى اليوم في نفس الطبيعة بمشاهدها ورائحتها، بحفيف النخيل وخرير الفلج والألوان الطبيعية في بعض الزهور والكائنات، وحتى لون التراب المتماهي مع ألوان حارة الحجرة. وما زالت في الذاكرة مدرسة المعلم سعيد بن عامر ووالده الذي ارتبط في أذهاننا بصلاة وخطبة العيدين في مصلى المسطاح وأدائه بلحن عماني مميز.

المدى واسع على أطراف البلدة، عدا بعض التلول البعيدة وجبل مدر الذي نراه بعيدا ولا يدخل مجاهله وغرابيبه إلا المجازفون بحياتهم. لم أكن أدرك منتهى ذلك المدى، الذي يتهادى منه السراب كأمواج مسافرة. قال لي والدي (يوم تشوف شروى ذا استاحد معك سعن ما، ولا بتستوي لا انته بالما ولا بغيّ السرى). (غي السرى) هو السراب. أي (إذا رأيت مثل هذا فخذ معك احتياطا قربة ماء..).

أمام الدروازة صدى الطبول، وصورة (راعي البوك) بتمصورته المميزة وهو يفتتح مع رفاقه (رزفة الشاوي) في موّال لا يشبه المواويل، والنساء والفتيات على بعد أمتار يرددن أغانيهن، والصغار داخل الدروازة وتحت المثاعيب بملابس العيد والمكبة المعدنية بيد الفتيات وقد اختلطت داخلها (البيسات والقشاط والشكليت والفراخ).

أما هيبة الدولة فتتجلى في مكتب وبيت الوالي والشيوخ والعسكر وعقيدهم، وبيت البرقية الذي نتحدث عنه بصوت خافت لإيماننا أنه جهاز استخبارات، ومن يعمل على البرقية يطلق عليه البعض (سياسي) وقد تحمل برقياته بعض الأخبار أو الأوامر والقرارات المركزية لـ (إعلام) الناس بها، وفي العيادة الحكومية المتواضعة.

المضيبي جميلة، ولكن كغيرها، لا تتوفر فيها الأعمال الكافية المجزية، ولم يتضح بعد مفهوم الوظيفة سواء الحكومية أو الخاصة لعدم وجود مؤسسات أصلا للعمل فيها حتى هذا الوقت، ولا شيء يلوح في الأفق ليغير أو يطور نمط الحياة. ربما كان الكبار والمتنورون يتهامسون عن الثوار والجبهة التي تسعى للإطاحة بنظام الحكم، وربما كان بيننا ثوار لا نعرفهم.

أن يقرر شاب السفر بعيدا بحثا عن الرزق فهو يقدم خدمة ضمنية لأهله بأن يخفف عنهم، رغم ما سيتركه من فراغ.. والدي الذي جرب العيش في عالم آخر وشعر ببعض السعة يتخذ قرارا مفصليا. فماذا يفعل هنا وهو لا يكاد يجد ما يسد به أبسط احتياجات أسرته؟! إذا فقد حانت الهجرة إلى البندر..

سيبقى الأهل ينتظرون زياراتنا الصيفية وأي أخبار تصلهم من السواحل ومن البندر، وسننتظر نحن أيضا كل صيف لنسافر إلى البلد بسيارة ربيّع (الذي ستكتب لي الأقدار بعد أكثر من ثلاثين عاما أن أخصص له حلقة تلفزيونية تستعرض نفس مسار الرحلة) أو غيره من السواق الذين يعدون بأصابع اليد الواحدة.

سأحن لجدي وعمي، ومشهدهما في السبلة يصوغان الفضة، قبل زمن الكهرباء بأدوات بسيطة معدودة ومنفاخ النار التي تذيب الفضة وقد زادت وجه حبابي صالح (جدي) احمرارا في سبيل أن تخرج من بين أناملهما خنجر وجيهة، وحزاق نتمنطق به أنا وابن عمي سالم في المناسبات، وحواجيل وبناجري وغلاميات وخواتم وطقم مرود ومكحل، وغيرها.. كانت هذه السبلة أيضا مصدر أخبار البادية وبحر حدرا عندما يأتي بدوي أو بدوية من الحاضرة (سكن البدو المؤقت على أطراف القرية) لإصلاح بعض الحلي أو عمل طلبية جديدة وقد أحضرا شيئا من هدايا البحر مثل العوال والصارف والعنجرو والقرمباح، تلك القطعة البيضاوية التي تستخرج من ظهر الحبّار لاستخدامها في صنع بعض القوالب لقطع محددة من الحلي. كانا صديقين للبدو ولديهما حكايات لا تحصى معهم حتى أنني تخيلت جدي وأنا صغير أنه بدوي، بهيئته القريبة منهم.

وسأحن لجدي وجدتي لأمي، وهداياهما الصغيرة المميزة، خاصة من دكان جدي في سوق المسيلة. محظوظ أنا أيضا في بيت جدي ناصر؛ لأنه متأثر – مثل بضعة بيوت - بشيء من شرق أفريقيا، وبعض (حسنات الاستعمار الإنجليزي هناك!!) فلدينا دورة مياه بدائية، وكوّاية ملابس بالفحم، وكرسي معدني، وجهاز راديو، وجهاز كاسيت نسمع منه سميرة توفيق، وتسمع منه جدتي قصة يوسف عليه السلام بصوت علي بن محسن السوطي فتجهش بالبكاء مهما تكرر الاستماع، ويصلح هذا الجهاز لتسجيل رسائل صوتية ليُبعث ذلك الكاسيت إلى بلاد بعيدة. ولدى خالي الأصغر عبد الله كاميرا حظيتُ منها بصورة أرتدي فيها طقم ملابس بعثه لي خالي الأكبر أحمد من تنزانيا. وبعد أن يكتمل الفيلم (النيجاتيف) لا بد أن يسافر إلى البندر أو أماكن أبعد لتحميضه، مع الأمنيات ألا يكون قد تعرض للاحتراق، وستصل هذه الصورة إلى ما وراء البحار ليرى خالي (أناقتي) بهديته الكريمة. ومن حسنات ذلك التأثير أيضا أن تمنع والدتي عني أي محاولة لعلاجي بالوسم أو ما شابه.

سيبدأ تكوين جديد بالنسبة لي، فأنا لم أتجاوز حتى الآن الخامسة من العمر. وسنصبح من الآن (مطرحيين).