هناك قصة راق للمعلقين البريطانيين لفترة من الزمن أن يطرحوها عن الاختلافات بين لندن وباريس. تقول القصة إن العاصمة الفرنسية مفرطة في النظم، وفي الضرائب، لطيفة عند النظر إليها، جيدة لقضاء عطلة أسبوعية عابرة، لكنها راكدة، جامدة، متحفية. أما نظيرتها البريطانية، وفقا لهذه القصة، فنشطة حيوية خلاقة عالمية منفتحة على عالم الأعمال.
يتجلى هذا التناقض على أفق كلتا المدينتين. فبعد مغازلة للمباني الشاهقة أثمرت عن مشروعين خلافيين أو ثلاثة؛ تناثرت عند حافة وسط المدينة، رجعت باريس إلى سيرتها الأولى وفرضت قواعدها القديمة التي تحظر تجاوز المباني لارتفاع سبعة وثلاثين مترا. ويبقى تخطيط مدينة لندن مفتوحا لكل شيء، حيث مجموعات الأبراج تتلألأ في المدينة وحدها وحول كناري وارف، وإنما أيضا في المواقع الأقل مركزية مثل فوكسهول وتوتنهم ولويسهم، وفي البلدات المحيطة بالمدينة مثل ووكنج.
من السهل الاعتراض على إعادة فرض حدود الارتفاع بوصفها مثالا آخر على التجاوز الإداري الفرنسي، لولا أن سردية لندن الحركية في مقابل باريس النائمة تبدو أقل إقناعا من ذي قبل ـ وذلك جزئيا بسبب البريكست ـ وذلك نظرا لأن البورصة الفرنسية أزاحت سوق الأوراق المالية اللندني وباتت سوق الأسهم الرائد في أوروبا. وتبين لعدد من المؤسسات المالية بعد الانتقال بمقراتها إلى باريس أن إصرار المدينة على تقديم جودة الحياة على النمو مهما كانت التكاليف؛ أمر متزايد الجاذبية. في هذه الحالة حريٌّ بلندن ـ ومدن أخرى شأن برستول وليفربول اللتين تبنيتا بدرجات متفاوتة المباني الشاهقة ـ أن ترى ما يمكنها فعله لتحذو حذو القدوة الفرنسية.
يقول أنصار ناطحات السحاب، في باريس وغيرها، إنها مثيرة، وحديثة، وتوفر الحيز اللازم للسكن والتوظيف، وتجتذب الأعمال. يقول المعماري جان نوفيل صاحب مخطط مشروع البرجين التوأمين الذي كان أحد المشروعات التي دعت إلى تجديد قيود الارتفاع إنه «لو أن المباني الرأسية قادرة على إثراء قلب العاصمة فما الداعي إلى أن نحرم أنفسنا منها؟»
والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه المباني «تثري» بحق المدن. ولكي نستعمل الكلمة بمعناها المالي الأكثر حرفية، فإن (المباني الرأسية) تمثل مطايا للاستثمار وجلب الأموال، غالبا من الخارج، إلى المواقع التي تقوم فيها. لكن إسهامها في تلبية الاحتياجات الإسكانية مشكوك فيه، فهي مكلفة البناء وتباع الشقق فيها غالبا بأسعار مرتفعة. ومثلما تبين من إشهار بلدية وونكنج إفلاسها أخيرا، وقد أفلست من جراء الاستثمار في ناطحات السحاب، فإن عائدات المباني شاهقة الارتفاع يمكن أن تنخفض كما يمكن أن ترتفع.
وليست المناطق القابعة عند قيعان الأبراج بالدليل المقنع على قدرتها على إثراء المدن اجتماعيا، أو مكانيا، أو ثقافيا. فلو أنكم ذهبتم إلى الأحياء عديدة الطوابق في لندن، ستجدون في الغالب أماكن مقفرة عديمة الحياة، تفتقر إلى طبيعة محددة، تحول المصاعد والردهات بين أهلها وحياة الشارع، وساد مزاج ناجم عن تصميم للأفق يليق بأي مكان، وستجدون السلاسل القادرة على دفع إيجارات لفروع التجزئة التابعة لها. أما في ما يتعلق بالحداثة المزعومة، فناطحات السحاب أشبه بالسفر جوا، إذ كان بديعا في مرحلة ارتباطه بالثراء والسياحة، لكن ناطحات السحاب الآن في مرحلة شركة ريان آير (الأيرلندية): أي مرحلة الابتذال، والسقم، والعادية، فهي الخيار الأول لشركات العقارات معدومة الخيال.
ومن الصعب تسويغ ناطحات السحاب بمسوغات بيئية. فبناء المتر المربع في المباني الشاهقة يحتاج من الحديد والخرسانة أكثر مما يحتاج إليه في المباني المنخفضة، وتحتاج فور بنائها إلى مصاعد و(عادة ما تحتاج إلى) تكييف للهواء أيضا. وهي من الناحية النظرية قادرة على خلق كثافات سكانية تحافظ على وسائل النقل العام، على الرغم من أن سكانها في الواقع يبدون حريصين للغاية على استخدام السيارات الخاصة. ومن الصعب الاختلاف مع إميل مونييه، مستشار حزب الخضر في باريس، عندما يقول إنه «لا يوجد شيء اسمه برج صديق للبيئة».
بالنسبة للمدن البريطانية الصغيرة والتاريخية ـ ومنها على سبيل المثال نوروِتش التي غازلت فكرة الارتفاع ـ فإن رسالة باريس هي أنه من الممكن قول لا.
والأمر في حالة المدن الأكبر أكثر تعقيدا. ففي لندن ومانشستر أبحرت سفينة ناطحات السحاب منذ أمد بعيد ومن ثم فلا معنى لفرض حظر على الارتفاع. لقد كانت باريس منذ عهد بعيد مدينة مركزية الإدارة والتوجيه، فنجم عن ذلك أن كانت ذات نسيج مدني موحد بقدر أكبر، بينما المدن البريطانية الكبيرة أكثر فوضوية وتنوعا، وهذا أيضا ما يعارض فكرة فرض القواعد على كل أرجاء المدينة.
ولكن البلديات والعمد والحكم المحلي لديهم جميعا صلاحيات لتنفيذ سياسات تحد من انبعاثات الكربون في تشييد المباني، وإن تم ذلك بجدية فإنه سوف يقلل من عدد الأبراج الجديدة. وهم أيضا قادرون ـ من الناحية النظرية، وإن لم يكن من الناحية العملية في أكثر الأحيان ـ على مطالبة البنايات العالية والفضاءات المحيطة بها في حالة السماح بإقامتها أن تكون ذات تصميمات جيدة وذكية. وهذه الأشياء بطبيعتها تكلف مالا، لكن السلطة الأساسية للمباني الشاهقة، والسبب الرئيسي لإقامتها، هو أنها تطلق قيمة الأرض بما يعني توفير موارد للقيام بعمل جيد.
من الممكن النظر إلى المقارنة بين لندن وباريس بوصفها مقارنة بين الكم والكيف. فمن حيث عدد السكان وإجمالي الناتج الوطني، نمت لندن أكثر من باريس على مدار أغلب القرن الحالي، وخلقت من الوظائف أكثر منها، لكن العاصمة الفرنسية حققت مكتسبات أكثر إثارة للإعجاب في الإنتاجية. وتحقق المزيد من الثروة لكل مواطن.
ومن تبعات ذلك، برغم أن المنازل الباريسية ليست بالرخيصة؛ أزمة سكانية أقل حدة.
وباريس تكافح أيضا لتحيل نفسها إلى مدينة مستدامة وهو أمر استثنائي في حالة المدن الكبرى، تكافح كي تكون مرغوبة أكثر مما هي الآن، بجعل فضاءاتها العامة وضفافها النهرية جذابة بقدر الإمكان للمشاة وراكبي الدراجات، بما يقلل استعمال السيارات، وينفذ مفهوم «مدينة الخمس عشرة دقيقة» أي أن تكون ضرورات الحياة في نطاق البيت. وسياستها المتعلقة بالمباني الشاهقة جزء من صورة أكبر. أما الطريقة اللندنية ـ أي مراكمة الطوابق على الطوابق وبيعها غير رخيصة تماما ـ فلا يمكنها أن تسلم بنجاحها في هذا التنافس بوصفه أمرا مفروغا منه.
يتجلى هذا التناقض على أفق كلتا المدينتين. فبعد مغازلة للمباني الشاهقة أثمرت عن مشروعين خلافيين أو ثلاثة؛ تناثرت عند حافة وسط المدينة، رجعت باريس إلى سيرتها الأولى وفرضت قواعدها القديمة التي تحظر تجاوز المباني لارتفاع سبعة وثلاثين مترا. ويبقى تخطيط مدينة لندن مفتوحا لكل شيء، حيث مجموعات الأبراج تتلألأ في المدينة وحدها وحول كناري وارف، وإنما أيضا في المواقع الأقل مركزية مثل فوكسهول وتوتنهم ولويسهم، وفي البلدات المحيطة بالمدينة مثل ووكنج.
من السهل الاعتراض على إعادة فرض حدود الارتفاع بوصفها مثالا آخر على التجاوز الإداري الفرنسي، لولا أن سردية لندن الحركية في مقابل باريس النائمة تبدو أقل إقناعا من ذي قبل ـ وذلك جزئيا بسبب البريكست ـ وذلك نظرا لأن البورصة الفرنسية أزاحت سوق الأوراق المالية اللندني وباتت سوق الأسهم الرائد في أوروبا. وتبين لعدد من المؤسسات المالية بعد الانتقال بمقراتها إلى باريس أن إصرار المدينة على تقديم جودة الحياة على النمو مهما كانت التكاليف؛ أمر متزايد الجاذبية. في هذه الحالة حريٌّ بلندن ـ ومدن أخرى شأن برستول وليفربول اللتين تبنيتا بدرجات متفاوتة المباني الشاهقة ـ أن ترى ما يمكنها فعله لتحذو حذو القدوة الفرنسية.
يقول أنصار ناطحات السحاب، في باريس وغيرها، إنها مثيرة، وحديثة، وتوفر الحيز اللازم للسكن والتوظيف، وتجتذب الأعمال. يقول المعماري جان نوفيل صاحب مخطط مشروع البرجين التوأمين الذي كان أحد المشروعات التي دعت إلى تجديد قيود الارتفاع إنه «لو أن المباني الرأسية قادرة على إثراء قلب العاصمة فما الداعي إلى أن نحرم أنفسنا منها؟»
والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه المباني «تثري» بحق المدن. ولكي نستعمل الكلمة بمعناها المالي الأكثر حرفية، فإن (المباني الرأسية) تمثل مطايا للاستثمار وجلب الأموال، غالبا من الخارج، إلى المواقع التي تقوم فيها. لكن إسهامها في تلبية الاحتياجات الإسكانية مشكوك فيه، فهي مكلفة البناء وتباع الشقق فيها غالبا بأسعار مرتفعة. ومثلما تبين من إشهار بلدية وونكنج إفلاسها أخيرا، وقد أفلست من جراء الاستثمار في ناطحات السحاب، فإن عائدات المباني شاهقة الارتفاع يمكن أن تنخفض كما يمكن أن ترتفع.
وليست المناطق القابعة عند قيعان الأبراج بالدليل المقنع على قدرتها على إثراء المدن اجتماعيا، أو مكانيا، أو ثقافيا. فلو أنكم ذهبتم إلى الأحياء عديدة الطوابق في لندن، ستجدون في الغالب أماكن مقفرة عديمة الحياة، تفتقر إلى طبيعة محددة، تحول المصاعد والردهات بين أهلها وحياة الشارع، وساد مزاج ناجم عن تصميم للأفق يليق بأي مكان، وستجدون السلاسل القادرة على دفع إيجارات لفروع التجزئة التابعة لها. أما في ما يتعلق بالحداثة المزعومة، فناطحات السحاب أشبه بالسفر جوا، إذ كان بديعا في مرحلة ارتباطه بالثراء والسياحة، لكن ناطحات السحاب الآن في مرحلة شركة ريان آير (الأيرلندية): أي مرحلة الابتذال، والسقم، والعادية، فهي الخيار الأول لشركات العقارات معدومة الخيال.
ومن الصعب تسويغ ناطحات السحاب بمسوغات بيئية. فبناء المتر المربع في المباني الشاهقة يحتاج من الحديد والخرسانة أكثر مما يحتاج إليه في المباني المنخفضة، وتحتاج فور بنائها إلى مصاعد و(عادة ما تحتاج إلى) تكييف للهواء أيضا. وهي من الناحية النظرية قادرة على خلق كثافات سكانية تحافظ على وسائل النقل العام، على الرغم من أن سكانها في الواقع يبدون حريصين للغاية على استخدام السيارات الخاصة. ومن الصعب الاختلاف مع إميل مونييه، مستشار حزب الخضر في باريس، عندما يقول إنه «لا يوجد شيء اسمه برج صديق للبيئة».
بالنسبة للمدن البريطانية الصغيرة والتاريخية ـ ومنها على سبيل المثال نوروِتش التي غازلت فكرة الارتفاع ـ فإن رسالة باريس هي أنه من الممكن قول لا.
والأمر في حالة المدن الأكبر أكثر تعقيدا. ففي لندن ومانشستر أبحرت سفينة ناطحات السحاب منذ أمد بعيد ومن ثم فلا معنى لفرض حظر على الارتفاع. لقد كانت باريس منذ عهد بعيد مدينة مركزية الإدارة والتوجيه، فنجم عن ذلك أن كانت ذات نسيج مدني موحد بقدر أكبر، بينما المدن البريطانية الكبيرة أكثر فوضوية وتنوعا، وهذا أيضا ما يعارض فكرة فرض القواعد على كل أرجاء المدينة.
ولكن البلديات والعمد والحكم المحلي لديهم جميعا صلاحيات لتنفيذ سياسات تحد من انبعاثات الكربون في تشييد المباني، وإن تم ذلك بجدية فإنه سوف يقلل من عدد الأبراج الجديدة. وهم أيضا قادرون ـ من الناحية النظرية، وإن لم يكن من الناحية العملية في أكثر الأحيان ـ على مطالبة البنايات العالية والفضاءات المحيطة بها في حالة السماح بإقامتها أن تكون ذات تصميمات جيدة وذكية. وهذه الأشياء بطبيعتها تكلف مالا، لكن السلطة الأساسية للمباني الشاهقة، والسبب الرئيسي لإقامتها، هو أنها تطلق قيمة الأرض بما يعني توفير موارد للقيام بعمل جيد.
من الممكن النظر إلى المقارنة بين لندن وباريس بوصفها مقارنة بين الكم والكيف. فمن حيث عدد السكان وإجمالي الناتج الوطني، نمت لندن أكثر من باريس على مدار أغلب القرن الحالي، وخلقت من الوظائف أكثر منها، لكن العاصمة الفرنسية حققت مكتسبات أكثر إثارة للإعجاب في الإنتاجية. وتحقق المزيد من الثروة لكل مواطن.
ومن تبعات ذلك، برغم أن المنازل الباريسية ليست بالرخيصة؛ أزمة سكانية أقل حدة.
وباريس تكافح أيضا لتحيل نفسها إلى مدينة مستدامة وهو أمر استثنائي في حالة المدن الكبرى، تكافح كي تكون مرغوبة أكثر مما هي الآن، بجعل فضاءاتها العامة وضفافها النهرية جذابة بقدر الإمكان للمشاة وراكبي الدراجات، بما يقلل استعمال السيارات، وينفذ مفهوم «مدينة الخمس عشرة دقيقة» أي أن تكون ضرورات الحياة في نطاق البيت. وسياستها المتعلقة بالمباني الشاهقة جزء من صورة أكبر. أما الطريقة اللندنية ـ أي مراكمة الطوابق على الطوابق وبيعها غير رخيصة تماما ـ فلا يمكنها أن تسلم بنجاحها في هذا التنافس بوصفه أمرا مفروغا منه.