للفقد تأثيره في النفس البشرية كما للفقد مفرداته ودلالاته التعبيرية في الكتابة، نقرؤها ونُحسُّ منها الوجع الداخلي وتصدّعات النفس، ونعيش لحظات الكتابة الحزينة من وقع حروفها وانفعالاتها الشخصية المسكونة بهذه الثيمة.

في (قوانين الفقد) لمازن حبيب الصادرة عن دار نثر عام 2021م تتضح دلالات الفقد وتعبيراته وهواجس النفس الإنسانية لحظة الاقتران بهذه الثيمة وارتباطها بالحياة المتّشحة بالحزن والفقد والفراق.

لقد اشتغل مازن حبيب على قيمة الفقد في مجموعته في خمسة نصوص قصصية أظهر من خلالها نبشا في الوجدان والذاكرة والماضي بإعادتها من جديد لحظة السرد الكتابي. لقد ظلّت هواجس الماضي وذاكرته حاضرة مع شخصيات المجموعة تعلو في الأحداث وتستقرّ، وتنفتح على الآهات والأوجاع وتقود الشخصيات إلى مصائرها في الحاضر بعد استعادة ماضٍ يتشكّل مرة وينقطع، إلا إنه يُهيمن بصورة كبيرة على السرد في المجموعة.

خمسة نصوص قصصية تُحيلنا على مرجعية معرفية يؤسس القاص من خلالها للارتباط بين المعرفي والإبداعي؛ فتتشكّل سردية النص القصصي مقترنة في مرجعيتها المعرفية بقوانين علمية يظهر من خلالها أثر القاص ومرجعياته في عملية التشكيل، وإضفاء واقعية على النصوص، وصُوَر مسكونة بالحزن وهشاشة النفس وانكسارها، مستفيدا من تركيبة القوانين في إيجاد معادل نصي قائم على سير الأحداث وتكوين الشخصية. يظهر لنا ذلك في القصة الثالثة على سبيل المثال، فإنّ انفتاح القصة على قانون نيوتن الثالث «لكل فعل ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه»، عمل نفسيا على إيجاد معادل له في القصة وذلك بإكساب الشخصيات سمات عدوانية تثأر من الآخر، ومعه أيضا يستعيد السرد ذاكرته الماضية، وأحداثه الأولى في المدرسة باستعادة حوادث مدرسية وذاكرة «الصف رابع واو».

تُحدّثنا الأفعال بدقّة عن استعادة الماضي، وذاكرته المشروخة وهو ما تبدأ القصة به الذاكرة: «درسنا اللغة الإنجليزية أول مرة في الصف الرابع، وفيه أيضا اختارني معلم الإنجليزية لا غيره أول مرة رئيسا للصف». هكذا تنطلق القصة في استعادة الماضي، ولا تكتفي بدلالة الأفعال، فتلجأ إلى الوصف لتثبيت العودة في الذاكرة، فتعمد إلى وصف معلم اللغة الإنجليزية: «كان لقائي الأول به كباقي طلبة الصف في أول يوم دراسي. بدا طويلا، أطول من الأساتذة الآخرين -كلاعب كرة سلة- وأنحل منهم، تقاطيع وجهه الأسمر صارمة، على نحو يبث الهيبة والخوف في قلب أي طالب في الصف. لكن ذلك لم يمنعني من لقائه على انفراد. أرشدته في الفسحة إلى الطلبة الذين أخفوا الطباشير عنه في الحصة، بعد أن شاهدت انفعاله وبروز عينيه من محجريهما، إثر فشله في العثور عن المشاغبين، وتوقفه عن بدء التدريس في حصتنا الأولى معه».

هكذا تبدأ القصة في تفعيل شفرات القانون، وعليه يمكننا قراءتها وفق شخصياتها من ثلاث شخصيات: الشخصية الأولى للأستاذ نزيه الذي يدير المواقف بناء على مكانته في المدرسة موظّفا الطالب لمهامه الخاصة. والشخصية الثانية للطالب الذي يسرد الحكاية ويقوم بالأدوار التي يوكلها إليه المعلم، وغير ذلك شخصيات الطلاب الذين يُعادون زميلهم بناء على علاقته بالمعلم.

هكذا تنمو طبائع الشخصيات في محور الصراع السردي، يوظّفها ويديرها قائد داخل السرد، وهكذا تتحدث الشخصية الثانية/ الراوي ساردة الحال التي عليها في مواجهة الأطراف الأخرى: «تعلّمت سريعا ما كان يريده مني: ضبط الصف. كنت في حضوره، وأثناء غيابه: عينيه اللتين يرى بهما، وفمه الذي يتحدث به -إلى حدٍّ ما- وأنفه الذي يشم منه»، حتى أصبح أكثر إتقانا للدور: «لكن ذلك لم يكن ليمنعني، بعد حين، من اختلاق بعض القصص التي لا تسترعي التأكد منها. كنت أكتب ما أريده أن يقرأه، أحيانا كما قد حدث، وأحيانا أخرى ناقصا، وأخرى مختلفا قليلا عما حدث، وإن كان بشيء من الحذر، ودون تهور، بعد أن تمرّست قليلاً في حيل الكتابة». وبذلك تتسع الفجوة بين الطالب وأصدقائه: «ضايقني غيابي الطويل عن سعيد، صديقي الأقرب الذي كان يبتعد عني يوما فآخر»، و«شعرت بمرور السنين بوحدة قاتمة، خصوصا في السنين الثلاث الأخيرة للمدرسة. لم يُرافقني الشعور بالتميز دائما كما كان يحدث في الفترات الأسبق، بل تفاقمت وحدتي كلما أشركني في نشاط كنت فيه وحدي معه».

هذا الصراع بين الشخصيات أوجد فجوة سردية ونفسيات ممتلئة غيظا، ونفوسا تتوق إلى الانتقام والثأر بقانون «لكل فعل ردّ فعل» الذي استغلّه السارد في إنهاء الذاكرة والماضي الذي استعيد لحظة السرد منذ الصف الرابع واو. يأتي السرد على لسان الطالب/ الراوي: «كنت عائداً وحيداً، ولعلّها المرة الأولى التي فكرت فيها أثناء مشيي، في ما يمكن عمله في العطلة إلى حين ظهور النتائج إلى أن أحاطوا بي، وأنا أعبر الوادي المؤدي إلى بيتي. زملاء الدراسة أنفسهم، الذين أعرفهم ويعرفونني، أحاطوا بي في تلك اللحظة. كان من بينهم سعيد، متجنباً النظر إلى عيني، لكنه كان ينظر إليَّ بكل تأكيد. رسم الذعر على وجهي سؤالاً بديهياً لم أستطع النطق به، شلّني، وحاولت عدم إظهاره. لم يمهلوني كثيراً، فاقتربوا وأخذوني دون أن يعتدوا عليَّ في سيارة «بيك أب» أبي سعيد... لم أتحدّث إليهم بشيء. علمت منهم، في الطريق، وأنا على ظهر السيارة، أن الأستاذ نزيه رحل عن البلاد البارحة، قبل موعد امتحانه، ولم يغادر خالي الوفاض. أخبروني أنه أخذ معه أموال المقصف، ومبالغ من المدرسة عهدت إليه لمشاريع العام القادم، كما يبدو، كما أنه كان شريكاً للمدير في مشروع مخبز معجنات لم تسلم منه يده».

ينمو الصراع إذن بين الشخصيات ويرتفع نسق الانتقام والثأر لسنوات ماضية، إن الفرصة مواتية وقد أضمرها الطلاب في نفوسهم، ليصل الانتقام إلى نهايته في مشهد جماعي للطلاب: «أخرسني الصمت، وأنا ألمح بعيني شبه المغلقتين من وهج شمس تلك الظهيرة، الحكمة المخطوطة على أحد جدرانها، التي كثيراً ما رددتها في طابور الصباح: «يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان»، وكأنني أميزها أول مرة. شدوا وثاقي، وصلبوني على سارية العلم الذي كان يخفق عاليا، دون أن أعترض. كانوا قد كسروا باب غرفة المعلمين، قبل مجيئي، ثم أتوا يدفعون خزانة الأستاذ نزيه الحديدية الثقيلة إلى أن أسقطوها أمامي. تبيَّنت -من الأوراق الكثيرة التي فاضت من أدراجها المندلقة - أوراق الـ«فوليسكاب»، وقد اصفرّ بعضها بفعل الزمن، وظهر خطي المكتوب بالحبر الأسود، موقعا باسمي الحبر الأحمر. بدأ بعضهم في قراءتها، بصوت عال، أمام طابور الطلبة المتحلق حولي، فأغمضت عيني مستكينا. رموا بعضا منها عليّ، وسمعت هدير أصواتهم، وهم يتأهبون لإشعالها».

ينتهي الصراع بإحداث ردّة الفعل الحاصلة في نهاية القصة؛ فالشخصيات المهزومة أصبحت أكثر جرأة وتمردا على الواقع بعد غياب الشخصية الرئيسة وهروبها، وبقاء الشخصيات الأخرى تقود الحدث إلى نهايته.

هكذا يتوسع مازن حبيب في استعمال قوانين العلم ويوظّفها سرداً، وهكذا يستعيد الماضي ويستدرجه لحظة الكتابة. إنّ لكل قانون شرطاً في الأحداث، وتشكيلاً للشخصية؛ لذا تتنوع شخصيات المجموعة في عرض ماضيها بناء على معطيات القانون والحدث بين شخصيات رجالية ونسائية، وشخصيات قادمة من الطفولة إلى ذاكرة متأرجحة بين زمنين اثنين.

في قصة «لقاء الظهيرة» مثلاً، تظهر لنا لحظات الماضي المستعاد من خلال اجتماع الناس في الظهيرة أمام التلفاز، والتقاء الأبناء وقت الظهيرة، وحوادث الوادي وذاكرة غرق الناس فيه، وموسم الصيف والمزارع، وجانب من أحداث أهل القرية.

إنّ قصة لقاء الظهيرة أنموذج للشخصية المهزوزة نفسيا بفعل الزمن، الشخصية التي تعيش على أطلال الماضي دون أن تخرج من عباءته، هكذا كان يحمل أحمد الماضي معه منذ رحيل أمه غرقاً في الوادي، وهكذا جاء قانون الفقد في بداية القصة موزّعا ذاكرة الشخصيات بين الماضي والحاضر. يأخذنا القانون إلى أنّ «كل خطين مستقيمين غير متوازيين إذا كانا في مستوى واحد فإنهما يتقاطعان في نقطة واحدة». يأخذ هذا التقاطع صُورا عدة في النص السردي: تقاطع ذاكرة أحمد مع صورة أمه الراحلة، وتقاطع رحيل الاثنين بالطريقة ذاتها، وتقاطعات الذاكرة بين أحمد وزميله/ راوي الأحداث، وتقاطعات الفقد بين زمنين مختلفين وشخصيتين مختلفتين.

إنّ هذا الرسم للقانون يقابله وجعٌ مستمر وذاكرة منهزمة واستعادة مستمرة للماضي الذي تبدو استعادته مستمرة في غير نص من نصوص المجموعة بالإحالة على القوانين المعرفية للحياة. يتكرّر هذا الاشتغال في استعادة صورة القرية في قصة (لن يحدث لي مكروه)، أو استعادة ذاكرة المكان المسكون في قصة (بيتي)، أو ذاكرة التشتّت بين الماضي والحاضر في قصة (مَنْ لا يودّع يفقد مرتين)، وبذلك يكون مازن قد جعل من الفقد قانونا لا مجرد ثيمة ودلالة؛ إنه قانون يتقاطع في مجمله مع الحياة ويشكّل مسارا في طرقها المعاشة، نحمل ذاكرتها معنا أينما سرنا.