(عمان): ضمن سلسلة «قراءات في المجموعات الشعرية» أقامت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، ممثلة في لجنة الشعر الفصيح، مساء أمس في مقرها بمرتفعات المطار قراءتين للديوان الشعري «واد غير ذي بوح» للشاعرة بدرية البدري، و«السفح.. ووجهي جبال الحجر» للشاعر محمود حمد، حيث قدم الدكتور علي الفارسي (أستاذ اللغويات واللسانيات المشارك بجامعة الشرقية) والدكتور يوسف المعمري (أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية بجامعة الشرقية) قراءتيهما على التوالي، وتأتي هذه المبادرة ضمن اهتمام الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالترويج للمنتج الأدبي للكتاب العماني، ودعم الحراك الثقافي في سلطنة عمان.
وقال الدكتور علي الفارسي في القراءة الأولى التي قدمها في ديوان «واد غير ذي بوح» للشاعرة بدرية البدري: تشكل إحدى وأربعون قصيدة بناء سامقا ونصا متفردا في ذاته، حيث جاء اسم الديوان على عنوان القصيدة السادسة من هذه القصائد البديعة، ولعل هذه العنونة تعد شكلا من أشكال التمجيد والتفضيل للقصيدة السادسة بالذات دون غيرها من القصائد الأخرى؛ فهي واسطة العقد بين سلسلة متلألئة من جواهر الديوان.
سأل أحدهم الشاعر الفرنسي بول فاليري عن معرفته هو بالأسد، فقال: «ما الأسدُ إلا مجموعةَ خرافٍ مهضومةٍ»، هذه العبارة تحمل من البساطة والسذاجة الكثير، لكن السبر فيها وإمعان النظر وإسقاط هذه العبارة على كلام البشر أي على نصوصهم المنتجة، يؤكد لك قول الشاعر الأول:
ما أرانا نقول إلا رجيعا
ومعادًا من قولنا مكرورا
فالحافر لا يقع إلا على الحافر والنص لا يقع إلا على النص، وهذه الوشائج بين النصوص ليست منقصة وعيبا بل هي الإبداع متجسدا وشامخا، فاللغة كما قال فردينان دي سوسير عبارة محورين: رأسي يمنحك الاختيار من بدائل هائلة من المعجم اللغوي، والمحور الآخر هو المحور الأفقي الذي يمكنك من التأليف وإنتاج النص. فالشاعر الفذ هو من يحكم هذه المعادلة (معادلة المحورين الرأسي والأفقي)، لينتج لنا نصًّا أصيلًا في جهة له سلسلة مستمرة ونسب متصل، متجاوزا أفق التلقي عند القارئ ومن جهة أخرى يُحدِث الدهشة لدينا كلما أعدنا القراءة في القصائد، هذه السمة نجدها بوضوح في ديوان «وادٍ غير ذي بوح»، حيث يتعالق هذا الديوان مع جملة من النصوص المقدسة التي تُكسِب النص الناشئ شيئا من هذا المقام الأعلى، شيئا من الأدبية، شيئا من القدسية نظرا لأنها تستمد ماءها منها، وهي سر كامن فيها من أسرار جمالية النص عند الشاعرة بدرية البدري.
وختم الفارسي ورقته بإضاءة نقدية سلط الضوء فيها على طبيعة التناص في ديوان «وادٍ غير ذي بوح» جاء فيها: نلاحظ أن مجمل النصوص المتناص معها أصبحت جزءًا من النص ولم تكن مقتبسة فحسب، كما نلاحظ أن التناص في قصيدة وادٍ غير ذي بوح، وقصيدة يا عيد عدني لا تعد، وقصيدة قم للذي التي تناصت مع قصيدة أمير الشعراء فلم تقتصر على التناص الشكلي فحسب، أي على مستوى اللفظ، بل كذلك على مستوى المعنى، وحق لهذا المعلم الذي ينير العقول أن تتناص فيه القصائد وتأخذ فيه الأفكار والمعاني كل واحدة منها بناصية الفكرة الأخرى. وبهذه الإضاءات القصيرة نشير إلى جانب إبداعي أصيل لدى الشاعرة بدرية البدرية، تكون مدخلًا إلى قراءات أوسع في قادم الأيام.
ديوان «السفح.. ووجهي جبال الحجر»
من جانبه، قدم الدكتور يوسف المعمري (أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية بجامعة الشرقية) قراءة في ديوان (السفح.. ووجهي جبال الحجر) للشاعر محمود حمد، ومما جاء فيها: يختارُ الشاعر العُماني محمود حمد لمجموعته الشعرية الأخيرة عنوان (السّفح.. ووجهِي جبال الحَجَر). عنوان عاديّ يبدو للوهلةِ الأولى؛ فجبال الحَجر تشيرُ لسلسلة جبال حجر عُمان المعروفة بوجهيها الشرقي والغربي، أمّا السَّفح فهو ظهر الجبل، وقد جاء في لسان العرب لابن منظور «السّفحُ: عرضُ الجبلِ حيثُ يسفحُ فيه الماء، وهو عرضُه المُضطجع؛ وقيل: السَّفح أصل الجبَل؛ وقيل: هو الحضيضُ الأسفل، والجمع سُفُوح، والسُّفُوح أيضا: الصخور اللينة المتزلّقة».
ولكن ما يشدُّ القارئ ويغريه للمعرفة لفظة واحدة أكثر من غيرها وهي لفظة (وجهِي)، تلك اللفظة التي احتوت على ياء الملكيّة، التي تشير إلى الذات/ الوجه، هو ذات الشاعر أو أيُّ ذاتٍ أخرى تمثل الدور الشعري الفني.
يحركُه وجُهُه نحو الجبال السامقة مهما بعُد أو ارتحل أو اغترب، نحوَ الجِبال بذكرياتها، وبمائها ورائحتها العَطِرة، وبطفولته المُضمّنةِ في روحه حيثُ راح وأتى، يعترف الشاعر بأنه قرويٌّ جليٌّ وهو واصف نفسه بأنه (زائرٌ) للمدينة، إلا أنّ ظلّه وروحه متعلقان بقريته، وبلونه الجبلي... يحمل العنوان دلالة (الذات/ وجهي، والجبال/ الحجر)، جبال الحجر هي التي ستنطلق منها شعرية النصوص، وستنطلق معها همومه وأحلامه، وتناقضاته، واعترافاته الذاتيّة. نصوص شعريّة مُحمّلة بوجوه كثيرة، مُحمّلةٌ بأجزاء الأشياء، وأضدادها، وتناقضاتها ما بين الجبل والمدينة، الحزن والفرح، الموت والحياة، الأمل والمجهول، الحاضر والذاكرة، الطفولة والكِبَر، الحُب واللاحب...
أما اختياري لهذه الورقة بعنوان شعريّة الجبال؛ لأني وجدتُ الجبلَ والسفح والماء والشمس والأحلام والطفولة والضياء والقرية والمدينة والشوارع والرمال والشواطئ والحُب واللاحب والحزن، تنبثق من شعريّة الجبال وصداها، أو نقول الذاكرة أو الطفولة أو الماضي، وجدتُ ثمّة صراعٍ أو قلقٍ أو أحلامٍ غير متحققة، بين ذاكرة القرية، وحاضر المدينة. وتحت عنوان (معجم شعريّة الجِبال) يضيف المعمري: تتراوح لغة شعرية الجِبال ما بين ألفاظ مباشرة تعني الجبل أو من يدلّ عليه كالسّفح والجبل والحجَر، وألفاظ أخرى هي تقع كعلاماتٍ ثانوية من علاماته الدالة عليه، تُقرَأ من سياقها الشعري أو سياقها الثقافي؛ كالشمس والظهيرة والضوء والوعول والظلال والماء والجدول والطفولة والذاكرة والرحيل والرُعاة والصّمت والقديم والطين والغيم والظلام والمطر الريح؛ وقد لاحظنا الشاعر يُكرر هذه الألفاظ في مجموعته الشعرية.
استعار الشاعر تلك الألفاظ لتكون علامات بارزة في لغته الشعرية، حيثُ ستمثل القوة الشعريةَ الخالقةَ للدلالة والمعنى، وهذا ما يفسر لنا تكرارها في المقاطع الشعرية باستمرار من بداية المجموعة وحتى نهايتها.
وقال الدكتور علي الفارسي في القراءة الأولى التي قدمها في ديوان «واد غير ذي بوح» للشاعرة بدرية البدري: تشكل إحدى وأربعون قصيدة بناء سامقا ونصا متفردا في ذاته، حيث جاء اسم الديوان على عنوان القصيدة السادسة من هذه القصائد البديعة، ولعل هذه العنونة تعد شكلا من أشكال التمجيد والتفضيل للقصيدة السادسة بالذات دون غيرها من القصائد الأخرى؛ فهي واسطة العقد بين سلسلة متلألئة من جواهر الديوان.
سأل أحدهم الشاعر الفرنسي بول فاليري عن معرفته هو بالأسد، فقال: «ما الأسدُ إلا مجموعةَ خرافٍ مهضومةٍ»، هذه العبارة تحمل من البساطة والسذاجة الكثير، لكن السبر فيها وإمعان النظر وإسقاط هذه العبارة على كلام البشر أي على نصوصهم المنتجة، يؤكد لك قول الشاعر الأول:
ما أرانا نقول إلا رجيعا
ومعادًا من قولنا مكرورا
فالحافر لا يقع إلا على الحافر والنص لا يقع إلا على النص، وهذه الوشائج بين النصوص ليست منقصة وعيبا بل هي الإبداع متجسدا وشامخا، فاللغة كما قال فردينان دي سوسير عبارة محورين: رأسي يمنحك الاختيار من بدائل هائلة من المعجم اللغوي، والمحور الآخر هو المحور الأفقي الذي يمكنك من التأليف وإنتاج النص. فالشاعر الفذ هو من يحكم هذه المعادلة (معادلة المحورين الرأسي والأفقي)، لينتج لنا نصًّا أصيلًا في جهة له سلسلة مستمرة ونسب متصل، متجاوزا أفق التلقي عند القارئ ومن جهة أخرى يُحدِث الدهشة لدينا كلما أعدنا القراءة في القصائد، هذه السمة نجدها بوضوح في ديوان «وادٍ غير ذي بوح»، حيث يتعالق هذا الديوان مع جملة من النصوص المقدسة التي تُكسِب النص الناشئ شيئا من هذا المقام الأعلى، شيئا من الأدبية، شيئا من القدسية نظرا لأنها تستمد ماءها منها، وهي سر كامن فيها من أسرار جمالية النص عند الشاعرة بدرية البدري.
وختم الفارسي ورقته بإضاءة نقدية سلط الضوء فيها على طبيعة التناص في ديوان «وادٍ غير ذي بوح» جاء فيها: نلاحظ أن مجمل النصوص المتناص معها أصبحت جزءًا من النص ولم تكن مقتبسة فحسب، كما نلاحظ أن التناص في قصيدة وادٍ غير ذي بوح، وقصيدة يا عيد عدني لا تعد، وقصيدة قم للذي التي تناصت مع قصيدة أمير الشعراء فلم تقتصر على التناص الشكلي فحسب، أي على مستوى اللفظ، بل كذلك على مستوى المعنى، وحق لهذا المعلم الذي ينير العقول أن تتناص فيه القصائد وتأخذ فيه الأفكار والمعاني كل واحدة منها بناصية الفكرة الأخرى. وبهذه الإضاءات القصيرة نشير إلى جانب إبداعي أصيل لدى الشاعرة بدرية البدرية، تكون مدخلًا إلى قراءات أوسع في قادم الأيام.
ديوان «السفح.. ووجهي جبال الحجر»
من جانبه، قدم الدكتور يوسف المعمري (أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية بجامعة الشرقية) قراءة في ديوان (السفح.. ووجهي جبال الحجر) للشاعر محمود حمد، ومما جاء فيها: يختارُ الشاعر العُماني محمود حمد لمجموعته الشعرية الأخيرة عنوان (السّفح.. ووجهِي جبال الحَجَر). عنوان عاديّ يبدو للوهلةِ الأولى؛ فجبال الحَجر تشيرُ لسلسلة جبال حجر عُمان المعروفة بوجهيها الشرقي والغربي، أمّا السَّفح فهو ظهر الجبل، وقد جاء في لسان العرب لابن منظور «السّفحُ: عرضُ الجبلِ حيثُ يسفحُ فيه الماء، وهو عرضُه المُضطجع؛ وقيل: السَّفح أصل الجبَل؛ وقيل: هو الحضيضُ الأسفل، والجمع سُفُوح، والسُّفُوح أيضا: الصخور اللينة المتزلّقة».
ولكن ما يشدُّ القارئ ويغريه للمعرفة لفظة واحدة أكثر من غيرها وهي لفظة (وجهِي)، تلك اللفظة التي احتوت على ياء الملكيّة، التي تشير إلى الذات/ الوجه، هو ذات الشاعر أو أيُّ ذاتٍ أخرى تمثل الدور الشعري الفني.
يحركُه وجُهُه نحو الجبال السامقة مهما بعُد أو ارتحل أو اغترب، نحوَ الجِبال بذكرياتها، وبمائها ورائحتها العَطِرة، وبطفولته المُضمّنةِ في روحه حيثُ راح وأتى، يعترف الشاعر بأنه قرويٌّ جليٌّ وهو واصف نفسه بأنه (زائرٌ) للمدينة، إلا أنّ ظلّه وروحه متعلقان بقريته، وبلونه الجبلي... يحمل العنوان دلالة (الذات/ وجهي، والجبال/ الحجر)، جبال الحجر هي التي ستنطلق منها شعرية النصوص، وستنطلق معها همومه وأحلامه، وتناقضاته، واعترافاته الذاتيّة. نصوص شعريّة مُحمّلة بوجوه كثيرة، مُحمّلةٌ بأجزاء الأشياء، وأضدادها، وتناقضاتها ما بين الجبل والمدينة، الحزن والفرح، الموت والحياة، الأمل والمجهول، الحاضر والذاكرة، الطفولة والكِبَر، الحُب واللاحب...
أما اختياري لهذه الورقة بعنوان شعريّة الجبال؛ لأني وجدتُ الجبلَ والسفح والماء والشمس والأحلام والطفولة والضياء والقرية والمدينة والشوارع والرمال والشواطئ والحُب واللاحب والحزن، تنبثق من شعريّة الجبال وصداها، أو نقول الذاكرة أو الطفولة أو الماضي، وجدتُ ثمّة صراعٍ أو قلقٍ أو أحلامٍ غير متحققة، بين ذاكرة القرية، وحاضر المدينة. وتحت عنوان (معجم شعريّة الجِبال) يضيف المعمري: تتراوح لغة شعرية الجِبال ما بين ألفاظ مباشرة تعني الجبل أو من يدلّ عليه كالسّفح والجبل والحجَر، وألفاظ أخرى هي تقع كعلاماتٍ ثانوية من علاماته الدالة عليه، تُقرَأ من سياقها الشعري أو سياقها الثقافي؛ كالشمس والظهيرة والضوء والوعول والظلال والماء والجدول والطفولة والذاكرة والرحيل والرُعاة والصّمت والقديم والطين والغيم والظلام والمطر الريح؛ وقد لاحظنا الشاعر يُكرر هذه الألفاظ في مجموعته الشعرية.
استعار الشاعر تلك الألفاظ لتكون علامات بارزة في لغته الشعرية، حيثُ ستمثل القوة الشعريةَ الخالقةَ للدلالة والمعنى، وهذا ما يفسر لنا تكرارها في المقاطع الشعرية باستمرار من بداية المجموعة وحتى نهايتها.