قد يخلط البعض بين مفهومي الإبداع Creativity والابتكار Innovation فالإبداع يعني القدرة على اقتراح أو توليد أفكار جديدة لتطوير العمل أو المنتج أو الخدمة المقدمة من المؤسسة، أما الابتكار فيُقصد به القدرة على تطبيق هذه الأفكار التي تم توليدها وتحويلها إلى حلول قابلة للتنفيذ. هناك طرق وأساليب عديدة تنتهجها بعض المؤسسات لخلق بيئة تشجع الإبداع وترحب بالأفكار الجديدة لتطوير العمل، بل وتخاطر في تجريب بعض الأفكار والاقتراحات الجديدة أو وضع أولويات لتطبيقها وفق موارد المؤسسة البشرية والمالية. قد يقول المدير لموظفيه أو المعلم لطلابه «فكروا خارج الصندوق وقدموا أفكارا إبداعية جديدة مبتكرة. أنا أحتاج لإجراء تغيير». قد يظن البعض أن ذلك سهل لكنه في الواقع ليس كذلك؟

أعجبتني أسئلة ألقاها المحاضر جيوفاني كوروسا Giovanni Corozza ضمن مؤتمر عن التفكير الإبداعي، حول لماذا يجب علينا أن نفكر بشكل مختلف خارج الصندوق أو خارج النظام المألوف؟ ما نوع الصندوق الذي يجب أن نفكر خارجه؟ كيف يجب أن نفكر إبداعيا خارج الصندوق؟ أين تذهب عندما تكون خارج الصندوق؟ وما تحديات التفكير الإبداعي؟ السطور التالية تحاول الإجابة على هذه التساؤلات.

لماذا يجب علينا أن نفكر بشكل مختلف خارج الصندوق أو خارج النظام المألوف؟

أولا: لأننا دائما نحس بالأمان ونحن في منطقة الأمان داخل الصندوق، ودائما نحاول أن نتفق مع الآخرين لنحصل على رضاهم. عندما نفكر خارج الصندوق فإننا نخاطر.

ثانيا: لأن التفكير خارج الصندوق أصبح ضرورة للجميع وليس رفاهية يقوم بها عدد قليل من الناس. لأننا نعيش في عالم شبكات الاتصال، حيث يشترك الجميع في امتلاك وتبادل المعلومات. إذا كنا جميعا نمتلك المعلومات نفسها، فما الذي يخلق الفرق بيننا؟ يعتمد ذلك على ما نستطيع توليده من أفكار من هذه المعلومات المشتركة. لذا فإن التفكير الإبداعي يعني التفكير خارج الصندوق من خلال توليد أفكار جديدة من معلومات وخبرات سابقة وهو ليس رفاهية بل ضرورة للجميع.

ما نوع الصندوق الذي يجب أن نفكر خارجه؟

ليس المقصود بالصندوق هو العقل فنحن لا نستطيع التفكير من دون العقل، بل المقصود مجال وحدود التفكير الموجودة في عقولنا. إنها تتضمن ما نملكه من معلومات ومهارات وما لم نفكر به حتى الآن. طرق التفكير لدى الإنسان معقدة ودائما ما يكون تفكيرنا المبدئي مقيدا بما هو متوارث ومستخدم سابقا مثل الاستقراء والاستنتاج وفق البيئة التعليمية المحيطة. هناك خبرات غير مباشرة Indirect Experiences متراكمة لدينا من مراحل التعليم بالمدرسة والجامعة حول ما فكّر به العلماء السابقون وما اكتُشف، ولدينا أيضا خبرات مباشرة Direct Experiences وهي جميع تجاربنا الناجحة والفاشلة التي كوّنت شخصياتنا. إنها تعني كل ما تم بناؤه في شخصياتنا حتى الآن. إن كل ما نفكّر به داخل هذه الخبرات حتى الآن هو التفكير بأمان داخل الصندوق لأننا لا نرى ولا نعرف كل ما هو خارج الصندوق ولأننا نخاف من المخاطرة ومن المجهول.

كيف يجب أن نفكر إبداعيا خارج الصندوق؟

هل يجب علينا أن ننتظر سقوط التفاحة على رأسنا كما حدث في اكتشاف قانون الجاذبية لكي نشعر بالحاجة لتغيير أسلوب وطريقة تفكيرنا؟ هل هناك طرق وأساليب محددة للقيام بذلك؟ الواقع موجود بالخارج لكي ندركه ولدينا الكثير من الأفكار المسيطرة وهي معلومات متقاربة Convergent Information عندما نركز تفكيرنا على جانب معين، لدينا معلومات حول ماهية الأشياء واحتياجاتها ومواصفاتها كما يتم إدراكها بالطرق المعتادة. لكن في المقابل، إذا أردنا الخروج من الصندوق فيجب علينا أن نضيف بعض الأشياء على هذه المعلومات المتقاربة حتى وإن بدت في الظاهر غريبة أو غير صحيحة أو سخيفة أو غير معقولة أو غير مرتبطة بالموضوع وهذا ما يسمى بالمعلومات المتشعبة Divergent Information نحتاج لهذه المعلومات لننتقل من حدود تفكيرنا المعتاد من حيث ما نعرف إلى ما لم يتم التفكير به بعد. هذه الطريقة تنقلنا إلى منطقة أخرى، لا نعرف إلى أين ستأخذنا كما يحدث تماما وأنت في منتصف معركة لعبة الشطرنج.

أين تذهب عندما تكون خارج الصندوق؟

لا يوجد لدى الفرد عندما يفكر خارج الصندوق اتجاه مسبق محدد، بل ربما يشعر الفرد بأن عليه العودة فورا إلى داخل الصندوق ليشعر بالأمان. علينا مقاومة ذلك وعلينا أن نثمن ونقدر قيمة وأهمية التفكير الطويل. دائما نتحدث عن التفكير الرائع والتفكير الناقد والتفكير السريع والتفكير العميق، لكن التفكير الطويل يختلف عن كل ذلك، إنه التفكير الذي يأخذنا ويجعلنا نحلّق بعيدا بخيالنا وإحساسنا كما لو أننا نقرأ قصيدة أو نستمع لمقطوعة موسيقية، إننا لا نحكم على الكلمات منفردة، علينا أن نُعيد التفكير في تصوراتنا لمفاهيمنا لنذهب بعيدا في التفكير. علينا أيضا، أن نربط بين مجموعة من الأفكار ونجمع بينها ونستنبط من المفاهيم ونعيد تطبيق هذه المبادئ على مجالات جديدة لم يتم استخدام أو تطبيق هذه المبادئ فيها سابقا. علينا أن نفكر بطريقة منفتحة وبطلاقة وأن نبحث عن البدائل وليس عن الإجابات الصحيحة فقط، لأنه عند التفكير بطريقة إبداعية فإنه لا توجد إجابة واحدة صحيحة ومحددة، بل هناك مجموعة من البدائل.

ما تحديات التفكير الإبداعي؟

لنفترض أننا وصلنا في رحلتنا الاستكشافية للتفكير خارج الصندوق إلى منطقة جديدة، كيف نقيم أو نثمن أهمية هذه الفكرة الجديدة؟ إنها عملية ليست سهلة لأنها فكرة جديدة لم يرَها أحد من قبل وكأننا هبطنا على كوكب جديد لم يتم اكتشافه سابقا. لذلك نجد صعوبة دائما في إقناع الشركاء الآخرين والمسؤولين بأهمية هذه الفكرة الجديدة وقد يرد عليك المدير أو المدير العام: «لو كانت مفيدة، كان غيرك أشطر وجرّبها سابقا». أيضا من أسباب صعوبة الاقتناع بأهمية الأفكار الجديدة خارج الصندوق أننا قد نقلل، أحيانا، من ثقتنا بأنفسنا وقدرتنا على التفكير لأننا نعتقد بأنه ليس لدينا القدرة والمهارات والخبرات التي تؤهلنا لكي نكون مثل باقي المخترعين والمبدعين والمبتكرين. قد يسأل الفرد نفسه: من أنا لكي أكون مولدا للأفكار الجديدة؟ لو كانت هذه الفكرة الجديدة صحيحة لاكتشفها وطبقها الآخرون قبلي. هذه ردود فعل وتساؤلات طبيعية لدى الفرد قد تؤدي بنا إلى اغتيال وقتل أفكارنا الجديدة وعلينا أن نقاوم ذلك. علينا أن ننظر في العلاقة بين الفكرة الجديدة وارتباطها بالدافع السابق للمشكلة التي نركز على حلها أو المنتج أو الخدمة التي نريد تطويرها، وأن نقيّم هذا الحل أو هذه الفكرة بشكل مستقل، وربما يؤدي ذلك إلى حل مشاكل أخرى بالصدفة غير التي كنا نبحث عن حلها. لا شك أن طريقة تفكيرنا خارج الصندوق ربما تواجه تحديات في البيئة المحيطة بنا، فعندما تفكر في فكرة إبداعية جديدة، فعليك أن تواجه كل التحديات المحيطة بك في بيئة العمل. أحيانا لا يريد الموظف أن يخسر ود المدير إذا كان غير مقتنع بالفكرة الجديدة فيتخلى الموظف عن الفكرة بسرعة خاصة إذا كانت المؤسسة لا ترغب في تجريب الأفكار الجديدة والمخاطرة بذلك وربما قد تعاقب المبدع إذا لم تنجح الفكرة. في هذه الحالة فإن الفرد لن تغريه الأفكار الجديدة ولن يخاطر بالتفكير خارج الصندوق لأن بيئة العمل تشجعه على البقاء في منطقة الأمان داخل الصندوق.

ختاما، إذا أردت عزيزي المدير أن تخلق بيئة إبداعية تساعد وتشجّع الموظفين على تقديم أفكار جديدة خارج الصندوق فعليك أن تطبّق أسلوب المعلومات المتشعبة أو التفكير المتشعب. عليك أيضا تسهيل استخدام المعلومات غير المرتبطة أو غير ذات العلاقة بالموضوع أو المشكلة، وينبغي أيضا أن تجرب بأن تخلط وتربط بين مختلف الأنظمة وأن تطبق الاستعارة داخل المؤسسة. ابدأ بالمعلومات المتقاربة، ثم انتقل للمعلومات المتشعبة، حدد العناصر المشتركة المتفق عليها بين المشكلة والفكرة الجديدة، ثم قم بتغيير عنصر واحد أو أكثر إلى أن تكتشف العنصر الأكثر تأثيرا والمجدي اقتصاديا ولا تتردد في أن تفكر بطريقة غريبة أو غير معقولة التي قد تبدو للبعض سخيفة. لا تغتل أو تقتل أفكارك الإبداعية وامتلك الشجاعة لتفكر خارج الصندوق. ثمّن وقدر قيمة التفكير الطويل، اربط وركب الأفكار وتذكر دائما، عندما تفكر بطريقة إبداعية، لا تبحث عن حل واحد فليس هناك حل واحد صحيح، بل هناك مجموعة بدائل.

د. محمد بن سليمان البندري أكاديمي وباحث في تطوير القيادات