كانت الانتخابات الرئاسية الأمريكية وحدها من يحظى بمتابعة واهتمام مكثفين في الإعلام العربي، والجمهور العربي بالنتيجة، أكثر من أي انتخابات أخرى، وكأن نتيجتها ستغيّر من واقع وحياة الإنسان العربي، أو حال السياسة والاقتصاد في الدول العربية، وهو ما لم ولن يحصل، لأن الانتخابات في أي بلد هي قضايا داخلية تحددها برامج وطنية، اقتصادية واجتماعية وسياسية. أما هامش التغيير في السياسة الخارجية الأمريكية حيال قضايا العرب، بين الديمقراطيين والجمهوريين، فليس أكثر من تنويع في اللحن ذاته المستمر منذ أكثر من ستين عاما. غير أن الانتخابات الأمريكية تبقى فيلما سينمائيا مسليا، فيه الكثير من الإثارة والتشويق، إلى كون؛ أن ذلك البلد لا يزال قوة تتحكم في العالم؛ اقتصاده عصب اقتصاد العالم، وجامعاته ومؤسساته البحثية مراكز جذب لطلاب العالم، وصناعاته ومنتجاته الاستهلاكية تطبع قيم وثقافات شعوب العالم، ومعظم نخب الحكم والسياسة في العالم العربي مرتبطة، ثقافيا أو وظيفيا، بالولايات المتحدة، بصرف النظر عن خطاب وشعارات الخصومة والاختلاف.

غير أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الحالية في تركيا، حظيت، وستحظى بذات الزخم في التغطية والمتابعة في جولة الإعادة، بالنسبة للرئاسية، المزمعة في الثامن والعشرين من مايو الجاري، ما تبدو، بالنسبة للجمهور وللإعلام العربيين، ذات أهمية تعادل أو تفوق أهمية الانتخابات الأمريكية. إنما، بالنسبة للانتخابات التركية، لا تبدو مجرد متابعة لفيلم مثير ومسل، لأن حالة الاستقطاب بين المعلقين والمحللين العرب، كما شاهدنا وقرأنا، تُظهر وكأنها انتخابات مصيرية للعرب، فإما أن يتواصل مشروع «العثمانية الجديدة» بزعامة رجب طيب أردوغان، بما يمثله هذا المشروع في أذهان بعض النخب العربية من أحلام إحياء دولة الخلافة الإسلامية، أو يسقط، وتعود تركيا إلى علمانيتها المُغلقة، وإلى صورتها الأوروبية التي أرادها لها مؤسسها كمال أتاتورك قبل مائة عام، وتتبخر أحلام دولة الخلافة. (هذا العام هو الذكرى المئوية الأولى لقيام تركيا الحديثة).

بالنسبة للعرب، تركيا ليست الولايات المتحدة الأمريكية. العلاقات الوثيقة بين الثانية والعرب هي مع الحكومات والنخب السياسية، أكثر منها مع الشعوب، بصرف النظر عن صواب موقف الشعوب من شعبوية الموقف وعاطفيته، فثمة بين العرب والأتراك أكثر من ستة قرون من التاريخ المشترك، إذا ما استثنيا الفترة الطويلة التي سيطر فيها الأتراك على الخلافة العباسية، والتي تعود إلى منتصف القرن التاسع الميلادي.

مثلت الدولة العثمانية في ذاكرة العرب والمسلمين امتدادا للدولة العربية، دولة الخلافة الراشدة ثم الدولتين الأموية والعباسية، لكنه تمثيل أيديولوجي أكثر منه ثقافي – قومي، فما وصف بالفتوحات العثمانية في أوروبا أنتج ذلك البعد الأيديولوجي في المواجهة بين الإسلام والمسيحية، وجعل من العرب ورثة «دولة الإسلام الأولى» راغبين في التبعية لدولة بني عثمان ذويي الأصول التركمانية.

حكم العثمانيون العرب لأكثر من أربعة قرون وجعلوا منهم ولايات أو «إيالات» تابعة إلى الباب العالي، ولم ينجو من بلاد العرب سوى استثناءات قليلة (عُمان بين هذه الاستثناءات)، لكنهم أيضا فرضوا الأتاوات وقمعوا محاولات الاستقلال، رغم ذلك، هنالك اليوم فريق من العرب يتطلعون إلى تركيا الأردوغانية، تطّلعهم إلى «هلال» الخلافة الإسلامية، يشق السماء.

لكن من أين للنخب العربية أو من يُمكن وصفهم – مع كثير من التحفظ – بـ«الإسلامويين – دعاة الإسلام السياسي- إخوان مسلمين وسواهم»، شديدة الحماس لفوز الرئيس رجب طيب أردوغان في هذه الانتخابات – من أين لها تصور أن أردوغان وحزبه «العدالة والتنمية» يسعيان إلى إحياء دولة الخلافة أو حتى إلى إعادة بناء تركيا جديدة غير علمانية؟ وأردوغان وحزبه دخلا الحياة السياسية، وحققا ما حققا من قواعد شعبية ومن إنجازات، في ظل دستور علماني كفل لحزب العدالة والتنمية، كما للأحزاب الأخرى، تنافسا حرا، بالقدر الذي كفل فضاء لعودة هوية إسلامية متجذرة إلى الحياة حاول اليسار المتعلمن المؤمن بأوروبة تركيا قمعها على مدى أكثر من نصف قرن، لكن الإسلام، في المقابل، ليس هوية الدولة التركية، التي ينص دستورها على أنها «جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية»، إنما يمكن أن يكون هوية المجتمع أو هوية قطاع من المجتمع، طالما كان ذلك المُعبر عنه وعن خياراته.

ما يحسب لرجب طيب أردوغان، خلال سنوات حكمه الممتدة على مدى عشرين عاما (وهذه المدة الطويلة تحسب عليه) أنه أخرج تركيا من مسار الخيار الوحيد الذي كانت تمضي فيه، وهو خيار أن تكون جزءا من أوروبا، وجعل منها بلدا متعدد الخيارات، فلا قطيعة مع الغرب ولا قطيعة مع الشرق ولا مع فضائه العربي والإسلامي.

في السابع والعشرين من مايو الحالي، أي قبل يوم واحد من استحقاق جولة الإعادة في الانتخابات، تحتفل تركيا بمرور ثلاثة وستين عاما على قيام ما يعرف «الجمهورية الثانية»، وهي مصادفة وذكرى مهمتان لأردوغان وحزبه ومؤيديه. ففي ذلك اليوم عام 1960 حدث انقلاب عسكري، سانده وأيده مثقفون وأساتذة جامعات. ذلك الانقلاب أعاد تركيا إلى المسار الديمقراطي، ومهد الطريق لحياة حزبية ونقابية أكثر تعددية، وكان الفاتحة لظهور حركة الإسلام السياسي التركية التي سيصبح أردوغان أبرز رموزها ، بالقدر ذاته الذي مهد لظهور تيارات يسارية ويمينية، بعضها متطرف.

صراع الهوية في هذه الانتخابات بين الأتراك واضح، لكنه ليس جديدا، فثمة على الدوام انقسامات بين الكتل، المؤيدة لعودة تركيا إلى مجالها الثقافي والجغرافي (الإسلام والعرب والشرق عموما)، وتلك المؤيدة لعودتها إلى مسارها في الاتجاه غربا وقطع الروابط، عندما تصفه، بعض الأصوات العلمانية التركية، العالم المهزوم والمتأخر. الجديد، في هذه الانتخابات، هو دخول بعض النخب العربية، كتاب ومحللين وسياسيين إلى دائرة صراع الهوية، وكأنهم معنيون به، أو كأن نتيجة الانتخابات يوم الثامن والعشرين من هذا الشهر، ستغير شيئا من واقع العالم العربي.

تبدو متابعة العرب للانتخابات خارج بلدانهم أشبه بمتابعتهم لمباريات كرة القدم بين الفرق الشهيرة، يتحمسون لـ«لعبة الحلوة» التي يفتقدونها في فرق بلدانهم، لكن الانتخابات، على خلاف كرة القدم، لا يمكن للعرب شراء نجومها وجلبهم للعب في ملاعبهم.