الحقيقة التي لا مناص منها بغية الوصول للتقدم الاقتصادي هي أن تتخذ الدول العربية القطاع الصناعي طريقها، هذه الحقيقة التي يُقرها اقتصاديو التنمية تكاد تكون الضامن الوحيد لخروج الدول العربية من الفجوة الزمنية بينها وبين الاقتصادات المتقدمة، ومن الاكتفاء باستهلاك المعرفة إلى المشاركة في إنتاجها، ومن ترقيع السياسات بتلقُّفِ كل جديد وتقليد الاقتصادات الصناعية إلى تأسيس قواعد اقتصادية متينة وفقا للشروط والممكنات المحلية، فالباحث في أسباب التقدم الاقتصادي والمستدام للدول ذات الاقتصادات المتقدمة، يجد الصناعة في مقدمة تلك الأسباب، والتاريخ البعيد لدول أوروبا والقريب للنمور الآسيوية (دول شرق آسيا) يعلمنا بأن خروجها من مغبة الفقر إلى الرفاه كان بتتبع طريق التصنيع، وإن قال قائل إن هناك عوامل أخرى مثل تجويد التعليم وتدفق الاستثمارات، وسياسات الحماية الجمركية وغيرها من عوامل، غير أن كل ذلك كان موجه نحو إيجاد قاعدة صناعية محلية. فالتاريخ والتجارب الماثلة أمامنا تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن ابتغاء التنمية بغير طريق التصنيع هو إهدار للوقت وللإمكانيات، وأن محاولة الوصول إلى التقدم الاقتصادي بمعزل عن تثوير القطاع الصناعي ما هو إلا تبديد وبعثرة للجهود.

يوفر التقرير الاقتصادي العربي الموحد الذي يصدر بشكل سنوي عن صندوق النقد العربي معلومات مهمة وثرية وشاملة عن حالة الاقتصاد العربي بما فيها الوضع القائم للقطاع الصناعي العربي، ويشـارك في إعداده الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، وفي آخر تقرير لعام 2022م وضحت المؤشرات الكمية للقطاع الصناعي العربي عن تعافي القطاع ما بعد الجائحة، غير أنه وبتتبع بيانات الإنتاج الصناعي للدول العربية نجد ارتباطه الوثيق بالإنتاج النفطي، فحالما ترتفع أسعار النفط تقفز القيمة المضافة للقطاع الصناعي العربي الإجمالي، والعكس هو الحاصل عند تراجع الأسعار، ففي الأعوام 2011 و2012 و2013 التي شهدت رواجا لأسعار النفط أسهم الناتج الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي العربي بــ 48.4% و49.3 و46.8% على التوالي، ومع تراجع أسعار النفط في منتصف 2014م انحدرت مساهمة القطاع الصناعي العربي في الناتج المحلي الإجمالي بشكل مستمر لتصل إلى نحو 29.5% في 2016م، قبل أن تبدأ مرة أخرى بالارتفاع تماشيا مع التحسن في أسعار النفط العالمية، وكون أن القطاع الصناعي يتألف من قسمين هما الصناعة الاستخراجية والمعنية باستخراج النفط والغاز والمعادن، والقسم الآخر هي الصناعة التحويلية التي تعبر عن عملية معالجة المواد الخام وتحويلها إلى منتجات وسلع تامة الصنع، وبعزل الصناعة التحويلية عن الصناعة الاستخراجية فإن الفجوة الصناعية العربية تتكشف بصورة أكثر وضوحا، فمنذ عام 2010م ظل إسهام الصناعة التحويلية العربية تراوح ما بين 9.2% و11% من الناتج المحلي العربي الإجمالي، كما أنها تشكل أقل من 2% من إجمالي ناتج الصناعة التحويلية العالمية، علاوة على ذلك، التفاوت الكبير بين الدول العربية في مساهمة الصناعات التحولية من الناتج المحلي الإجمالي لكل بلد، وكل تلك المؤشرات تعكس بوضوح حالة التأخر الصناعي التي تشهدها منطقتنا العربية وقصورا في السياسات والتكامل الصناعي بينها.

لقد حاول الكثير من الاقتصاديين فهم الحالة الاقتصادية العربية، في سبيل إيجاد حلول مثلى للتخلص من الواقع المتخلف للاقتصادات العربية وإعادة تصميمها بما يمكنها من الدخول في ميدان التقدم الاقتصادي، لتكون ضمن الفاعلين لا على مستوى الاستهلاك بل على مستوى الإنتاج الصناعي العالمي، ومن الاقتصاديين الذين استقرؤوا الواقع التنموي العربي كان «ألبير داغر» في كتابه «تيارات فكرية معاصرة من أجل التنمية العربية» هدَفَ إلى تقديم أساس نظري لسياسات تنمية عربية يرى أنها ينبغي أن تشكّل بديلا عن تلك القائمة أو المعتمدة حاليا. وعرض ما قدّمته التيّارات الفكرية الثلاث: «المؤسساتية المقارنة» و«ما بعد الكينزية» و«البنيوية الجديدة»، الجامع بينها أنها تقف على طرفي نقيض من المدرسة النيوليبرالية التي تقترح تنحية الدولة في مجال التنمية ويكون السوق هو الفاعل دون الدولة، ثمّ وفّر دليلا عملياً للسياسات التي يقترح تبنّيها لكي تتحقّق التنمية العربية، وهي سياسات تتناول ميادين الإدارة العامة والتصنيع والتعليم العالي وكيفية انخراط البلدان العربية في العلاقات الدولية. ثم وفّر دليلاً إضافياً على أولوية السياسات التي اقترحها من خلال استعادة ما قدّمته التجربة الآسيوية من ممارسات وما وفّرته من دروس.

اعتبر «ألبير داغر» أن هناك أربع مشاكل رئيسة تحول دون الوصول إلى التنمية العربية بوصفها تصنيعا متأخرا، وهي: مشكلة التعاطي مع الإدارة العامة، تتلخّص بأن التنسيب إلى هذه الأخيرة لا يقوم على الحاجة والكفاءة والاستحقاق، ومشكلة في التعاطي مع التصنيع باعتبار أن إنتاج السلع التكنولوجية كهدف وممارسة غائب في كل الدول العربية، ومشكلة في التعاطي مع التعليم العالي الذي هو أبعد ما يكون عن تأهيل قوى عاملة تتمتّع بالتنافسية دولياً، ومشكلة في التعاطي مع النظام الدولي بما يجعل الدول العربية عاجزة أو مترددة في تقرير مستقبلها وإشراع تنمية مستقل بمنأى عن الوصاية الغربية.

لقد أفرد « ألبير داغر» في الفصل الثالث من الكتاب تحليلا خاصا لدول شرق آسيا التي استطاعت التحول إلى الاقتصاد الصناعي تحت عنوان: «السياسات في ضوء التجربة الآسيوية»، باعتبارها تجسّد أجندة للعمل التنموي للدولة نقيض الأجندة النيوليبرالية في هذا المجال من حيث السياسات التجارية والصناعية وسياسة التمويل وسياسة التخطيط وبناء الإدارة العامة التي اعتمدتها هذه البلدان، إذ قامت التجربة الآسيوية في ميدان التصنيع على شراء الماكينات من السوق الدولية وتفكيكها وإعادة تركيبها مقدمة لإنتاجها بالإمكانات الذاتية وتصديرها إلى الأسواق الدولية، وقامت في ميدان السياسة التجارية على اعتماد الحماية الجمركية للمؤسّسات المُنخرطة في اكتساب المقدرة التكنولوجية الممثّلة بتفكيك وإعادة تركيب الماكينات المستوردة، وقامت في ميدان التمويل بوضع القطاع المصرفي في خدمة الصناعة «التصنيع المتأخّر»، وهذه التجربة هي الوحيدة التي أتاحت للبلدان التي اعتمدتها الخروج من التخلّف وتحقيق تصنيعها المتأخّر.

إن فجوة إنتاج المعرفة -التي تقودها الصناعة- تتسع بين الاقتصادات المتقدمة وتلك النامية حتى تُقر الأخيرة تحقيق التنمية بوصفها تصنيعا متأخرا وتبدأ فعليا التحول نحو اقتصاد إنتاجي من خلال الصناعة، وذلك بحاجة ألا تتخلى الدولة عن دورها الأساسي بوصفها جوهر النقاش الاقتصادي ومركزا للتخطيط وألا تنزوي استجابة لدعوات تيارات فكرية اقتصادية ترى أن يحل السوق محل الدولة كليا وأن يقتصر دورها ضمن التدخل المحدود، فاستيراد الأفكار على عواهنها دون تكييفٍ محلي أشد ضررا وتشويها للاقتصاد، كما أن النهج الأمثل للاستفادة من استيراد المعرفة كالآلات والأجهزة وغيرها لابد أن ينصب ضمن سياسة التفكيك وإعادة التركيب (سياسة التعلم الصناعي) كما فعلت دول العالم ذات التصنيع المتأخر.