ترجمة: أحمد شافعي -
تتطلب المغامرات العسكرية في المناطق النائية موقعا متقدما يعتمد عليه، وأصدقاء في المنطقة، وأهم ما تتطلبه هو الحصول على الوقود من هناك. ومنذ أن بدأت حرب الخليج سنة 1990 تنظر الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية لتلبية هذه المطالب الثلاثة. وفي مقابل كرم ضيافة السعوديين، وصداقتهم العميقة، ونفطهم ذي السعر المعقول، حصل السعوديون على حماية أمريكا وأسلحتها، وتشيع تسمية هذه الدينامية بـ«النفط في مقابل الأمن». وقد مضت العلاقة بين أمريكا والمملكة العربية السعودية في ثبات لقرابة عقدين ونصف العقد. وكانت هذه الشراكة على الورق انتصارا استثنائيا للسياسة الواقعية في فترة الجغرافيا السياسية المثالية.
غير أنه في حين تنهي أمريكا تدخلاتها في المنطقة، لم تعد بحاجة بعد إلى موقع متقدم. ولا هي بحاجة إلى حليف عسكري في المنطقة تتبادل معه المعلومات الاستخباراتية. فلم يبق مما يبقي الشراكة على قيد الحياة إلا احتياطيات النفط السعودية الهائلة وقيادتها في منظمة الأوبك. غير أن السياسة النفطية السعودية باتت تعاكس المصالح الأمريكية. إذ أبقت حصص إنتاج دول الأوبك أسعار النفط عالية على مستوى العالم مما زاد الوضع صعوبة على الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أصلا. فضلا عن ذلك فإن التدخل السعودي في اليمن باستعمال الأسلحة والمعلومات المخابراتية الأمريكية أبقى على الاضطراب في المنطقة وأضر بسمعة أمريكا الدولية. ولقد فشلت سياسات الولايات المتحدة الراهنة في معالجة هذه الاختلالات.
الشرق الأوسط منطقة تفتقر إلى بنية الاستقرار. فليست فيها هيراركية عسكرية و/أو سياسية واضحة، وليست فيها وحدة اقتصادية بين الدول المتفاوتة. وأقرب ما فيها إلى الوحدة الاقتصادية هو منظمة الأوبك التي يقتصر اختصاصها على تنسيق إنتاج النفط ومن ثم فليس بين أعضائها إلا الدول المنتجة للنفط. وفي حين أن الحدود في الشرق الأوسط مرسومة اصطناعيا، في أغلب الحالات، فإن التنافسات الدينية والعرقية حقيقية للغاية. فيتسبب هذا الوضع في فراغ في السلطة لا يمكن لدولة بمفردها أن تملأه، ويجعل أيضا التفاوض على المستوى الفردي أو السياسي أمرا بالغ الصعوبة.
والسعودية هي الأكثر تفردا بين دول الشرق الأوسط. فامتداد حدودها والعوامل القائمة داخل هذه الحدود تخلق واقعات جيوسياسية فريدة تقوم مقام المزايا والعيوب في آن واحد.
تقبع المملكة العربية السعودية على أضخم احتياطات نفطية في العالم، بما يجعلها موضع حسد جميع البلاد، نامية كانت أم غير ذلك. والنفط صناعة مهيمنة على البلد لدرجة أن أي اضطراب في سعره العالمي يؤدي مباشرة إلى اضطراب في الاقتصاد السعودي. وإذا ما أصبح النفط غدا عديم القيمة، أو نقص سعره بمقدار النصف فحسب، فمن شبه المؤكد أن الاقتصاد السعودي سوف يتأثر. وللحيلولة دون وقوع هذا السيناريو، فإن المملكة العربية السعودية تحافظ بشدة على مكانتها في منظمة الأوبك، وتكافح من أجل الإمساك بسوق النفط العالمي، والحفاظ على ازدهار اقتصادها، وغالبا ما يكون ذلك على حساب بقية العالم.
كما أن بداخل حدود المملكة موقعين مقدسين هما مكة والمدينة، وهما أهم موقعين في الإسلام. ومجرد التحكم في هاتين المدينتين يخول لحكام السعودية مكانة في القيادة العليا للإسلام. في الوقت نفسه، فإن حضورهما يضيف ضغوطا على الدولة (ولعله يوفر لها مبررات أيضا) من أجل الالتزام بقواعد الدين الإسلامي المستمد من القرآن (الكريم).
وفي حين ترى القيادات السعودية أن الهيمنة الإقليمية خطوة بديهة للقوة السعودية، فإن وجود إيران يعقد هذا المسعى. تكاد الدولتان تتشابهان في القوة والنفوذ في المنطقة، وهما في صراع على الهيمنة منذ الإطاحة بالنظام العراقي البعثي من المنافسة في أوائل هذا القرن. ويزيد من حدة المنافسة اتباع الدولتين لفرعين متنافسين من الإسلام. فإيران هي نصيرة الإسلام الشيعي، الداعمة لجماعات شيعية مسلحة كثيرة في الشرق الأوسط. وفي حين أن مناخ المملكة الجاف وحدودها الطويلة يجعلانها هدفا غير جذاب للحرب التقليدية، فإنهما يجعلانها أيضا مفتوحة بصورة خطيرة لتسلل جماعات عسكرية أصغر.
ومن أجل زيادة نفوذها وتقليل المخاطر التي تمثلها هذه الجماعات على استقرارها ودفاعها الوطني، تلتزم السعودية بمكافحة العمل المسلح المحيط بها. وقد تجلت هذه السياسة على أوضح نحو ممكن في التدخل الجاري بقيادة السعودية في اليمن حيث تقوم حركة «الحوثيين». وبمساعدة الولايات المتحدة في التدريب ومبيعات الأسلحة والمخابرات، قامت القوات المتحالفة بقصف كثيف وحملة برية بهدف الإطاحة بالحوثيين واسترداد الحكم اليمني السابق.
وفي حين أن السياسة السعودية كانت أكثر استساغة خلال تدخل أمريكا المباشر في الشرق الأوسط، فعند التراجع خطوة إلى الوراء، يبدو واضحا أنها معاكسة للمصالح الأمريكية بكل الأوجه تقريبا. فالولايات المتحدة بحاجة إلى نفط رخيص وإلا فإن اقتصادها يتجمد: والمملكة العربية السعودية دافعة باستمرار لارتفاع سعر النفط. والولايات المتحدة بحاجة إلى الاستقرار في الشرق الأوسط لكي لا تنجر إلى صراع آخر، والتنافس السعودي الإيراني خطر على الاستقرار. والولايات المتحدة بحاجة إلى استرداد سمعتها الدولية بعد حروب الشرق الأوسط الكارثية، وتدخلها في اليمن يجعل هذا الأمر أصعب بدرجة ملموسة.
وسياسة الولايات المتحدة الراهنة لا تبذل الكثير من أجل معالجة الاختلالات الصارخة في هذه العلاقة. ذلك أن في دبلوماسية أمريكا في الشرق الأوسط عوارا منذ الانسحاب من أفغانستان. غير أن لنفوذ أمريكا اعتباره الكبير. والمملكة العربية السعودية بحاجة إلى الأسلحة الأمريكية من أجل دفاعها الوطني، وتحتاج إلى الخبرة الأمريكية لصيانة هذه الأسلحة. وعلى الرغم من التهدئة الأخيرة في بعض التوترات، فما من دليل واضح على أن منافسة ذلك البلد لإيران باتت في ذمة الماضي.
جيرارد إيه نيومان طالب في جامعة كولومبيا والمقال حاصل على المركز الثاني في مسابقة مقال السياسة الخارجية للطلاب في مسابقة «جون كوينسي آدامز» لعام 2023.
عن ناشونال إنتريست
تتطلب المغامرات العسكرية في المناطق النائية موقعا متقدما يعتمد عليه، وأصدقاء في المنطقة، وأهم ما تتطلبه هو الحصول على الوقود من هناك. ومنذ أن بدأت حرب الخليج سنة 1990 تنظر الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية لتلبية هذه المطالب الثلاثة. وفي مقابل كرم ضيافة السعوديين، وصداقتهم العميقة، ونفطهم ذي السعر المعقول، حصل السعوديون على حماية أمريكا وأسلحتها، وتشيع تسمية هذه الدينامية بـ«النفط في مقابل الأمن». وقد مضت العلاقة بين أمريكا والمملكة العربية السعودية في ثبات لقرابة عقدين ونصف العقد. وكانت هذه الشراكة على الورق انتصارا استثنائيا للسياسة الواقعية في فترة الجغرافيا السياسية المثالية.
غير أنه في حين تنهي أمريكا تدخلاتها في المنطقة، لم تعد بحاجة بعد إلى موقع متقدم. ولا هي بحاجة إلى حليف عسكري في المنطقة تتبادل معه المعلومات الاستخباراتية. فلم يبق مما يبقي الشراكة على قيد الحياة إلا احتياطيات النفط السعودية الهائلة وقيادتها في منظمة الأوبك. غير أن السياسة النفطية السعودية باتت تعاكس المصالح الأمريكية. إذ أبقت حصص إنتاج دول الأوبك أسعار النفط عالية على مستوى العالم مما زاد الوضع صعوبة على الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أصلا. فضلا عن ذلك فإن التدخل السعودي في اليمن باستعمال الأسلحة والمعلومات المخابراتية الأمريكية أبقى على الاضطراب في المنطقة وأضر بسمعة أمريكا الدولية. ولقد فشلت سياسات الولايات المتحدة الراهنة في معالجة هذه الاختلالات.
الشرق الأوسط منطقة تفتقر إلى بنية الاستقرار. فليست فيها هيراركية عسكرية و/أو سياسية واضحة، وليست فيها وحدة اقتصادية بين الدول المتفاوتة. وأقرب ما فيها إلى الوحدة الاقتصادية هو منظمة الأوبك التي يقتصر اختصاصها على تنسيق إنتاج النفط ومن ثم فليس بين أعضائها إلا الدول المنتجة للنفط. وفي حين أن الحدود في الشرق الأوسط مرسومة اصطناعيا، في أغلب الحالات، فإن التنافسات الدينية والعرقية حقيقية للغاية. فيتسبب هذا الوضع في فراغ في السلطة لا يمكن لدولة بمفردها أن تملأه، ويجعل أيضا التفاوض على المستوى الفردي أو السياسي أمرا بالغ الصعوبة.
والسعودية هي الأكثر تفردا بين دول الشرق الأوسط. فامتداد حدودها والعوامل القائمة داخل هذه الحدود تخلق واقعات جيوسياسية فريدة تقوم مقام المزايا والعيوب في آن واحد.
تقبع المملكة العربية السعودية على أضخم احتياطات نفطية في العالم، بما يجعلها موضع حسد جميع البلاد، نامية كانت أم غير ذلك. والنفط صناعة مهيمنة على البلد لدرجة أن أي اضطراب في سعره العالمي يؤدي مباشرة إلى اضطراب في الاقتصاد السعودي. وإذا ما أصبح النفط غدا عديم القيمة، أو نقص سعره بمقدار النصف فحسب، فمن شبه المؤكد أن الاقتصاد السعودي سوف يتأثر. وللحيلولة دون وقوع هذا السيناريو، فإن المملكة العربية السعودية تحافظ بشدة على مكانتها في منظمة الأوبك، وتكافح من أجل الإمساك بسوق النفط العالمي، والحفاظ على ازدهار اقتصادها، وغالبا ما يكون ذلك على حساب بقية العالم.
كما أن بداخل حدود المملكة موقعين مقدسين هما مكة والمدينة، وهما أهم موقعين في الإسلام. ومجرد التحكم في هاتين المدينتين يخول لحكام السعودية مكانة في القيادة العليا للإسلام. في الوقت نفسه، فإن حضورهما يضيف ضغوطا على الدولة (ولعله يوفر لها مبررات أيضا) من أجل الالتزام بقواعد الدين الإسلامي المستمد من القرآن (الكريم).
وفي حين ترى القيادات السعودية أن الهيمنة الإقليمية خطوة بديهة للقوة السعودية، فإن وجود إيران يعقد هذا المسعى. تكاد الدولتان تتشابهان في القوة والنفوذ في المنطقة، وهما في صراع على الهيمنة منذ الإطاحة بالنظام العراقي البعثي من المنافسة في أوائل هذا القرن. ويزيد من حدة المنافسة اتباع الدولتين لفرعين متنافسين من الإسلام. فإيران هي نصيرة الإسلام الشيعي، الداعمة لجماعات شيعية مسلحة كثيرة في الشرق الأوسط. وفي حين أن مناخ المملكة الجاف وحدودها الطويلة يجعلانها هدفا غير جذاب للحرب التقليدية، فإنهما يجعلانها أيضا مفتوحة بصورة خطيرة لتسلل جماعات عسكرية أصغر.
ومن أجل زيادة نفوذها وتقليل المخاطر التي تمثلها هذه الجماعات على استقرارها ودفاعها الوطني، تلتزم السعودية بمكافحة العمل المسلح المحيط بها. وقد تجلت هذه السياسة على أوضح نحو ممكن في التدخل الجاري بقيادة السعودية في اليمن حيث تقوم حركة «الحوثيين». وبمساعدة الولايات المتحدة في التدريب ومبيعات الأسلحة والمخابرات، قامت القوات المتحالفة بقصف كثيف وحملة برية بهدف الإطاحة بالحوثيين واسترداد الحكم اليمني السابق.
وفي حين أن السياسة السعودية كانت أكثر استساغة خلال تدخل أمريكا المباشر في الشرق الأوسط، فعند التراجع خطوة إلى الوراء، يبدو واضحا أنها معاكسة للمصالح الأمريكية بكل الأوجه تقريبا. فالولايات المتحدة بحاجة إلى نفط رخيص وإلا فإن اقتصادها يتجمد: والمملكة العربية السعودية دافعة باستمرار لارتفاع سعر النفط. والولايات المتحدة بحاجة إلى الاستقرار في الشرق الأوسط لكي لا تنجر إلى صراع آخر، والتنافس السعودي الإيراني خطر على الاستقرار. والولايات المتحدة بحاجة إلى استرداد سمعتها الدولية بعد حروب الشرق الأوسط الكارثية، وتدخلها في اليمن يجعل هذا الأمر أصعب بدرجة ملموسة.
وسياسة الولايات المتحدة الراهنة لا تبذل الكثير من أجل معالجة الاختلالات الصارخة في هذه العلاقة. ذلك أن في دبلوماسية أمريكا في الشرق الأوسط عوارا منذ الانسحاب من أفغانستان. غير أن لنفوذ أمريكا اعتباره الكبير. والمملكة العربية السعودية بحاجة إلى الأسلحة الأمريكية من أجل دفاعها الوطني، وتحتاج إلى الخبرة الأمريكية لصيانة هذه الأسلحة. وعلى الرغم من التهدئة الأخيرة في بعض التوترات، فما من دليل واضح على أن منافسة ذلك البلد لإيران باتت في ذمة الماضي.
جيرارد إيه نيومان طالب في جامعة كولومبيا والمقال حاصل على المركز الثاني في مسابقة مقال السياسة الخارجية للطلاب في مسابقة «جون كوينسي آدامز» لعام 2023.
عن ناشونال إنتريست