كنا نقضي -أنا وإخوتي- ثلاثة أيام من البهجة واللعب في حارتنا، فنعود إلى بيت جدي لأمي، نسلم على كبارنا، نتلقى العيديات، ونلعب مع أبناء خولتنا، ونذهب إلى «العيود».

يجتمع الباعة من الرجال والنساء في بطن الوادي الصغير، الذي يحاذي الطويان، حارتنا، وهناك يبسطون بضاعتهم، ونذهب نحن، قبيلة الأطفال، مختالين بثيابنا الجديدة لنقايض عيدياتنا بالدمى وأدوات طبخ، حيوانات ومسدسات بلاستيكية، وأحيانا نلعب بحظ أعمى على بالونات تبهجنا ألوانها وأشكالها.

ندفع بيسات لكوب من الشربت أو قالب آيسكريم يعد منزليا، ويخزن في ترامس تمنع انصهاره، أو لأجل قطعة كيك أو طاسة من الدنجو أو الباقل أو رغيف من اللولاة.

يبدأ العيود من بعد العصر ويستمر حتى قرب أذان المغرب، عندها يجمع الباعة بضاعتهم ونعود نحن بحصيلتنا إلى بيوتنا، وهناك نبدأ في اللعب بما جئنا به، أو بعقد المقارنات والشجار أحيانا.

اليوم أجلس لأستعيد تلك الوجوه، الضحكات، رائحة عطر أمي، خنجر جدي وخيزرانه والمسبع الذي ينشده، الشعور بفرحة الثياب الجديدة، رائحة البخور التي تفوح من التفاتات النساء في لواسيهن الفاتنة وهن يمضين في دروب الحارة ليسلمن على أهلها.

عام بعد عام تتناقص البهجة، وكأن هناك علاقة عكسية بين العمر والفرح، فالطفولة غير متطلبة، ففي الغالب يولد الأطفال بميل فطري للضحك، تضحكهم الدغدغات وبلاهة الوجوه، التي تظن أنها طريفة وهي تنبعج عند ملاعبتهم.

يكبر العيد والفرح معنا في السنوات الأولى، لأننا نصبح على وعي بأسبابه؛ قيمة العيدية، جمال الثوب الجديد، ألعاب «العيود»، هو وعي طفولي ما يلبث أن ينقلب ضدنا. نكبر أكثر فيبدأ الفرح بالتراجع، وتتضاءل المسافات، المشوار البعيد يصبح قريبا ولا علاقة لذلك بعداد السيارة، والبيت الكبير يتضاءل رغم أنه على حاله، والوجوه التي ألفناها تبهت ثم تختفي، ففي كل حول يحول نفقد شخصا قريبا نحبه.

يأتي العيد الآن تسبقه مسؤولياته وتكاليفه وهمومه وذاكرته، يأتي ويذهب ونحن لا نكاد نستوعبه ولا نعرف كيف نفرح به، فملابسه لا تجيد قول الفرح، وأحذيته لا يخدشها ملمس خشونة حصى باطن الوادي والزيارات، وقبيلة الأطفال التي كانت تعشق الحلوى صارت تخافه، فتخزن الحلويات في صناديق من البلاستيك والمعدن لضيف طارئ، أما ضحكاته ودفؤه القليل فما يلبث أن يتلاشى في إدراك تلك المشاوير التي لم تتم، وإدراكنا لغياب الوجوه التي كانت هي عيدنا، ثم رحلت وتركت مكان حضورها فجوة، مع الوقت تتكاثر هذه الفجوات، حتى تصبح قلوبنا منخلا هائلا، يتساقط منها الفرح بوتيرة أسرع كل عام.