يحتفظ كبار السن من الآباء بذكريات ثرية عن السنين السابقة خاصة في أوائل أعمارهم منها ما يتعلّق بشهر رمضان المبارك ومنها المرتبط بسير أحداث الحياة بحلوها ومرّها وتبقى ذكرياتهم راسخة لا تنسى رغم مرور السنين حيث يحتفظ الجميع بهذه الذكريات مع تقدّم العمر ويعقدون المقارنة بين رمضان الماضي والحاضر يجدون في هذه الأحاديث سلوة ويحمدون الله على ما أنعم به علينا من مظاهر الترف والحضارة وتوفّر الأشياء مقارنة بالماضي الذي يجدون فيه شحاّ للموارد وندرة في الاحتياجات ومع ذلك يبقى الحنين للماضي جميل ولا تشوبه شائبة وفي سطورنا التالية نسترجع ذكريات الوالد سيف بن حمود بن محمد الشكيلي من سكان قرية كرشاء بولاية نزوى حيث استرجع بعض ذكرياته الرمضانية فأشار إلى أنه عاش تجربة صعبة في أول رمضان يصومه الذي وافق تباشير القيظ أو ما يسمى «طلوع البسرة» وهو في عمر الثماني سنوات حيث لم يجد ملجأ إلا فلج القرية لتخفيف حرارة الجو هو وأقرانه من الصبيان إذ يقول نذهب في وقت الظهيرة لنجلس فترة في الفلج نبلل ملابسنا لتلطيف درجة الحرارة حيث لا توجد كهرباء وكانت الحرب العالمية الثانية في أوجها عام 1943 الأمر الذي تسبب في شح للموارد الغذائية وعدم توفر الكثير من الأساسيات فكانت المعانة مضاعفة؛ وقال قبيل دخول رمضان نتأهب روحيا لاستقبال أيام وليالي الشهر وتقوم النساء بتبخير المساجد باللبان وكنا نصعد إلى صخرة كبيرة في القرية ما زالت موجودة إلى الآن لرؤية الهلال عندما تكون السماء صافية وعند رؤيته نقوم بإطلاق الأعيرة النارية ثم يذهب طارش لإبلاغ الإمام في مركز مدينة نزوى لإثبات دخول الشهر أو خروجه.
وقد تحدث مرات كثيرة أن يصبح الناس صائمين ثلاثين يوما بينما هو غرة شوّال أو العكس في بداية رمضان وذلك بسبب عدم توفر وسائل التواصل في كثير من الأحيان إذ أنني أذكر أننا صمنا يوم الثلاثين ووصلنا خبر العيد فترة الضحى.
وتابع القول كنّا نستيقظ باكرا لتناول السحور حيث كان والدي مشهورا في الحسابات الفلكية إذ يسمى «محاضر» يعرف مواقيت اليوم من خلال النجوم وحركة الشمس كونه كان عريفا للفلج ويرفع أذان المغرب في مسجد صرم الرحى ليسمعه سكان القرية ونستيقظ قبل أذان الفجر نأكل ثم نذهب للصلاة ونتلو القرآن أو نستمع له في مساجد القرية وهي «مسجد الشريعة ومسجد الحارة ومسجد جنّور بشير» وكان والدي يعرف مواقيت الصلاة والأذان من خلال المحاضرة أو ما يسمى المزولة وقبيل المغرب نستعد للإفطار بما نجده ففي غالب الأحيان يكون التمر والماء وبعض الأوقات يتوفر اللبن ممن لديهم أبقار ونظرا لكون غالبية أهل القرية من المزارعين فقد تتوفر في بعض الفصول منتوجات اللوبيا والمنج ونقوم بزراعة البر والعلس والعظلم والبعض يزرع الموز والعنب وهكذا تتقلّب الفصول وتمر الأعوام بين شدة وقليل من الرخاء.
أعمال متنوعة
وتناول الوالد سيف الشكيلي بعض الأعمال التي كان يمارسها أهل قرية كرشاء فقال: الغالبية تعمل في الزراعة ومثلما أسلفت يزرعون منتجات شتى والغالبية تتبادل المنتجات مع الآخرين والزائد عن الحاجة نذهب به لسوق نزوى لنبيعه ونحصل على أثمان بسيطة كما أن بعض الأهالي كانوا يمارسون مهنة الاحتطاب إذ يبيعون الحطب لصانعي الحلوى وهناك من يقوم بحرق الخشب لبيعه فحما أو «صخّاما» للصاغة والحدادين والبعض يعمل في جلب السماد للمزروعات لذلك فالأغلبية من السكان لم يمتهنوا أعمالا محددة فأغلبها مرتبط بالزراعة وتربية الحيوانات؛ أما مصادر المياه المتوفرة فهي من الفلج وقليل من الآبار حيث يتميّز فلج كرشاء بعذوبة مياهه ونقاوتها وتذهب النساء لجلب الماء في أواني معدنية أو في الجحال وتعليقها قرب النوافذ للتبريد والجميع متآلف وراضٍ بعيشة الكفاف والبساطة مع وجود الألفة بين الجميع إذ نعتبر القرية كأنها أسرة واحدة.
رحلة الاغتراب
وسألته عن أهم الأعمال التي مارسها قال بدأت رحلتي مع الأعمال في عمر الـ 15 سنة وتحديدا عام 1951 إذ سافرت إلى قطر لبدء مرحلة جديدة من عمري حيث عملت في مجال البناء ولم يكن عمل منتظم بعقد بل حسب المتوفر بأجرة أربع روبيات هندية في اليوم ومكثت في قطر ما يزيد على عامين لأعود إلى عمان فترة بسيطة ثم غادرت إلى الدمام بالمملكة العربية السعودية وعملت في الميناء فترة من الزمن وواصلت العمل حتى عودتي عام 1959 بعمر 22 سنة حيث تزوجت وبعد فترة سافرت مرة أخرى إلى البحرين ولكن لم أستمر كثيرا إذ رافقني الحنين إلى الوطن فرجعت عام 1959 وعملت في القرية قبل أن ألتحق بجيش السلطان سعيد بن تيمور بعد انتهاء الحرب الداخلية عام 1963 وكانت مرحلة جديدة من حياتي حيث تدربت في كتيبة الغبرة ستة أشهر وتم توزيعي إلى معسكر الجبل بنزوى لكني لم أمكث طويلا إذ نقلت إلى كتيبة عبري ثم في عام 1965 انتقلنا إلى ظفار بعد بدء حركة التحرير ومواجهة التمرد الشيوعي في الجنوب وهناك واصلت العمل وكنّا نتبادل مع الكتيبة الموجودة بنزوى بواقع عام في الشمال وعام في ظفار حتى تحرير كامل الأراضي العمانية في عهد السلطان قابوس بن سعيد عام 1975 وبعد التحرير ووضع الحرب أوزارها تم نقلنا بصفة نهائية إلى الشمال حيث تم توزيعي في قيادة معسكر المرتفعة وواصلت العمل حتى عام 1983 بعد أن أكملت عشرين عاما في العسكرية وتمت إحالتي للتقاعد.
مرحلة جديدة
بعد تقاعدي وحصولي على مكافأة قمت بشراء قطع أراضي زراعية ملاصقة لمزرعتي السابقة التي اشتريتها بـ 40 قرشا إذ حصلت على مزرعة بسعر 300 ريال ومنها بدأت رحلتي الجديدة مع الزراعة حيث بدأت بالاهتمام بالنخيل وكان لنا نصيب من فلج كرشاء بالإضافة إلى زراعة مجموعة أخرى من الأشجار والحمد لله الحياة في تحسّن والمقارنة بين الماضي والحاضر ممتعة وكل عصر له مميزاته وطقوسه.
ومما نذكر في السابق أنه عند قرب انتهاء شهر رمضان نذهب لشراء القماش ونحضره للنساء اللواتي يقمن بخياطة الأثواب وأذكر منهن عميرة بنت عمير الحضرمية وشيخة بنت محمد بن سهيل الحضرمية عليهما رحمة الله حيث كانتا من أمهر الخياطات في القرية وكنّا نخرج صباح العيد إلى مصلى القرية ونؤدي الصلاة جميعا مع التكبير والتهليل أما من أهم المظاهر الخالدة فهي المشاركة في تنّور الحارة لإعداد الشواء حيث كان الشخص يدفع سبع بيسات مقابل كل خصفة يرميها وكذلك الإفطار الجماعي في بعض المساجد التي لها أوقاف يقوم وكيل الوقف بتوفير بعض المؤن والتمر للصائمين وكانت ذكريات جميلة ولها رسوخ في قلوبنا.
وقد تحدث مرات كثيرة أن يصبح الناس صائمين ثلاثين يوما بينما هو غرة شوّال أو العكس في بداية رمضان وذلك بسبب عدم توفر وسائل التواصل في كثير من الأحيان إذ أنني أذكر أننا صمنا يوم الثلاثين ووصلنا خبر العيد فترة الضحى.
وتابع القول كنّا نستيقظ باكرا لتناول السحور حيث كان والدي مشهورا في الحسابات الفلكية إذ يسمى «محاضر» يعرف مواقيت اليوم من خلال النجوم وحركة الشمس كونه كان عريفا للفلج ويرفع أذان المغرب في مسجد صرم الرحى ليسمعه سكان القرية ونستيقظ قبل أذان الفجر نأكل ثم نذهب للصلاة ونتلو القرآن أو نستمع له في مساجد القرية وهي «مسجد الشريعة ومسجد الحارة ومسجد جنّور بشير» وكان والدي يعرف مواقيت الصلاة والأذان من خلال المحاضرة أو ما يسمى المزولة وقبيل المغرب نستعد للإفطار بما نجده ففي غالب الأحيان يكون التمر والماء وبعض الأوقات يتوفر اللبن ممن لديهم أبقار ونظرا لكون غالبية أهل القرية من المزارعين فقد تتوفر في بعض الفصول منتوجات اللوبيا والمنج ونقوم بزراعة البر والعلس والعظلم والبعض يزرع الموز والعنب وهكذا تتقلّب الفصول وتمر الأعوام بين شدة وقليل من الرخاء.
أعمال متنوعة
وتناول الوالد سيف الشكيلي بعض الأعمال التي كان يمارسها أهل قرية كرشاء فقال: الغالبية تعمل في الزراعة ومثلما أسلفت يزرعون منتجات شتى والغالبية تتبادل المنتجات مع الآخرين والزائد عن الحاجة نذهب به لسوق نزوى لنبيعه ونحصل على أثمان بسيطة كما أن بعض الأهالي كانوا يمارسون مهنة الاحتطاب إذ يبيعون الحطب لصانعي الحلوى وهناك من يقوم بحرق الخشب لبيعه فحما أو «صخّاما» للصاغة والحدادين والبعض يعمل في جلب السماد للمزروعات لذلك فالأغلبية من السكان لم يمتهنوا أعمالا محددة فأغلبها مرتبط بالزراعة وتربية الحيوانات؛ أما مصادر المياه المتوفرة فهي من الفلج وقليل من الآبار حيث يتميّز فلج كرشاء بعذوبة مياهه ونقاوتها وتذهب النساء لجلب الماء في أواني معدنية أو في الجحال وتعليقها قرب النوافذ للتبريد والجميع متآلف وراضٍ بعيشة الكفاف والبساطة مع وجود الألفة بين الجميع إذ نعتبر القرية كأنها أسرة واحدة.
رحلة الاغتراب
وسألته عن أهم الأعمال التي مارسها قال بدأت رحلتي مع الأعمال في عمر الـ 15 سنة وتحديدا عام 1951 إذ سافرت إلى قطر لبدء مرحلة جديدة من عمري حيث عملت في مجال البناء ولم يكن عمل منتظم بعقد بل حسب المتوفر بأجرة أربع روبيات هندية في اليوم ومكثت في قطر ما يزيد على عامين لأعود إلى عمان فترة بسيطة ثم غادرت إلى الدمام بالمملكة العربية السعودية وعملت في الميناء فترة من الزمن وواصلت العمل حتى عودتي عام 1959 بعمر 22 سنة حيث تزوجت وبعد فترة سافرت مرة أخرى إلى البحرين ولكن لم أستمر كثيرا إذ رافقني الحنين إلى الوطن فرجعت عام 1959 وعملت في القرية قبل أن ألتحق بجيش السلطان سعيد بن تيمور بعد انتهاء الحرب الداخلية عام 1963 وكانت مرحلة جديدة من حياتي حيث تدربت في كتيبة الغبرة ستة أشهر وتم توزيعي إلى معسكر الجبل بنزوى لكني لم أمكث طويلا إذ نقلت إلى كتيبة عبري ثم في عام 1965 انتقلنا إلى ظفار بعد بدء حركة التحرير ومواجهة التمرد الشيوعي في الجنوب وهناك واصلت العمل وكنّا نتبادل مع الكتيبة الموجودة بنزوى بواقع عام في الشمال وعام في ظفار حتى تحرير كامل الأراضي العمانية في عهد السلطان قابوس بن سعيد عام 1975 وبعد التحرير ووضع الحرب أوزارها تم نقلنا بصفة نهائية إلى الشمال حيث تم توزيعي في قيادة معسكر المرتفعة وواصلت العمل حتى عام 1983 بعد أن أكملت عشرين عاما في العسكرية وتمت إحالتي للتقاعد.
مرحلة جديدة
بعد تقاعدي وحصولي على مكافأة قمت بشراء قطع أراضي زراعية ملاصقة لمزرعتي السابقة التي اشتريتها بـ 40 قرشا إذ حصلت على مزرعة بسعر 300 ريال ومنها بدأت رحلتي الجديدة مع الزراعة حيث بدأت بالاهتمام بالنخيل وكان لنا نصيب من فلج كرشاء بالإضافة إلى زراعة مجموعة أخرى من الأشجار والحمد لله الحياة في تحسّن والمقارنة بين الماضي والحاضر ممتعة وكل عصر له مميزاته وطقوسه.
ومما نذكر في السابق أنه عند قرب انتهاء شهر رمضان نذهب لشراء القماش ونحضره للنساء اللواتي يقمن بخياطة الأثواب وأذكر منهن عميرة بنت عمير الحضرمية وشيخة بنت محمد بن سهيل الحضرمية عليهما رحمة الله حيث كانتا من أمهر الخياطات في القرية وكنّا نخرج صباح العيد إلى مصلى القرية ونؤدي الصلاة جميعا مع التكبير والتهليل أما من أهم المظاهر الخالدة فهي المشاركة في تنّور الحارة لإعداد الشواء حيث كان الشخص يدفع سبع بيسات مقابل كل خصفة يرميها وكذلك الإفطار الجماعي في بعض المساجد التي لها أوقاف يقوم وكيل الوقف بتوفير بعض المؤن والتمر للصائمين وكانت ذكريات جميلة ولها رسوخ في قلوبنا.