كنت ابن 12 عاما، في أغسطس (آب) اللاهب، فكان قدر الطفل القروي أن يكون دوران رمضان على مدار العام، أن يحط رحاله في أغسطس. وكان يمكن أن يكون ذلك عاديا، لكن موسم قطف ثمار العنب في جبال القدس الغربية، كان يتطلب في آخر سبعينيات القرن السابق، أن يقوم الأطفال بنقل محصول العنب على الدواب، لصعوبة الطرق الجبلية ذات الانحدارات الحادة أحيانا، فلم تكن هناك طرق كاملة للسيارات، فكان علينا أن نسير مسافة طويلة تحت حرّ الشمس اللاهبة، ولم نكد نبعث أول «نقلة»، حتى يبدأ ألم العطش الذي لا ينتهي، والذي يصير الفم جافا، بلا «ريق».

ولأنه «في آب اقطع ولا تهاب»، فلم يكن أمامنا إلا الصيام، بالرغم من عدم رضا الأهل لخوفهم علينا من الجفاف، حتى أنهم في البداية، لم يوقظوني للتسحر، فصمت بلا سحور، لذلك سمعت والدي رحمه الله في السحور التالي يطلب من أخي الأكبر أن يوقظني، فمثلت أنني أصحو.

لعلي هنا أذكر أكبر حادثة إغراء بالإفطار لذلك الطفل الذي كنته، حينما ذهبت أسرتي مع أهل القرية في الأتوبيس الوحيد لتمضية نهار الجمعة للصلاة في رحاب المسجد الأقصى، لكن لم نكد نهبط درجات «باب العامود» وننزل قليلا، حتى أجد نفسي في مواجهة «المخللات» متنوعة اللون والنوع، وآه كم قاسيت وأنا أرى وأشمّ، متخيلا أجمل طعم في الكون. لم يكن ذلك سهلا أبدا، لكن هي الإرادة حتى ولو كنت طفلا، دفعتني إلى داخل السوق وصولا إلى ساحة المسجد الأقصى، ليظل «المخلل» في بالي، حتى إذا عدنا إلى القرية، رحت أحضّر في طبق خاص لي، من مخللات بيتنا، ليكون جزءا من إفطاري الذي بقيت أتذكره.

آب يسلم إلى تموز(يوليو)، وتموز إلى حزيران (يونيو)، وهكذا على مدار عقد من السنوات، عانينا في معظم نهارات رمضان من العطش. وكنت أمضي فترة ما بعد العصر، حين يلح العطش والجوع في القراءة، والاستماع للراديو، خصوصا للإذاعات المصرية، وكنت أسمع برامج الصغار والكبار، وظل رمضان يرتبط عندي بالأغاني التي تتكرر كل عام، مثل «وحوي يا وحوي» «والراجل ده حيجنني» لصباح وفؤاد المهندس، ولما كان لمصر حضور خاص في بيتنا كون أخي الأكبر تخرج منها، وأخي الثاني ما زال يدرس هناك، فقد زاد إقبالي على الراديو بشكل خاص برمضان.

وكنت أصلي العصر في مسجد قريتنا الصغيرة «بيت دقو» وأقرأ القرآن، لأنشغل بعد ذلك بسقي أشجار السرو الصغيرة في مدخل المسجد، وكان ذلك يأخذ وقتا، ليتلطف الجو.

بعد ذلك كنت أتابع مسلسلا يستمر إلى ما قبل الإفطار بساعة، بعد أن اقتنى أهل القرية ماتورا كبيرا، منحنا الفرصة لمشاهدة التلفزيون. وكنا نلهو بعدها في الجو اللطيف، نراقب الظل على الجبل المقابل لبيتنا، والذي كلما امتد شرقا، نفرح بقرب الأذان. وكثيرا ما كنت أجلس مع والدتي رحمها الله وهي تعمل القطايف، والتي كانت «حباتها» كبيرة في ذلك الوقت. كنت أستمتع جدا برائحتها، وما زلت حتى الآن.

ارتبط التلفزيون مبكرا في حياتنا برمضان، وأذكر دوما مسلسل «صح النوم» لدريد لحام ونهاد قلعي، وكنا نشاهده عند دار خالتي، حيث كان وقتها التلفزيون الوحيد في القرية، فيما بعد شاهدنا «حمام الهنا»، وهكذا دخل «غوار» حياتنا كأطفال.

ارتبط رمضان في حياة الطفل والفتى، والشاب، بالدراما التلفزيونية، حتى شاء الله أن أسافر إلى مصر، وأقضي فيها أربع سنوات، هي دراسة الجامعة، وهكذا منحت الفرصة لأعيش أجواء رمضان هناك. وما زلت أذكر أنه بين الأعوام 1988 و1992، كانت المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية والمنصورة وطنطا والزقازيق، تصبح كأنها في حال «منع تجول»، وقت بث مسلسل «ليالي الحلمية» و«رأفت الهجان»، هكذا وصفنا ونحن الطلبة الفلسطينيون القادمون من الانتفاضة الأولى المندلعة وقتها في الضفة الغربية وقطاع غزة حال المدن المصرية؛ فقد كان كل الناس في بيوتهم أو على المقاهي يتابعون أخبار صراه سليم البدري وسليمان غانم، وديفيد شارلي سمحون.

وأذكر أن زميلنا الأكبر منا طلب مني أن أذهب لشراء «البوظة»، فذهبت، واستغربت ردود فعل الباعة، من بائع كشّر، إلى آخر ضحك مع آخرين يجلسون عنده قائلا «ده احنا برمضان»، أفطن بعدها من خلال توقع أن البوظة في مصر غير البوظة في الشام، متذكرا كلمة «بايظ»، فانتبهت إلى ما كاد به لي زميلي النابلسي. لذلك استخدمت «الأيس كريم»، وعدت به وأنا أمثّل أن كل شيء على ما يرام، في حين كانت ملامحه تنتظر عتابي حتى يسجل فوزا. ثم بدأ بالسؤال الذكي من وين اشتريت، وليعرف ما حدث، فضحكنا جميعا، وبقينا دوما نتذكر فيلم «البوظة».

سيدور رمضان على معظم المواسم الزراعية، وسنمضي بالحياة، وسيكون شكوى الكبير من العطش قليلة ونحن نقطف محصول العنب والزيتون، لأتذكر وقتها كيف أنني كنت أعجب من عدم شكوى أبي من العطش، حيث كان مهموما بإنجاز مهمته بقطف ما يقرب من طن من العنب، وتأمينه إلى القرية، لبيعه للتجار؛ وها نحن نصيرهم، ونستعيد تلك الأيام.

ما بين الطفل القروي، والشاب العشريني والثلاثيني والكهل الأربعيني فالخمسيني الآن، تستمر حياتي كمزارع مرتبط بالأرض، وككاتب أتابع الأعمال الفنية في رمضان، فأكتب عنها، ولأستعيد أيضا المسلسلات القديمة لأكتب عنها كليالي الحلمية ورأفت الهجان، بل ولأستعيد «زيزينيا»، الذي كتبت عنه مؤخرا.

هما الأرض وهي الحياة، والدراما من الحياة كما الأدب منها، شكلتا جزءا من تكويني الثقافي والإنساني، والذي كان له دوما خصوصية التأثر بشهر رمضان.

كنت أشعر أن الشهر الفضيل يجمعنا، فأشعر بالراحة، لا الأسرة فقط، بل العرب جميعا، نشاهد دراما واحدة تقريبا من الخليج إلى المحيط. لكن تغيرت الأمور، وسطت أمور على الدراما، فتغير الكثير، ولم تعد أيامنا اليوم كالأمس، صار أمس ذكريات حميمة نحنّ إليها، حتى إنني أجد نفسي الآن أشهد بعض حلقات من مسلسلات زمان، لأستعيد ذلك الفرح الذي كان.

سأكبر وأسافر، وأعود، وأستمر بالحياة، وتستمر الذكريات، لأرى أطفالي بعد سنوات في فناء مسجد القرية، تحت أشجار السرو التي كبرت وطالت، وهي التي كنت أسقيها محدودب الظهر، متذكرا رمضان الطفولة. أجد نفسي مبتسما بتأمل ورضا حامدا الله على كل النعم. لعل بريق دمعة طل من العينين، وأنا أتذكر والدي الذي كان هنا يوما.

في كل زيارة لي للقدس «العتيقة، وأنا أهبط درجات باب العامود نحو السوق، لم أكن لأنسى محل «المخللات»، كان كبيرا في عيني طفل كنته، صار صغيرا الآن، وبالرغم من سنوات العمر، لم تختف مشاعر عشق المخللات، التي كتبت عنها عدة مرات، كذلك في كتابي «القدس تجوال العين والروح»، والذي فيه ذكريات رمضانية جديدة، ليأتي بعض من قرأ ليهمس في أذني: وأنا يا أستاذ عاشق آخر للمخللات التي راودتني لآخذ قضمة.

في آخر لقاء لي مع محل «المخللات»، وقفت وأنا الخمسيني وسلمت على الشاب الذي استغرب حرارة المصافحة، واستغرب سؤال عن أبيه وجده.

- أتعرفهما أستاذ؟

- ومن لا يعرفهما أخي الحبيب..

-...........................

- كل عام وأنتم بخير، رحم الله جدك وابلغ أباك سلامنا.

-......................؟

- واحد من عشاق المخللات!