ترجمة: أحمد شافعي -
في الخريف الماضي، وبعد 8 أشهر على الفوضى العالمية الجديدة التي تسبب فيها غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا، أصدر معهد بينيت للسياسة العامة في جامعة كمبريدج تقريرا طويلا حول اتجاهات في الرأي العام العالمي قبل اندلاع الحرب وبعده.
ليس بغريب أن أظهرت البيانات أن الصراع غيَّر الوجدان العام في البلاد الديمقراطية في شرق آسيا وأوروبا، مثلما في الولايات المتحدة، موحِّدا المواطنين ضد كل من روسيا والصين ومغيِّرا الرأي العام ليتحول إلى اتجاه أكثر موالاة لأمريكا.
لكن خارج الكتلة الديمقراطية، اختلفت الاتجاهات اختلافا شديدا. فعلى مدار عقد قبل حرب أوكرانيا، كان الرأي العام في «نطاق شاسع من البلاد يمتد من أوروآسيا إلى شمال وغرب أفريقيا» ـ على حد تعبير التقرير ـ قد أصبح أكثر محاباة لروسيا وإن أصبح الرأي العام الغربي أشد معاداة. وبالمثل، انقلبت شعوب أوروبا والعالم الأنجلوفوني وبلاد المحيط الهادي الديمقراطية من قبيل اليابان وكوريا الجنوبية على الصين حتى قبل كوفيد 19، ولكن الصين باتت تعد أكثر قبولا في الشرق الأوسط، وأفريقيا ما دون الصحراء وآسيا الوسطى.
غيّرت حرب بوتين في أوكرانيا هذه الاتجاهات في الهوامش فقط. أصبحت روسيا أقل شعبية في 2022، لكن الرأي العام في العالم النامي إجمالا بعد الغزو كان لم يزل أدفأ قليلا تجاه روسيا منه تجاه الولايات المتحدة، و(للمرة الأولى) أصبح أدفأ تجاه الصين منه تجاه أمريكا أيضا. إلى حد أن صراع أوكرانيا أنذر بصراع جيوسياسي جديد بين «التحالف البحري للديمقراطيات» بقيادة الولايات المتحدة، على حد وصف التقرير، وتحالف مؤلف من أنظمة الحكم الاستبدادية راسخ في أوروآسيا، وبدا أن التحالف الاستبدادي لديه احتياطيات عميقة عمقا مفاجئا من الدعم الشعبي المحتمل.
صدقت هذه القراءة للمشهد الجيوسياسي في الشهور المنصرمة منذ صدوره. ففي خارج أوروبا والعالم الأنجلوفوني، لم تلق جهود عزل الاقتصاد الروسي دعما مستداما يذكر، وكذلك جهود العزل الدبلوماسي.
فقوات روسيا المسلحة نشطة في عموم أفريقيا. وموسكو تجد مشترين للطاقة من جنوب آسيا وحتى أمريكا اللاتينية. كما أن نظام بوتين قد عقد للتو مؤتمر سلام مع سوريا وتركيا وإيران، على أمل إحلال الاستقرار على وضعه في سوريا مع تهميش الولايات المتحدة وحلفائها الأكراد. وتشير الوثائق المسرَّبة من المخابرات الأمريكية إلى أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قد أجاز أخيرا مبيعات سلاح سرية لروسيا، برغم وضع بلاده كحليف لأمريكا.
إجمالا، وفقا لمسح أجرته إكونوميست إنتليجنس، فثمة خارج التحالف الغربي نزيف بطيء لدعم أوكرانيا: إذ تناقص قليلا عدد البلاد التي تدين الغزو الروسي على مدار العام الماضي، في حين أن عدد البلاد المحايدة والداعمة لروسيا قد ارتفع. واللاعزلة الروسية المتنامية يضاهيها نفوذ دبلوماسي واقتصادي متنام لحليفتها الصين التي تلعب دورا حاسما بوصفها صانعة للسلام ووسيطا بين القوى في الشرق الأوسط، مع شراكة لها مرة أخرى من حلفاء رسميين للولايات المتحدة من قبيل المملكة العربية السعودية.
ليس واضحا إن كانت إدارة بايدن تمتلك استراتيجية كبرى للتعامل مع هذا الواقع. ففي حين أن البيت الأبيض يقاوم بعض دعاوى الصقور لتصعيد المجازفة تجاه موسكو، فإنه يميل إلى قبول تصوير الصقور لمشهد جيوسياسي متزايد الانقسام بين الديمقراطية والليبرالية من ناحية والاستبدادية والطغيان. (وانظروا على سبيل المثال إلى قمة بايدن الأخيرة للديمقراطية التي استبعدت عامدة اثنين من حلفاء الناتو هما المجر وتركيا لأنهما يعدان مثالين مثيرين للقلق للتراجع عن الديمقراطية).
مثلما قال وولتر راسل ميد في وول ستريت جورنال فإن هذا الإطار يعبر بدرجة ما تعبيرا واضحا عن الواقع الدولي. كما أنه يلائم رسالة بايدن السياسية المحلية التي تخلط بين «النضال الدولي من أجل الديمقراطية الليبرالية» و«النضال الداخلي ضد شعبوية الحزب الجمهوري».
لكن مثلما ذهب ميد، فإن هذه الرؤية الصليبية من أجل الديمقراطية تخاطر بأن تكون دفاعا عن النفس من الناحية الاستراتيجية. ففي الخارج لا يمكن ببساطة أن تقيم تحالفات غايتها أن تحتوي الصين أو روسيا إن لم تستطع أن تعمل مع بلاد لا تتبنى الليبرالية الأنجلوأمريكية أو الإجرائية الأوروبية. فلا بد من سبيل إلى التعامل البنّاء مع ملوك وحكام عسكريين لهم نماذج سياسية توصف عموما بالشعبوية أو الديمقراطية غير الليبرالية أو الاستبدادية اللينة، ومع قادة من قبيل ناريندا مودي في الهند ورجب طيب أردوجان في تركيا إذا لم تكن راغبا في أن ينتمي العالم إلى استبدادية موسكو الأشد صلابة أو الشمولية التقنية كما نراها في الصين.
والأمر بالمثل على المستوى المحلي، إذ لا يمكن أن تحشد دعما مستداما من الحزبين لاستراتيجية كبيرة موالية للديمقراطية وأنت مستمر في ربط هذه الاستراتيجية بصراعك مع خصومك السياسيين على المستوى المحلي. أو وأنت مستمر في ربطها بقيم لا تنتمي إلا إلى تحالفك السياسي دون غيره. ذلك أن استراتيجية كبيرة تساوي الديمقراطية على نحو اخترالي بالليبرالية الاشتراكية أو التقدمية لن تحظى أبدا بالقبول لدى الجمهوريين، وستبقى دائما مرهونة بالدورة الانتخابية التالية.
وهذه النقطة الأخيرة حاسمة من أجل فهم التحدي العالمي الذي تواجهه أمريكا. فقد يحلو لبعض الليبراليين الصقور أن يعتقدوا بأن تحدي معاداة الليبرالية هو في المقام الأساسي تحدي أنظمة حكم مفروضة على شعوب رافضة، وأن النخب في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا اوسطى محابية لروسيا والصين لأنها تريد أن تحاكي نمطها القاسي في الحكم لكن سكان هذه البلاد سينتقلون فورا إلى المعسكر الليبرالي فور أن ينزاح الحذاء العسكري عن رقابهم.
يجب أن يثير تقرير معهد بينيت الشك حول هذا الافتراض. فهو لا يبين فقط أن الرأي العام غير الغربي محاب للصين وروسيا، ولكنه يقدم دليلا على اختلاف في القيم الأساسية، وهو ليس اختلافا في القيادة السياسية أو المصالح المتصورة وحسب، وأن هذا الاختلاف هو الذي يقود إلى انفصال بين البلاد الديمقراطية المتقدمة والعالم النامي.
وهنا يظهر الرسم البياني الأكثر إثارة في التقرير: إذ يبين فيه مؤشر للقيم الليبرالية المجتمعية (يقيس العلمانية، والفردية والأفكار التقدمية تجاه الجنس والمخدرات والحرية الشخصية) على مستوى العالم خلال السنوات الثلاثين الماضية. وما يكشفه الرسم البياني هو أن البلاد الديمقراطية ذات الدخول المرتفعة أصبحت على نحو مطرد أكثر ليبرالية منذ سقوط سور برلين. لكن لا يكاد يوجد أي تغيير في قيم بقية العالم، وما من إشارة إلى أن الليبرالية الاجتماعية تسيطر خارج البلاد التي كانت قوية فيها أصلا سنة 1990.
وهذا يخلق تحديا لكل من يعتزم تنظيم سياسة الولايات المتحدة الخارجية على أساس القيم التقدمية الراهنة. فربما يكون بوسعكم توحيد أقرب حلفائنا، أي جوهر العالم الليبرالي المؤلف من البلاد الثرية الشائخة، حول مثل تلك الرؤية الأيديولوجية. ولكن ثمة مخاطرة حقيقية متزايدة بتنفير الباقين جميعا.
روث دوثات كاتب عمود رأي في صحيفة نيويورك تايمز.
«خدمة نيويورك تايمز»
في الخريف الماضي، وبعد 8 أشهر على الفوضى العالمية الجديدة التي تسبب فيها غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا، أصدر معهد بينيت للسياسة العامة في جامعة كمبريدج تقريرا طويلا حول اتجاهات في الرأي العام العالمي قبل اندلاع الحرب وبعده.
ليس بغريب أن أظهرت البيانات أن الصراع غيَّر الوجدان العام في البلاد الديمقراطية في شرق آسيا وأوروبا، مثلما في الولايات المتحدة، موحِّدا المواطنين ضد كل من روسيا والصين ومغيِّرا الرأي العام ليتحول إلى اتجاه أكثر موالاة لأمريكا.
لكن خارج الكتلة الديمقراطية، اختلفت الاتجاهات اختلافا شديدا. فعلى مدار عقد قبل حرب أوكرانيا، كان الرأي العام في «نطاق شاسع من البلاد يمتد من أوروآسيا إلى شمال وغرب أفريقيا» ـ على حد تعبير التقرير ـ قد أصبح أكثر محاباة لروسيا وإن أصبح الرأي العام الغربي أشد معاداة. وبالمثل، انقلبت شعوب أوروبا والعالم الأنجلوفوني وبلاد المحيط الهادي الديمقراطية من قبيل اليابان وكوريا الجنوبية على الصين حتى قبل كوفيد 19، ولكن الصين باتت تعد أكثر قبولا في الشرق الأوسط، وأفريقيا ما دون الصحراء وآسيا الوسطى.
غيّرت حرب بوتين في أوكرانيا هذه الاتجاهات في الهوامش فقط. أصبحت روسيا أقل شعبية في 2022، لكن الرأي العام في العالم النامي إجمالا بعد الغزو كان لم يزل أدفأ قليلا تجاه روسيا منه تجاه الولايات المتحدة، و(للمرة الأولى) أصبح أدفأ تجاه الصين منه تجاه أمريكا أيضا. إلى حد أن صراع أوكرانيا أنذر بصراع جيوسياسي جديد بين «التحالف البحري للديمقراطيات» بقيادة الولايات المتحدة، على حد وصف التقرير، وتحالف مؤلف من أنظمة الحكم الاستبدادية راسخ في أوروآسيا، وبدا أن التحالف الاستبدادي لديه احتياطيات عميقة عمقا مفاجئا من الدعم الشعبي المحتمل.
صدقت هذه القراءة للمشهد الجيوسياسي في الشهور المنصرمة منذ صدوره. ففي خارج أوروبا والعالم الأنجلوفوني، لم تلق جهود عزل الاقتصاد الروسي دعما مستداما يذكر، وكذلك جهود العزل الدبلوماسي.
فقوات روسيا المسلحة نشطة في عموم أفريقيا. وموسكو تجد مشترين للطاقة من جنوب آسيا وحتى أمريكا اللاتينية. كما أن نظام بوتين قد عقد للتو مؤتمر سلام مع سوريا وتركيا وإيران، على أمل إحلال الاستقرار على وضعه في سوريا مع تهميش الولايات المتحدة وحلفائها الأكراد. وتشير الوثائق المسرَّبة من المخابرات الأمريكية إلى أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قد أجاز أخيرا مبيعات سلاح سرية لروسيا، برغم وضع بلاده كحليف لأمريكا.
إجمالا، وفقا لمسح أجرته إكونوميست إنتليجنس، فثمة خارج التحالف الغربي نزيف بطيء لدعم أوكرانيا: إذ تناقص قليلا عدد البلاد التي تدين الغزو الروسي على مدار العام الماضي، في حين أن عدد البلاد المحايدة والداعمة لروسيا قد ارتفع. واللاعزلة الروسية المتنامية يضاهيها نفوذ دبلوماسي واقتصادي متنام لحليفتها الصين التي تلعب دورا حاسما بوصفها صانعة للسلام ووسيطا بين القوى في الشرق الأوسط، مع شراكة لها مرة أخرى من حلفاء رسميين للولايات المتحدة من قبيل المملكة العربية السعودية.
ليس واضحا إن كانت إدارة بايدن تمتلك استراتيجية كبرى للتعامل مع هذا الواقع. ففي حين أن البيت الأبيض يقاوم بعض دعاوى الصقور لتصعيد المجازفة تجاه موسكو، فإنه يميل إلى قبول تصوير الصقور لمشهد جيوسياسي متزايد الانقسام بين الديمقراطية والليبرالية من ناحية والاستبدادية والطغيان. (وانظروا على سبيل المثال إلى قمة بايدن الأخيرة للديمقراطية التي استبعدت عامدة اثنين من حلفاء الناتو هما المجر وتركيا لأنهما يعدان مثالين مثيرين للقلق للتراجع عن الديمقراطية).
مثلما قال وولتر راسل ميد في وول ستريت جورنال فإن هذا الإطار يعبر بدرجة ما تعبيرا واضحا عن الواقع الدولي. كما أنه يلائم رسالة بايدن السياسية المحلية التي تخلط بين «النضال الدولي من أجل الديمقراطية الليبرالية» و«النضال الداخلي ضد شعبوية الحزب الجمهوري».
لكن مثلما ذهب ميد، فإن هذه الرؤية الصليبية من أجل الديمقراطية تخاطر بأن تكون دفاعا عن النفس من الناحية الاستراتيجية. ففي الخارج لا يمكن ببساطة أن تقيم تحالفات غايتها أن تحتوي الصين أو روسيا إن لم تستطع أن تعمل مع بلاد لا تتبنى الليبرالية الأنجلوأمريكية أو الإجرائية الأوروبية. فلا بد من سبيل إلى التعامل البنّاء مع ملوك وحكام عسكريين لهم نماذج سياسية توصف عموما بالشعبوية أو الديمقراطية غير الليبرالية أو الاستبدادية اللينة، ومع قادة من قبيل ناريندا مودي في الهند ورجب طيب أردوجان في تركيا إذا لم تكن راغبا في أن ينتمي العالم إلى استبدادية موسكو الأشد صلابة أو الشمولية التقنية كما نراها في الصين.
والأمر بالمثل على المستوى المحلي، إذ لا يمكن أن تحشد دعما مستداما من الحزبين لاستراتيجية كبيرة موالية للديمقراطية وأنت مستمر في ربط هذه الاستراتيجية بصراعك مع خصومك السياسيين على المستوى المحلي. أو وأنت مستمر في ربطها بقيم لا تنتمي إلا إلى تحالفك السياسي دون غيره. ذلك أن استراتيجية كبيرة تساوي الديمقراطية على نحو اخترالي بالليبرالية الاشتراكية أو التقدمية لن تحظى أبدا بالقبول لدى الجمهوريين، وستبقى دائما مرهونة بالدورة الانتخابية التالية.
وهذه النقطة الأخيرة حاسمة من أجل فهم التحدي العالمي الذي تواجهه أمريكا. فقد يحلو لبعض الليبراليين الصقور أن يعتقدوا بأن تحدي معاداة الليبرالية هو في المقام الأساسي تحدي أنظمة حكم مفروضة على شعوب رافضة، وأن النخب في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا اوسطى محابية لروسيا والصين لأنها تريد أن تحاكي نمطها القاسي في الحكم لكن سكان هذه البلاد سينتقلون فورا إلى المعسكر الليبرالي فور أن ينزاح الحذاء العسكري عن رقابهم.
يجب أن يثير تقرير معهد بينيت الشك حول هذا الافتراض. فهو لا يبين فقط أن الرأي العام غير الغربي محاب للصين وروسيا، ولكنه يقدم دليلا على اختلاف في القيم الأساسية، وهو ليس اختلافا في القيادة السياسية أو المصالح المتصورة وحسب، وأن هذا الاختلاف هو الذي يقود إلى انفصال بين البلاد الديمقراطية المتقدمة والعالم النامي.
وهنا يظهر الرسم البياني الأكثر إثارة في التقرير: إذ يبين فيه مؤشر للقيم الليبرالية المجتمعية (يقيس العلمانية، والفردية والأفكار التقدمية تجاه الجنس والمخدرات والحرية الشخصية) على مستوى العالم خلال السنوات الثلاثين الماضية. وما يكشفه الرسم البياني هو أن البلاد الديمقراطية ذات الدخول المرتفعة أصبحت على نحو مطرد أكثر ليبرالية منذ سقوط سور برلين. لكن لا يكاد يوجد أي تغيير في قيم بقية العالم، وما من إشارة إلى أن الليبرالية الاجتماعية تسيطر خارج البلاد التي كانت قوية فيها أصلا سنة 1990.
وهذا يخلق تحديا لكل من يعتزم تنظيم سياسة الولايات المتحدة الخارجية على أساس القيم التقدمية الراهنة. فربما يكون بوسعكم توحيد أقرب حلفائنا، أي جوهر العالم الليبرالي المؤلف من البلاد الثرية الشائخة، حول مثل تلك الرؤية الأيديولوجية. ولكن ثمة مخاطرة حقيقية متزايدة بتنفير الباقين جميعا.
روث دوثات كاتب عمود رأي في صحيفة نيويورك تايمز.
«خدمة نيويورك تايمز»