الكثير من الأمور التي نختلف عليها منطقية للغاية كوننا نختلف في التفكير والإيمان والتوجهات والنشأة والبيئة التي احتضنت تفاصيل حياتنا منذ الصغر.
كانت بدايات النهضة المباركة في عام 1970م هي البدايات الحقيقية لمعرفة الناس بعضها ببعض بشكل أكبر وأوضح، فشبكة الطرق التي حرص على إنشائها السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه لربط المدن العمانية بمسارات سهلة الوصول بواسطة وسائل النقل المختلفة التي بدأت تنتشر بين الناس أكبر سبب لتلاحمنا وتقديرنا لاختلافاتنا، بل كانت السبب الكبير في تزاوجنا من عدة مناطق مختلفة وبكل سهولة مما زاد من اللحمة الوطنية بين الجميع.
في السابق عاش آلاف البشر فقط في محيط قراهم ورحلوا عن الدنيا دون أن يمكنهم القدر من الاختلاط بالبيئات الأخرى التي تبعد عنهم مئات الكيلو مترات من شمال سلطنة عمان إلى جنوبها، رحلوا وهم متمسكون بقوة ومؤمنون بما يملكونه من أفكار وعادات وتقاليد تتعلق ببيئتهم وتربيتهم لدرجة تجعلهم يستهجنون المختلف وعدم تفهم ظروف ذلك الاختلاف.
لنتخيل الآن سويا كيف أن سهولة انتقال أهل الداخلية إلى محافظات السلطنة كمسندم والشرقية والباطنة وظفار والبريمي والعكس صحيح لأول مرة أظهرت صدمة الكثير لاختلاف من يشاهدونه في الوطن الواحد، فعمان لديها تنوع جغرافي وسكاني ثري وبالتالي تنوع في الكثير من العادات والتقاليد والأفكار.
فكلما سافرت وخالطت الأهالي في تلك المدن والقرى كلما وجدت نفسك مجبرا على تقدير الاختلاف واحترامه لأنه يفرض نفسه على كل عاقل.
لقد تمكنت بسبب التحضير لأحد الأفلام الوثائقية من زيارة مدينة بركاء ومحاولة معرفة العادات والتقاليد المتعلقة بالأهالي هناك وكنت أركز على بعض المسابقات الشعبية التي تعمل عليها مجموعة كبيرة من كبار السن وشباب القرية، فقد أدهشني جدا بأن لديهم مسابقات خاصة بالمنجور، والمنجور عبارة عن قطعة خشبية مدورة يصنعها الأهالي لمحاولة تسهيل إخراج المياه من الآبار بعدما يتم تعليقه فوق البئر ووصله بحبال في خشبتين عملاقتين وكأنهما منجنيق قديم، ويتم وصل هذه القطعة الخشبية بثور عملاق عن طريق الحبال لجر المياه وإخراجها من البئر مصدرا أصواتا غريبة جميلة.
كنت في البداية مستهجنا مستغربا من هكذا مسابقات لتسلية بعض الأهالي في تلك القرية كوني نشأت في بيئة لا توجد فيها أبدا هذه العادة، فقررت زيارتهم وبدأت بأشهر شخص لديه أغلى منجور في الحارة، وحينما زرته وجدته كبير السن مبتسما مقبلا على الحياة بكل فرح، ومعه مجموعة كبيرة من الأشرطة السمعية، فسألته عنها مستفسرا لماذا تملأ المجلس، فقال هذه جميعها لأصوات المنجور التي أحبها وأحب أن أسمعها في وقت فراغي وفي تجوالي بمركبتي المتواضعة!
طبعا كنت مذهولا وقتها ولكنني تعلمت تماما وأنا أرى الشغف في قلب ذلك الرجل أن أحترم هوايته دون أن أظهر أي نوع من التقليل اتجاه ما يحب، وقد أخبروني هو ومجموعة من الجيران الذين يشاركونه الهواية نفسها بأن هذه المسابقة لا تتم إلا في منتصف الليل وفي منطقة المزارع البعيدة عن صخب الحياة وضوضائها لوجود حكم خاص يحدد أي منجور هو الأفضل في تلك الليلة بعد أن يستمع لأصواتها!
وبالفعل ذهبت إليهم برفقة فريق العمل وإذا بمجموعة كبيرة من كبار السن والشباب أمام ثلاث حفر عملاقة لتجسيد الآبار منصوبة حولها أعمدة المنجور بوجود مجموعة من الشباب يحاولون جر المنجور كل على حدة في مسابقتهم تلك ليصدر صوته الرنان للحاضرين وذلك الحكم المعزول عنهم بمسافة لضمان عدالة حكمه.
كان المشهد وقتها خليطا من برد شديد وسكون ليل مظلم يشقه ضوء القمر، وبعض الخيم المتناثرة وابتسامات المتسابقين وحماسهم حتى قرب الفجر، كل تلك المشاهد جعلتني أدرك كمثال بسيط أهمية عدم التقليل من محبة وشغف الآخرين، وهذا ما ستتعلمه أيضا في بيتك اتجاه أبنائك كل حسب تطلعاته التي تختلف كليا عن أحلامك، وكذلك هذا ما ستتعلمه كثيرا اتجاه اختلاف مجتمعك في بعض مناسباته كاللغط القائم في كل عام تجاه القرنقشوه والتهلولة المباركة.
في اليوم التالي ذهبت إلى اجتماعات الأفراد بذات المكان لتحديد التنافس في مسابقة أخرى وهي مصارعة الثيران التي يقال بأن البرتغاليين أخذوها من عمان لينقلوها إليهم وللإسبان حد تعبير بعض كبار السن، وهناك وجدت الكثير من الناس يحبونها لدرجة أن حلباتها تستقطب في بعض الأحيان آلاف المتفرجين الذين يجتمعون على جنبات تلك الحلبات التقليدية!
حينما اقتربت منهم وجدت أن لهم قواعدهم وقوانينهم الخاصة باللعبة، ويجتمعون في مجالس يتناوبون عليها أو يثبتون على مجلس واحد لتقسيم مجموعات المتصارعين وتحديد معلق الحلبة الذي يجيد تنميق الكلمات بطريقة رائعة للغاية وبشكل مستغرب بالنسبة لي في ذات الوقت كون الكثير منا يراها هزيلة المعنى، ولكن هي لآلاف البشر هناك مهمة للغاية لدرجة أنك تجد ملاك الثيران يشترونها بالآلاف ويخصصون لها مزارع مزودة بأجود الأعلاف والعسل، بل يطبخون لها أطعمة خاصة لتقويتها في عالم لا يشبه الحارة التي خرجت منها، لذا قلت في نفسي بأن تنظيمها واستثمارها سياحيا بقواعد صارمة من أجل سلامة الثيران المتصارعة أفضل من تهميشها أو منعها كليا كمنع وجود القرون المسنونة عليها وتصبح المسابقة في حلبات مطورة كالحلبات الرومانية وتتم في دقائق معدودة بالأقوى في التدافع فقط دون أي عنف مؤذٍ بينها!
ما أود أن أقوله إنه يجب أن نقترب من بعضنا أكثر، فكلما كان اقترابنا أكبر كان تقدير الاختلاف بيننا بالاحترام أجمل، ذلك الاختلاف الذي لا يحط من الأخلاق السامية التي نجتمع عليها جميعا أبد الدهر.
نصر البوسعيدي كاتب عماني
كانت بدايات النهضة المباركة في عام 1970م هي البدايات الحقيقية لمعرفة الناس بعضها ببعض بشكل أكبر وأوضح، فشبكة الطرق التي حرص على إنشائها السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه لربط المدن العمانية بمسارات سهلة الوصول بواسطة وسائل النقل المختلفة التي بدأت تنتشر بين الناس أكبر سبب لتلاحمنا وتقديرنا لاختلافاتنا، بل كانت السبب الكبير في تزاوجنا من عدة مناطق مختلفة وبكل سهولة مما زاد من اللحمة الوطنية بين الجميع.
في السابق عاش آلاف البشر فقط في محيط قراهم ورحلوا عن الدنيا دون أن يمكنهم القدر من الاختلاط بالبيئات الأخرى التي تبعد عنهم مئات الكيلو مترات من شمال سلطنة عمان إلى جنوبها، رحلوا وهم متمسكون بقوة ومؤمنون بما يملكونه من أفكار وعادات وتقاليد تتعلق ببيئتهم وتربيتهم لدرجة تجعلهم يستهجنون المختلف وعدم تفهم ظروف ذلك الاختلاف.
لنتخيل الآن سويا كيف أن سهولة انتقال أهل الداخلية إلى محافظات السلطنة كمسندم والشرقية والباطنة وظفار والبريمي والعكس صحيح لأول مرة أظهرت صدمة الكثير لاختلاف من يشاهدونه في الوطن الواحد، فعمان لديها تنوع جغرافي وسكاني ثري وبالتالي تنوع في الكثير من العادات والتقاليد والأفكار.
فكلما سافرت وخالطت الأهالي في تلك المدن والقرى كلما وجدت نفسك مجبرا على تقدير الاختلاف واحترامه لأنه يفرض نفسه على كل عاقل.
لقد تمكنت بسبب التحضير لأحد الأفلام الوثائقية من زيارة مدينة بركاء ومحاولة معرفة العادات والتقاليد المتعلقة بالأهالي هناك وكنت أركز على بعض المسابقات الشعبية التي تعمل عليها مجموعة كبيرة من كبار السن وشباب القرية، فقد أدهشني جدا بأن لديهم مسابقات خاصة بالمنجور، والمنجور عبارة عن قطعة خشبية مدورة يصنعها الأهالي لمحاولة تسهيل إخراج المياه من الآبار بعدما يتم تعليقه فوق البئر ووصله بحبال في خشبتين عملاقتين وكأنهما منجنيق قديم، ويتم وصل هذه القطعة الخشبية بثور عملاق عن طريق الحبال لجر المياه وإخراجها من البئر مصدرا أصواتا غريبة جميلة.
كنت في البداية مستهجنا مستغربا من هكذا مسابقات لتسلية بعض الأهالي في تلك القرية كوني نشأت في بيئة لا توجد فيها أبدا هذه العادة، فقررت زيارتهم وبدأت بأشهر شخص لديه أغلى منجور في الحارة، وحينما زرته وجدته كبير السن مبتسما مقبلا على الحياة بكل فرح، ومعه مجموعة كبيرة من الأشرطة السمعية، فسألته عنها مستفسرا لماذا تملأ المجلس، فقال هذه جميعها لأصوات المنجور التي أحبها وأحب أن أسمعها في وقت فراغي وفي تجوالي بمركبتي المتواضعة!
طبعا كنت مذهولا وقتها ولكنني تعلمت تماما وأنا أرى الشغف في قلب ذلك الرجل أن أحترم هوايته دون أن أظهر أي نوع من التقليل اتجاه ما يحب، وقد أخبروني هو ومجموعة من الجيران الذين يشاركونه الهواية نفسها بأن هذه المسابقة لا تتم إلا في منتصف الليل وفي منطقة المزارع البعيدة عن صخب الحياة وضوضائها لوجود حكم خاص يحدد أي منجور هو الأفضل في تلك الليلة بعد أن يستمع لأصواتها!
وبالفعل ذهبت إليهم برفقة فريق العمل وإذا بمجموعة كبيرة من كبار السن والشباب أمام ثلاث حفر عملاقة لتجسيد الآبار منصوبة حولها أعمدة المنجور بوجود مجموعة من الشباب يحاولون جر المنجور كل على حدة في مسابقتهم تلك ليصدر صوته الرنان للحاضرين وذلك الحكم المعزول عنهم بمسافة لضمان عدالة حكمه.
كان المشهد وقتها خليطا من برد شديد وسكون ليل مظلم يشقه ضوء القمر، وبعض الخيم المتناثرة وابتسامات المتسابقين وحماسهم حتى قرب الفجر، كل تلك المشاهد جعلتني أدرك كمثال بسيط أهمية عدم التقليل من محبة وشغف الآخرين، وهذا ما ستتعلمه أيضا في بيتك اتجاه أبنائك كل حسب تطلعاته التي تختلف كليا عن أحلامك، وكذلك هذا ما ستتعلمه كثيرا اتجاه اختلاف مجتمعك في بعض مناسباته كاللغط القائم في كل عام تجاه القرنقشوه والتهلولة المباركة.
في اليوم التالي ذهبت إلى اجتماعات الأفراد بذات المكان لتحديد التنافس في مسابقة أخرى وهي مصارعة الثيران التي يقال بأن البرتغاليين أخذوها من عمان لينقلوها إليهم وللإسبان حد تعبير بعض كبار السن، وهناك وجدت الكثير من الناس يحبونها لدرجة أن حلباتها تستقطب في بعض الأحيان آلاف المتفرجين الذين يجتمعون على جنبات تلك الحلبات التقليدية!
حينما اقتربت منهم وجدت أن لهم قواعدهم وقوانينهم الخاصة باللعبة، ويجتمعون في مجالس يتناوبون عليها أو يثبتون على مجلس واحد لتقسيم مجموعات المتصارعين وتحديد معلق الحلبة الذي يجيد تنميق الكلمات بطريقة رائعة للغاية وبشكل مستغرب بالنسبة لي في ذات الوقت كون الكثير منا يراها هزيلة المعنى، ولكن هي لآلاف البشر هناك مهمة للغاية لدرجة أنك تجد ملاك الثيران يشترونها بالآلاف ويخصصون لها مزارع مزودة بأجود الأعلاف والعسل، بل يطبخون لها أطعمة خاصة لتقويتها في عالم لا يشبه الحارة التي خرجت منها، لذا قلت في نفسي بأن تنظيمها واستثمارها سياحيا بقواعد صارمة من أجل سلامة الثيران المتصارعة أفضل من تهميشها أو منعها كليا كمنع وجود القرون المسنونة عليها وتصبح المسابقة في حلبات مطورة كالحلبات الرومانية وتتم في دقائق معدودة بالأقوى في التدافع فقط دون أي عنف مؤذٍ بينها!
ما أود أن أقوله إنه يجب أن نقترب من بعضنا أكثر، فكلما كان اقترابنا أكبر كان تقدير الاختلاف بيننا بالاحترام أجمل، ذلك الاختلاف الذي لا يحط من الأخلاق السامية التي نجتمع عليها جميعا أبد الدهر.
نصر البوسعيدي كاتب عماني