المعلومات المتوفرة عن شخصية العوتبي قليلة جدا والتراجم لها لا تعطي عنها معلومات موسعة هذا رغم أهمية الكاتب لكونه من كبار العلماء العمانيين، يقول عبدالرحمن السالمي: إن هناك شخصيتين حملتا نفس الاسم، وهما: أبو المنذر سلمة بن مسلم، وأبو إبراهيم سلمة بن مسلم، وصاحب كتاب الأنساب هو أبو المنذر سلمة بن مسلم بن أبي إبراهيم، سلمة (صاحب مصنف الضياء) بن مسلم بن عيسى بن سلمة، ومسلم بن عيسى كان مع أخيه أحمد بن عيسى بن سلمة متورطا في معركة الروضة 278هـ/887م، ولحسن الحظ احتفظ لنا ابن مداد بالسلسلة العلمية في معرفة الإسناد في حمل العلم لأبي المنذر التي توضح لنا ما يلي:«أبو المنذر سلمة بن مسلم حمل العلم عن أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش، وحمل سعيد بن قريش العلم عن محمد بن مختار، ومحمد بن مختار عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي البسياني (البسيوي)، والبسياني حمل العلم عن الشيخ محمد بن أبي الحسن، وعن أبي عبدالله محمد بن بركة». فسلسلة الإسناد العلمي عند أبي المنذر تسهل علينا الجزم بأنه كان من علماء المدرسة الرستاقية فشيوخه تلامذة العلامة البسيوي أحد أعمدة المدرسة الرستاقية لتتصل من بعد بالعلامة الأصولي ابن بركة. كانت ولادته ونشأته الأولى في مدينة صحار أو في قرية عوتب ثم هاجر لتلقي العلم إلى نزوى، حيث إن شيخه أبا علي الحسن بن سعيد بن قريش شغل منصب القضاء للإمامين الخليل بن شاذان وراشد بن سعيد. وكما يتضح أنه اتصل بشيخه وهو صغير أي قبل بلوغه الثالثة عشرة من عمره. عاصر العلامة الكندي صاحب بيان الشرع (ت 508/ 1115) بداية حياة العلامة الأصولي أبي بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي (ت 557/ 1171)، والكندي قد جعل من الضياء أحد مصادره، ولذا فإن مؤلف الضياء عاش قبل العلامة الكندي أو أنه على الأقل ليس من معاصريه، ونعتقد أن الإشارات إلى العوتبي في القرن 4/ 10 إنما ترجع إلى أبي إبراهيم العوتبي لا إلى أبي المنذر، والأقرب إلى الصواب أن أبا إبراهيم عاش في منتصف القرن 4/ 10، كما عاصر العوتبي إعادة إحياء الإمامة في عمان، وهي الفترة التي شهدت صراعات متعددة شهدتها عمان، صاحبت نشأة أبي المنذر العوتبي، فهو على ما يبدو قد عاصر في نشأته حكم الإمامين حفص بن راشد، وراشد بن علي الذي شهد فيه ازدياد التمزق العسكري العماني وازدياد الصراع حول السلطة والحروب الداخلية.

وكما يتبين أنه بعد تلقيه العلوم في نزوى رجع إلى مدينة صحار وقد تجاوز العشرين من عمره. وكانت صحار عاصمة الإقليم الساحلي ومحط تجمعات عرقية. وتحت هذه القائمة من الصراعات السياسية التي حملت معها أيضا الصراعات العقائدية برز العوتبي في هذا الصراع كأحد علماء الكلام في عصره وعلماء المذهب الإباضي. كما قام بدور المرجع الديني في منطقة الساحل محاولا النهوض بمجتمعه أمام هذه الصراعات السياسية والدينية والثبات أمام هذه القوى الخارجية. ولمكانة عائلته كان القاضي على الإقليم الساحلي برغم أن الساحل كان تحت القوى الأجنبية وهي مهمة قد يكون أسندت إلى جده من قبل أبي إبراهيم العوتبي.

في الوقت نفسه كان مجتمع العوتبي مختلفا تماما عن المجتمع القبلي في داخلية عمان، حيث إنه تبنى موقفا أكثر تطورا ليكون مدرسة متميزة منعزلا عن الصراعات السياسية الدينية القائمة بين القبائل والأئمة والعلماء، وهذه الصراعات انغمس فيها الكثير من ذوي الرأي والعلم. لذا، فإننا من خلال التقصي للكتابات التاريخية لا نجد للعوتبي ذكرا في تلك الصراعات. وحين بلغ الصراع الداخلي حدته بين الرستاقية والنزوانية كان هو يحاول إيجاد صيغة لتفهم وشرح الجوانب العقائدية بآراء حديثة بالرغم من أن تكوينه الأولي كان على أيدي شيوخ المدرسة الرستاقية. وكانت محاولته عدم الزعزعة في هذا النطاق الواسع من النزاعات السياسية والعقائدية كانت تلك خطوة أولى ليبدأ معها مرحلة التصنيف والإبداع في مؤلفاته «الإبانة في اللغة»، و«الإمامة»، و«الأنساب». ومن أهم المصادر التي وصلتنا عن العوتبي، والتي توضح ارتباطه بالقضايا العقائدية خارج الحدود العمانية وإقامته لعلاقات خارجية على أسس مرجعية دينية هي سيرته للأخوين الكلويين علي بن علي والحسن بن علي. فالعمل الإصلاحي للعوتبي الذي نهض به، يبين أنه كان رجلا موسوعيا وعالما بفنون شتى كعلم الكلام، والفقه، واللغة، والأدب، والأنساب، والتاريخ. لكن دوره الإصلاحي في تلك الفترة جعله في طليعة العلماء الإصلاحيين الذين لم يرضخوا للواقع بل حاولوا فهمه برؤية أكثر ديناميكية، ولذا فقد كان مرجعا في القضايا الدينية حتى خارج عمان لكونه أكثر العلماء اتصالا خارج حدود عمان.

ويتضح أن وفاته كانت مع بداية القرن 6/ 12، وكذلك سيرته لأهل كلوه وهو بالتقريب ما بين 511-512هـ / 1117-1118، وهذا يجعلنا نجزم أن سلمة بن مسلم العوتبي الذي عاش في القرن 4/ 10 وتوفي في القرن 5/11 هو أبو إبراهيم مؤلف الضياء وليس أبو المنذر العوتبي.

أما معجم الإبانة فهو مصنف ضخم يضم في ثناياه ثروة لغوية وصرفية وصوتية ثمينة، كما يضم ألوانا من علوم العربية والتفسير والحديث، وهي متناثرة في ثناياها، وتشهد لهذا العالم العماني بسعة الإحاطة، وغزارة العلم، والقدرة على التصنيف والترجيح والاجتهاد. والإبانة بمعنى الظهور والوضوح، من قولهم: ان الصبح إذا ظهر ضياؤه. وصدر الكتاب في أربعة مجلدات، وذكر المؤلف غايته من تأليف الكتاب حيث يقول: «ولقد ألفت هذا الكتاب في أصول اللغة، وذكرت أحرفا من دخيل غيرها فيها، وفسَّرت شيئا من الكلام الجاري على ألسنتهم، لا يعرف معناه، ولا يقف على فحواه دون الغريب، الذي لا يتكلمه إلا متفيقه، ولا يتكلفه إلا متعمق، ولا يحسن أن يؤتى به إلا في الشعر والخطب. ومن اللائق بهذا الكتاب وصفه بأنه موسوعة لغوية ضخمة، أقامها سلمة بن مسلم العوتبي على أساس مسائل وقضايا لغوية، فتحدث عن معنى الإبانة في اللغة، ثم أقام بابا على اللسان والفصاحة والبيان، وأقام فصلا في اللحن، وتحدث عن أول من تكلم العربية، وأول من عمل النحو، وعرض لعلماء عمان، وأقام بابا في وجوه الكلام، كالتساوي والاستعارة والسجع والتصحيف والرمز والمبالغة وغيره، وأفرد بابا تحدث فيه بالتفصيل عن الصرف وأبنيته في كلام العرب، وأقام فصلا فيما ليس من كلام العرب، وأفرد بابا في الحروف ومخارجها، وفصلا في الدخيل والمعرَّب، وأقام بابا في وجوه اللغة، كالحقيقة والمجاز، والأضداد وغيرها، والاتباع والإشمام والإبدال، والإعلال، والمقلوب والتوكيد، والجوار، والأضداد، وغيرها، وتحدث عن الحروف المقطعة في القرآن الكريم، وأفرد بابا تناول فيه حروف المعاني، ومعانيها وتبادلاتها، وأقام فصلا في توسعات العرب، وتسمية الأشياء، ولغات العرب وخصائص العربية، وغيرها مما طرحه العوتبي، وضمنه موسوعته الرائعة «الإبانة». ورتب المؤلف مسائل كتابه على حروف المعجم، ونجده يستطرد في بعض المسائل، ويوجز في مسائل أخرى، ويضم في ثناياه طرائف أدبية وأقوالا للحكماء والبلغاء، وشواهد شعرية. وقد اعتمد على مصادر كثيرة من أمهات كتب العربية، أبرزها مصنفات ابن قتيبة، وكتاب العين للخليل الفراهيدي، وكتب المبرد، والجاحظ، وكتاب الزاهر في معاني كلمات الناس للأنباري، وكتاب غريب الحديث وكتاب سيبويه، وكتب ابن جني، وبعض كتب التفاسير ودواوين الشعر العربي، وغيرها من المصادر التي على ما يبدو أنها كانت في حوزته وتحت يده. وإنَّ من الضروريّ الإشارة إلى أنَّ العوتبيّ في تأليفه لكتاب الإبانة كان يستجيب للنموذج الذي احتذاه في بناء كتابه، وهو فيما يبدو كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، وكتاب الكامل في اللغة والأدب للمبرِّد؛ لأنَّه وإن اختار لنفسه خصوصيّة في كتابه بالتركيز على الجانب اللغوي الدلالي إلا أنه كان يدرك أنه يبني كتابا متنوعا في طرحه الأدبي واللغوي من جهة، وفي توجهه لغير المتخصصين من دارسي العربية، وهذا يقتضي من العوتبي أن ينوع من أساليبه في طرح الأفكار بما يجذب الناس إلى مطالعة كتابه، من هنا كانت الطرفة والنادرة إلى جانب الأمثال وعبارات الزهد، بل وبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقصص والأخبار التي تبقي القارئ على صلة وشيجة بهذا الكتاب.

ولعل من المفيد هنا أن نسجل حقيقة علمية مؤداها أنّ كتاب الإبانة لم يأخذ مكانه بين أمهات كتب التراث الأدبي واللغوي في العربية، لأنّ الزمان قد طواه عن الناس مدة طويلة، ولو كتب له الانتشار لكان له، ولمؤلفه شأن آخر.

ومن كتاب الإبانة نختار هذا النص الذي جاء تحت عنوان (باب اللسان والفصاحة والبيان) حيث يقول العوتبي:

«ورجل لسن: بيّن اللسن. وقوم لُسن: ذوو لسان، واللسن المصدر. واللسن بتحريك السين، طول اللسان، واللسن بكسر اللام: اللغة. يقال: لكل قوم لسن: أي لغة.

ويقال للرجل المنبسط اللسان: بسيط، والمرأة بسيطة، والفعل بسط بساطة.

واللسان الرسالة.

وقال الفراء: اللسان بعينه مذكر، فإذا أنث فإنما يراد به الرسالة، قال أعشى باهلة:

إني أتتني لسان لا أسر بها

من علو لا عجب منها ولا سخر

وقال آخر:

ندمت على لسان فات مني

فليت بأنه في جوف عكم

فإذا أريد بذلك الرسالة أو القصيدة من الشعر أنث. وأما اللسان بعينه فلم أسمعه من العرب إلا مذكرا

قال أمية:

فاسمع لسان الله كيف شكوله

تعجب ويلسنك الذي يستشهدُ

لسان الله: كلام الله، شكوله: ضروبه، ويلسنك: يكلمك، ويستشهد بهذا

واللسان الثناء الحسن. قال الله عز وجل: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين»، قيل: ثناء حسنا فيما بعدي».