قبل ظهور «جوجل» بفترة طويلة صدر كتاب الروائي المصري عزت القمحاوي «الأيك»، وهو نصوص مفتوحة يتأمل فيها القمحاوي علاقة الإنسان بحواسه، مستدعيا حكايات وخبرات وقراءات، وسبب الإشارة إلى «جوجل» أنه لم يكن متوفرا للقمحاوي ما يوفره محرك البحث العملاق، واعتمد على أرشيفه الشخصي وخبرته وقراءاته فقط، وكان كتابه أقرب إلى موسوعة صغيرة..استمر عزت القمحاوي في إصدار رواياته وحصل بها على تقدير نقدي كبير، لكنه استمر أيضا، بالتوازي، في إصدار أعمال لا تخضع لتصنيف، كتابة مفتوحة فيها التأمل وروح الحكمة، كتابة تمزج بين السرد والمعلومة والحكاية، وتمنح الإنسان فكرة شديدة الجمال عن حياته، فأصدر «غرفة المسافرين» وهو، كما يبدو من العنوان، عن الولع بالتنقل من مكان إلى مكان، وها هو يصدر كتابه «الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر» عن العلاقة بين الطبخ والكتابة. صار عزت القمحاوي (62 عاما) أنموذجا وأستاذا لتيار الكتابة المفتوحة وشجع زملاء وتلاميذ على كتابة الـ«ننفكشن»، كما شجع دور النشر على إصدارها. هنا حوار معه عن كتابه الجديد.

إذا تحدثتُ بلغتك.. أقول إنك حرصتَ في كتابك «الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر» على طبخ وصفة يملك مقاديرها طاهٍ ماهر، على أن العنصر الوحيد الذي يبدو أنه زاد عن حده في الطبخة هو حجم الإحالات إلى ليالي ألف ليلة وليلة.. لماذا؟

ـ قبل أن أعارضك، سأحكي لك شيئا كان سرا في مطبخي. أنت تعرفني، وتعرف أنني لا أدفع بكتاب للنشر قبل أن يقرأه ثلاثة أو أربعة من الصديقات والأصدقاء متنوعي الاهتمامات وتجمعهم قلة المجاملة. إحداهن كان من رأيها أن أجعل ما كتبته عن «ألف ليلة وليلة» كتابا مستقلا. برأيها أنه أصلي وجديد فيما قرأته عن ألف ليلة وليلة (وهي تقرأ بأكثر من لغة) وسيكون مرجعا مهما عن الليالي إذا ما صار كتابا وحده. فكَّرت في هذا طويلا، ووجدتني ميالا إلى الوفاء لطريقتي في الكتابة التي بلا ضفاف، العابرة للأجناس، بينما لا يقع ضمن اهتماماتي أن يكون كتابي مرجعا أكاديميّا. القراء الآخرون أيدوني، فحافظت على بنية كتابي. لكنني لست معك في زيادة عنصر «ألف ليلة» عن حده في الكتاب؛ فقد أردت هذا بوعي كامل باعتباره المكون الرئيسي في الطبق، يليه نجيب محفوظ، ثم جاءت كتب الآخرين بوصفها مكونات فرعية، بعضها السمن وبعضها البهارات.

أما لماذا هذه الحفاوة بالليالي وبنجيب محفوظ؛ فسببها المعايشة الكاملة لهما على مدار سنوات تبلغ الثمانية الآن. ووجدت أنني شخصيّا مدين لليالي ولنجيب محفوظ باعتذار يجب أن يدوم إلى نهاية عمري. الحساسية الكبيرة جدا في صناعة الخيال في ألف ليلة وليلة تتركك مذهولا: كيف يأتي هذا الإحكام الفني من مؤلفين متعددين أو رواة كانوا يتوخون من وراء روايته والإضافة إليه مجرد المتعة؟! أبسط مثال يمكن أن أسوقه لك: القصة الإطار التي تولدت منها الليالي. الملك الصغير شاه زمان يرى خيانة زوجته فيقتلها ويذهب إلى شقيقه في مملكته الأخرى فيرى خيانة زوجة شقيقه شهريار، فيقول له لنخرج فننظر إن كان هناك من حدث له مثل ما حدث لنا فيقابلان المرأة التي تخون العفريت، وعندما يعودان يأمر شهريار بقتل زوجته، ويبدأ في قتل فتيات المملكة حتى تطوعت شهرزاد ابنة الوزير وأوقعته في حبائل الحكاية.

كم مرة مررنا ومررت أنا شخصيّا بالقصة الإطار دون أن يستوقفني الفرق الدقيق في بناء شخصية الملكين؟! الصغير قتل من فوره وبيده، الكبير قال لأخيه: أريد أن أرى بنفسي، وبعد أن رأى بنفسه تمهل مرة أخرى وأراد أن يرى إن كان هناك من تعرض مثلهما للخيانة، ولم يقل تعال لنرى إن كان هناك أحد من الملوك قد تعرض لما تعرضنا له، بل اعتبر نفسه رجلا كأي رجل، وعندما قرر القتل نجد طبعة برسلاو تقول: نادى وزيره وأمره بأخذ الزوجة وقتلها. وهذه درجة أقل دموية من أن يقتل بيده امرأة شاركته الحياة. إذا دققنا في أية تفصيلة بالليالي نرى حجم المخفي وراءها من المهارة.

بالنسبة لنجيب محفوظ، يدهشني أنه لم يتحدث في حياته عن طبقات نصه، وإلى اليوم تتناوله الدراسات حتى الأجنبية باعتباره كاتبا كغيره لديه حكاية يحكيها وإن بمهارة أو بتشويق أكثر. كان حب التخفي لدى نجيب محفوظ أكبر من أي فضول، فلم يقل: انتبهوا إلى طبقات الفلسفة تحت نصي. وهذا ما يدهشني ويجعلني راغبا في فهم هذه الطبقات لنفسي أولا، ثم أحببت أن أشارك قناعاتي قارئا يحب محفوظ.

ما رأيك لو اعتبرتُك بحسب أنواع الطهاة في الكتاب «طباخ باييا»؟

ـ ربما، كنت طباخ باييا في نصي المتعدي للأنواع منذ «الأيك» حتى اليوم. هناك شيء من كل شيء في هذه الطبخات التي أتمتع فيها بكل الحرية، وأستمتع بلحظات كتابتها، وتظل حتى بعد نشرها قابلة لاستيعاب عنصر جديد في الخلطة، وهذا حدث في «الأيك» الذي صدرت منه ثلاث طبعات وقد زدت فصلا في الطبعة الثانية، ثم تضاعف حجمه في الثالثة.

أظهرتَ نفسَك في إشارات وحكايات، مع الأم في البداية، ومع أصدقاء بمطاعم في برشلونة والقاهرة وغيرهما، وظهرت أيضا في الحديث عن الكاتب المصري محمد البساطي.. إلى أي حد طبَّقت مقولة «تُقاس مهارة الكاتب بقدرته على توزيع روحه بين الأشباح التي يخلقها» أو مقولة «الكاتب ينتحر» على نفسك في هذا الكتاب؟

ـ أصف شخصيات الرواية بأشباح يخلقها الكاتب، وأحاول جاهدا أن أفعل ذلك في رواياتي، وفي يقيني أن الكاتب لا يكتب إلا نفسه، وكل مجهوده أثناء الكتابة أن يخفي هذه الحقيقة. لكن عناصر «الطاهي يقتل» أرواحا حقيقية. البساطي حقيقي وروايته حقيقية، وخبرات طفولتي ثم خبرات سفري حقيقية. وبصرف النظر عن صداقتي الشخصية بالبساطي التي تجعله حاضرا في قلبي وذاكرتي دائما فقد رأيت أن أعود للتذكير بلغط كان قد أثير حول تشابهات متوهمة بين روايته «فردوس» ورواية يوسا «امتداح الخالة». أردت أن أقول: علينا التأني ألف مرة قبل الحديث عن السرقات الأدبية؛ خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأفكار أو بثيمة مركزية مثل ثيمة اشتهاء زوجة الأب في روايتي البساطي ويوسا أو ثيمة اضطجاع العجوز في حضن فتاة كما في روايتي كاواباتا وماركيز. الأفكار على الطرقات والكتابة هي فن الكيف.

هل كلُّ الكتابات العظيمة يمتلك مؤلفوها بتعبيرك «نَفَسا نسائيا»؟

ـ هذا اعتقادي، إذ أرى أن روح الأنوثة هي ما يلزم مهنة الكتابة: الصبر، الحيلة، والتواضع. وإذا أردنا أن نوسع صفات الكاتب؛ فيجب أن نضيف «الكرم». عندما قرأت «حفل متنقل» لإرنست همنجواي أدركت حنان وكرم هذا الكاتب الذي يبدو صعلوكا. وقف شعر رأسي وأنا أقرأ أنه في سنوات تشرده بباريس وصل به الفقر حد ألا يكون في الغرفة التي يسكنها مع زوجته سوى رغيف واحد؛ فيتركه لها ويخرج مدعيّا أن لديه دعوة عشاء لدى بعض أصدقائه!

هل كان في ذهنك أن يصبح كتابُك أقرب إلى موسوعة صغيرة محرِّضة على قراءة الأعمال التي أحلتنا إليها؟

ـ تعرف أنني أومن بالشراكة بين القارئ والكاتب، وهذا الإيمان هو الذي يخلق لديَّ شغف تقاسم ما أتوصل إليه مع آخر لديه الولع ذاته، من هنا يكون الانتقال السريع بين الأفكار إحدى سمات أسلوبي في هذه الكتب. أكون في حال من التقى صديقا لم يره منذ سنوات ويريد أن يتبادل معه الحديث حول كل ما حدث في غيابه، فإن كنت ترى أنني حققت ذلك، فالشكر لك.

أعرف أنك تحب الزراعة والطهو.. هل كان هذا الكتاب حلما مؤجلا منذ الطفولة حيث كنت ترى الأم تشترك باستمرار مع الجارات في الطهو؟

ـ الكتب العابرة للنوع تشبه النخلة، وجذورها المخفية تحت الأرض تساوي طول جذعها. هذه الكتب تنمو جذورها سنوات في روحي وعقلي من التأملات والمعارف قبل أن أشرع في كتابتها ويظهر لها جذع يتسلقه القارئ. حب الطهو -على سبيل المثال- حاضر في حياتي منذ الطفولة، وبدايات الكتابة فيه تجاوزت العقدين. في الأيك المكتوب عام ٢٠٠٠ والمنشور ٢٠٠٢ هناك فصل «مذاق العفة» وأتأمل فيه معاداة المطاعم السريعة للحواس، وعلى موقعي الإلكتروني «الأيك» تجد المقالات المؤسسة لكتاب «الطاهي يقتل الكاتب ينتحر» مثل مقال «بلح البحر بالليلي الأبيض» ومقال «السردين.. ثلاث طرق لكلمة أحبك» وغير ذلك من مقالات لن يضمها كتاب، لكن يمكنك النظر إليها كتجارب توضح تغير استراتيجية الكتابة عبر سبع سنوات حتى خرج الكتاب في هيئته التي ظهر بها.

ترى أن بعض الكتَّاب يرفضون عن وعي وتصميم قتل أنفسهم ومع هذا يبقون كبارا.. ما الذي يميز أعمالهم في تلك الحالة؟

ـ هناك كتاب يمكن أن تقبض على حضورهم في رواياتهم التي يمكن اعتبارها سيرة ذاتية، أبرزهم مارسيل بروست، وجان جينيه، وغيرهما كُثر لا يخفون وجودهم في النص وهذا بحد ذاته قد يتنافى مع ميثاق التخييل الروائي. لكنهم يعوضون هذا الخروج بعطايا أخرى كبيرة. عند بروست تأملاته المطولة في الطبيعة وأحوال البشر وعمارة هذا العمل الممتد الذي جعله على شكل متاهة.

إلى أي حد كان الطعام وسيلتك في فهم شخصيات قابلتها أو مدن زرتها؟

ـ الطعام يتعامل مع عدد من حواسنا أكثر من عدد الحواس التي تتعامل معها اللوحة والنص والموسيقى. نشم الطعام ونتذوق شكله ثم ملمسه ثم طعمه. وهذا كفيل بأن يجعله مهما ومركزيا في خبراتنا وفي موقفنا من الأشخاص والأماكن. الغريب أنني في السفر أركن إلى ما أحببته من المطاعم، لا أهتم كثيرا بعدد الأطباق التي سأجربها مثلما لا أضع في اعتباري تحقيق الأرقام في عدد الأماكن أو المدن التي سأراها في رحلة إلى بلد أو مدينة محددة. أحب بدلا من ذلك أن أعيش بعمق في مكان أحببته، أرى تحولات الشمس وأراقب نوعية البشر العابرين عند ناصية ما على امتداد اليوم. وبهذه الطريقة أعود بانطباعات لا تُمحى، وتتجدد متعتها كلما تذكرت ما عشته وما تناولته في ذلك المكان.

ترى أن ثرثرة ماركيز حول روايته «ذكرى غانياتي الحزينات» هو السبب في اتهامه بانتحال رواية كاوباتا «الجميلات النائمات».. هل تكفي الثرثرة فعلا لتفسير الأمر؟

ـ أكاد أجزم بذلك. هو من أعلن مرارا وتكرارا إعجابه برواية كاواباتا. ولو لم يثر هذه الضجة فإن قلة كانت ستنتبه إلى ما يجمع الروايتين، وهو كونهما علاقة غير متحققة بكاملها بين فتاة صغيرة ورجل مسن. الثيمة ليست لأي منهما. وحسب مقال لماريو فارجاس يوسا، قد يكون كاوباتا استلهمها من التوراة، من واقعة احتضار النبي داود. كلاهما (كاواباتا وماركيز) جمع بين شابة وشيخ، لكن كل ما خلاف ذلك في الروايتين مختلف، وهذا ما تأملته بالتفصيل في الكتاب، من حيث الأسلوب والبناء ونتائج ذلك اللقاء الغرامي الفادح؛ فرأيت أن المسافة بين الروايتين هي المسافة بين مأتم وعرس.

لماذا ترى أن وصفة العجائبي في الأدب ليست مجرد بهارات في الطبخ؟

ـ أقبل بمصطلح «الأدب العجائبي» في حدود أغراض الدرس الأكاديمي، لكن في العمق لا يمكن فصل العجائبي عن الواقعي في الرواية الجيدة، لهذا فالعجائبي ليس نوعا كامل الانفصال ولا هو مجرد رشة بهار. الخيال هو مبرر وجود الأدب، والرواية الجيدة تحمل من العجائبي بقدر ما تحمل من الواقع، لكن هناك رواية تحب أن تواجه العالم بقناع الفنتازيا وأخرى تواجهه بقناع الواقع. لتوضيح هذه النقطة بشكل لا لبس فيه ضع «المسخ» لكافكا في مواجهة «الحرافيش» لنجيب محفوظ، وستجد أن الروايتين تتعلقان بالسلطة والحرية، بالقوة والحق، لكن كافكا أظهر قناع الغرابة. شخص استيقظ فوجد نفسه حشرة، بينما اختار محفوظ قناع الفتوات والحارة الشعبية، ليقول الأشياء ذاتها. وللأسف فقد تصور الكثير من النقاد أن القناع في الحالتين هو وجه حقيقي ووحيد.

قدمت ثلاثة أشكال لأعمال الكيتش لماذا أسقطتَ الرواية البوليسية وأدب الرعب؟

ـ لم أفكر في تقديم كل ألوان الأدب الزائف، وإنما مجرد أمثلة على اتجاه لتصنيع الرواية حسب مقادير جذابة وطبقا للموضة الرائجة في القراءة دون حرارة خاصة لدى الكاتب أو هم حقيقي يريد التعبير عنه فتخرج الرواية بعيدة عن جوهر الأدب بمثل ابتعاد الورود البلاستيكية عن حقيقة الورد. الكتابة البوليسية مثل كل أنواع الكتابة فيها الحقيقي والزائف، هناك كتابة إدجار آلان بو وكتابة سين أو صاد من مستنسخي الأفلام.

بدأتْ نغمةٌ كبيرة تسود بأنك أستاذ كتابة مفتوحة.. ألا تقلق من فكرة حصرك في هذا القالب؟

ـ لقد عدت مؤخرا من معتزل الكتابة في حائل بالمملكة العربية السعودية، وكان عنوانه المطروح «النص المفتوح» وقد أسعدتني الدعوة بحد ذاتها التي كنت بموجبها مرشدا خبيرا بهذا اللون، واعتبرت الاهتمام به اعترافا من قبل هيئة ثقافية رسمية «هيئة الأدب والنشر والترجمة». وقد سعدت بالنقاش مع ستة من الكتاب والكاتبات الشباب من السعودية والكويت والبحرين لديهم الولع لكتابة هذا النوع الأدبي. وأنت تعرف أنني أعول عليه ليس على صعيد الأدب فحسب؛ بل بوصفه فرصة لإنقاذ الصحافة، وهي حرفة وفن يعيش محنة كبيرة في عصر التنافس الشديد بين الوسائط الإعلامية. النص المفتوح يمنح الصحافة ثقلا معرفيّا بوسعه أن يميزها عن الوسائل السريعة الأخرى.

ولست قلقا من الارتباط بيني وبين هذا النوع من الكتابة، بل أرى ذلك نوعا من العدل، فعندما صدر الأيك كان جديدا في نوعه. ومع ذلك فقد حصلت على جائزة نجيب محفوظ عن رواية هي «بيت الديب» ووصلت لقائمة جائزة زايد القصيرة ثلاث مرات بروايتين: «يكفي أننا معا» و«غربة المازل» ونص مفتوح واحد هو «غرفة المسافرين».

في الحقيقة لا أدخر جهدا عندما أكتب زاوية صحفية أو كتابا مفتوحا أو رواية. أحد أصدقائي الكبار قال لي منذ نحو ثلاثين عاما «أشفق عليك لأنك تبذل جهدا إبداعيّا في مقالاتك الصحفية، هذا يستنزفك ككاتب» ولم أكن مع هذا الصديق، لم أفكر أبدا في مراتب الكتابة لسبب بسيط وهو أنني أفكر بالشريك الذي سيكتمل عملي بقراءته، وهذا الشريك يستحق مني كل عناية. وارتباط النص المفتوح بي.

هل قلقك من التقدم في العمر هو ما جعلك تنتظم في إصدار الكتب أم أن السبب هو تخلصك من غول الصحافة؟

ـ لا شك أن التقاعد المبكر نسبيّا (في الثالثة والخمسين) كان له أثره في ذلك، فأنا أنام وأصحو على القراءة والكتابة منذ ٢٠١٥، ولكنَّ هناك تفصيلا آخر. يبدو الأمر للمتابع أنني صرت أصدر كتابا كل عام. لكن لا كتاب من كتبي استغرق عاما واحدا من العمل. هناك تقاطعات وتداخلات داخل هذه الصورة الخارجية. على سبيل المثال كنت أكتب «الطاهي يقتل» خلال سنوات طويلة، في استراحات بين الروايات، وفي عام ٢٠٢١ بدأت جزءا ثانيا من رواية «ما رآه سامي يعقوب» ثم بردت في يدي قليلا ورأيتني مشدودا لمراجعة الطاهي وإصداره. قدَّرت لذلك شهرين في بداية ٢٠٢٢، لإلقاء نظرة على الكتاب وتقديمه لدار النشر، فإذا بي أغرق فيه العام بكامله، والآن أعود للرواية. وهكذا تجري الأمور دائما، لكن تخفيض حضوري الصحفي كان مهما جدا.

ذكرتَ ابنتك مي في الكتاب.. ما الذي قدمته الأبوة لك؟

ـ تزوجت في عمر صغير نسبيّا، فصار أبنائي الثلاثة بمثابة أصدقاء، في فترة تجددت معهم طفولتي والآن يتجدد شبابي، وقد فاقوني خبرة في الحياة فصرت أستمع إليهم وأطلب مشورتهم كما أطلبها من أمي.

ما تعطيه الأبوة كثير. والخبر الحسن لمن لم ينجبوا أن العمل النافع يشبه الإنجاب ويقدم ما يقدمه ربما بلا خوف. بداخلنا رعب الفناء الذي نحاول أن نقاومه بالإبداع أو ترك ما ينفع الناس بشكل عام. كل هذا يبدد وحشة الفناء.

وما الكتاب الجديد الذي تعمل عليه حاليا؟

ـ عدت لاستئناف ما تركته منذ عام، وهو رواية تعد استئنافا لـ«ما رآه سامي يعقوب» ولا أفكر الآن بشكل هذا التتابع، لأن الروايتين معا لا تشبهان أية رواية من أجزاء. فالأولى نوفيلا، بمواصفات وحجم النوفيلا، أما ما أكتبه الآن فهو رواية طويلة ذات عمارة مركبة. سامي يعقوب مركزي فيها إلى حد كبير، لكن فيها الكثير من الشخصيات المختلفة ذات المساحات الكبيرة، والمتشابكة. وقد ألقيت بسامي يعقوب بينهم في مكان أبعد مما تتخيله لشاب من الشريحة العليا في الطبقة الوسطى.