وحينما زحف الأسمنت إلى البلاد الذي أصبح حديث الساعة عند كل الأهالي وكأنه مطر خير أتى بعد سنوات من القحط والجفاف، أخذ الناس بسرعة يذهبون إلى تلك النعمة من أجل أن يبنوا لهم أجمل المنازل وإن كانت صغيرة وقتها إلا أنها أصبحت كالمنقذ لهم من بيوت الطين التي كانت تفتقر للعديد من الخدمات الضرورية للإنسان وأهمها الأمان من المطر والعواصف وتوفر المرافق الصحية التي تعتمد على تصريف المياه كلما أراد الإنسان قضاء حاجته.

بدأ الناس يجمعون بعض الأموال للخروج من مأزق الطين وقتها وهم يشاهدون أن بعض جيرانهم أتى بمجموعة من العمال والأدوات ليبنوا لهم منزلا مسلحا بالأسمنت والحديد.

صمد بعضهم حتى يجمع ما يساعده على ذلك حتى تحسنت الأحوال وهجرت الناس الطين بحلو ذكرياتها ومرها.

هكذا كان حال حارة البلد الأثرية بمدينة منح، حارة عظيمة بأهلها وعمرانها وتفاصيل أزقتها فهي حارة قديمة جدا عمرها أكثر من 900 سنة، وتحتوي على سور دفاعي يحميها مع عدد من الأبراج المحصنة و4 مساجد أثرية تجد زخرفة بعض محاريبها بديعة للغاية، ومنازل ومدارس وأكثر من سبلة يجتمع فيها الأهالي بالإضافة إلى عيني ماء تزود الحارة بحاجياتهم من المياه العذبة، والجميل أنها لا زالت متماسكة بكل دهشة لمن يقف متأملا ما صنعه الأجداد هناك، لتتبنى الحكومة اليوم عبر وزارة التراث والسياحة ترميم الحارة الذي كلف الكثير.

وبعدما تم الانتهاء من هذا الترميم الذي جعلها أكثر جمالا وقوة، سلمتها الوزارة للشركة العمانية للتنمية السياحية عمران -الذراع التنفيذي والتنموي لقطاع السياحة- التي بدورها أصبحت المعني الأول لاستثمار المكان حتى تصبح حارة البلاد معلما سياحيا بارزا يستقطب جميع الزوار.

وتشير آخر الأخبار إلى أن شركة عمران قد سلمت هذا المشروع لشركة عمانية أهلية اسمها العمارة العريقة للتعمير لرئيسها الدكتور هيثم بن نجيم العبري الذي صرح بأنهم سيجعلون من حارة البلاد مكانا مميزا للزيارة.

كل هذه التحركات مباركة نحو استثمار إمكانياتنا الضخمة في مجال السياحة التراثية والثقافية، ولكن هناك عدة عوامل ستسهم بشكل كبير -في اعتقادي- في تنشيط حركة السياحة والحياة في حارة البلاد، وهي مقترحات سهلة التنفيذ ولكنها ذات أثر كبير.

في ولاية منح توجد كلية السلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، التي أخذت تثبت مكانتها على مستوى الوطن العربي، فكل الارتباك الأمني الذي حدث ببعض الدول العربية، جعلت سلطنة عمان الخيار المثالي والآمن للكثير من الطلبة الأجانب من مختلف دول العالم، ففي هذه الكلية لا يتعلم الطالب الأجنبي فقط اللغة العربية، بل كذلك يحظى بجولات سياحية، لتعريفه بالعادات والتقاليد العمانية الأصيلة التي يمتد تاريخ حضارتها لآلاف السنين.

لذلك أرى من المنطق أن يتم تحويل جزء من حارة البلاد إلى هذه الكلية، مع تأهيل المنازل الأثرية هناك إلى نزل بديعة، مع انتشار عدد من مقاهي القهوة المختصة وبعض المطاعم الشعبية البسيطة التي تستطيع تقديم الخدمات للقاطنين في الحارة من أجل إحيائها بالشكل المثالي الذي يليق بمكانتها.

فلا يوجد صرح علمي كهذا يستطيع تحريك عجلة التنمية في الحارة، وهي فرصة مناسبة كون الكلية أصلا مقرها في ولاية منح التي لا تقع حتى الآن على خريطة الزيارات السياحية، فعدد سكانها قليل والنشاط التجاري فيها ما زال ضعيفا نوعا ما، ولا يعرف الناس عنها الكثير، فمواطن الجذب فيها ما زالت تحتاج لعمل كبير، وحارة البلاد وهذه الكلية هي أكبر حل جذري باعتقادي سيجعل الحارة ذات بعد عالمي، فجميع الطلبة القادمين يمثلون أهم الدول الأوروبية والآسيوية التي يتطلع سكانها للسياحة وزيارة أهم المواقع السياحية في سلطنة عُمان، بالإضافة إلى ترويج هؤلاء الطلبة الزوار لأقرانهم وأصدقائهم بجمالية المكان وروعته حينما يعيشون فيها ويتعلمون في منازلها اللغة العربية الأصيلة، وبالتالي مزيدا من الجذب السنوي لهؤلاء الطلبة الأجانب لحارة البلاد التي ستتحول وكأنها مقر أكاديمي لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ومن هنا ستنشط التجارة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والأسر المنتجة التي ستركز جميعها في تنمية الحارة وتنشيطها والعمل على تقديم أجود الخدمات لقاطنيها.

هل تذكرون كيف كانت منطقة الخوض بالعاصمة مسقط قبل بناء جامعة السلطان قابوس؟!

كانت منطقة عادية للغاية وتعد وقتها نائية عن وسط مسقط، بل كانت عادية جدا، وما أن تم بناء الصرح الجامعي هناك حتى أصبحت اليوم من أكثر الأحياء التجارية نشاطا، واستقطابا واستثمارا لتغدو اليوم من أبرز الأحياء في مسقط.

حينما تريد تنمية مكان بذاته ما عليك إلا إقامة وتشييد مواطن الجذب فيه، ومن خلال بعض الأفكار الإبداعية التي لا تكلف الكثير من المال مقارنة ببعض المشاريع الأخرى ومصاريف الترويج عنها.

أنا لست على صواب دائما ولكنني أرى الموضوع من زاويتي الخاصة واعتقادي الذي أحاول أن أشارككم إياه، فهل تتفق معي بهذه الفكرة أم لك أفكار رائعة أخرى لتنشيط حارة البلاد؟!

لنفكر جميعا..