ينظر الكثير من العارفين، وخاصة علماء النفس والأخصائيين الاجتماعيين، إلى المثالية الزائدة التي يمارسها الكثيرون اليوم على منصات وسائل التواصل الاجتماعي بكثير من القلق والخوف المتزايد، ليس فقط على مدعي المثالية ولكن على من يصدقه ويتأثر به ويعتقد أن الحياة الحقيقية التي يعيشها البشر هي بتلك المثالية وأن من يفتقد تلك التفاصيل إنما هو خارج الحياة أو على هامشها.

ومع إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بشكل متنامٍ يتعرض الناس لصور مثالية وغير واقعية للحياة، مما يؤدي إلى إدامة المثل الزائفة التي يمكن أن تكون ضارة بالأفراد والمجتمع ككل.

وتروج المثالية الزائفة على وسائل التواصل الاجتماعي لمُثُل غير واقعية وغير قابلة للتحقيق في كثير من الأحيان في حياتنا اليومية، وغالبًا ما يستخدم الأشخاص وسائل التواصل الاجتماعي لعرض أفضل نسخة لأنفسهم، وتقديم نسخة مثالية من حياتهم، ومشاركة النقاط البارزة فقط، وتصديق هذا الأمر يمكن أن يخلق توقعًا غير واقعي لما يجب أن تكون عليه الحياة، مما يؤدي إلى الشعور بعدم الكفاءة وتدني احترام الذات والإصابة بأمراض خطيرة ليس آخرها الاكتئاب.

ويمكن أن يكون تأثير المثالية الزائفة في وسائل التواصل الاجتماعي بعيد المدى. على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي إلى تركيز غير صحي على الممتلكات المادية والمظهر الجسدي والعلاقات الاجتماعية، وهذا يخلق في الكثير من الأحيان إحساسًا بعدم الرضا وعدم الكفاية، مما قد يؤدي إلى الشعور بالاكتئاب والقلق.

وتُظهر الكثير من تلك المثاليات الزائفة حياتها بوصفها حياة خالية من أي تحديات، وشقاء، بل يحيط بها الترف الزائد والسفر المستمر من مكان لآخر، ومن مقهى إلى آخر.. والكثير من مسارات الحياة التي في الأساس لا تستقيم أبدا. هذه الصورة تؤثر كثيرا على البعض فيقل تقديره لذاته، أو لأسرته وعائلته، أو حتى لوطنه خاصة ما إذا كنا نتقبل تلك المثاليات الزائفة من مروجين لها من خارج حدود الوطن ولو كانت وسائل التواصل الاجتماعي لا حدود وطنية لها. ورغم أن الزيف إن كان يروج لبعض القيم الأخلاقية فهذا أمر حميد، لكن الحقيقة أن الترويج يكون دائما لسلوكيات استهلاكية وقضايا اجتماعية لا تستقيم مع مسارات الحياة الطبيعية.

وتزيد خطورة المثالية الزائفة عندما تدخل في الترويج لسلوكيات تتعلق بالصحة على سبيل المثال، أو تتعلق بسلوكيات تعليمية أو تربوية حيث يمكن أن تؤدي بعض هذه السلوكيات إما إلى نكسات صحية أو سقوط تعليمي أو تربوي خاصة إذا ما وصلت إلى حد التطرف.

إن الأجيال الناشئة، وفي الحقيقة الجميع، بحاجة ماسة إلى معرفة هذا النوع من الخطر الذي يتسلل لنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومدى تأثيره على الصحة العقلية أو العلاقات الاجتماعية الحقيقية بعيدا عن العالم الافتراضي الذي قد يكون «زائفا». ولذلك علينا أن لا نصدق تفاصيل الحياة الاجتماعية في العالم الافتراضي.. إنها في الغالب الأعم ليست أكثر من زيف، فيما حقيقة من ينشرون ذلك الزيف إنما هم ضمن دوامة هذه الحياة التي لا تخلو من تحديات ولا تنجو من الشقاء الذي هو ديدن هذه الحياة وملحها.. ومن خلال إدراكنا بحقيقة الحياة، وحقيقة زيف مثل التواصل الاجتماعي نستطيع إدراك المخاطر المحتملة واتخاذ خطوات لمكافحتها، يمكننا تعزيز صورة أكثر إيجابية وواقعية عن أنفسنا والآخرين. ولا بد أن نتذكر أن النجاح الحقيقي والسعادة يأتيان من عيش حياة أصيلة ومرضية، وليس فقط عبر تلبية المعايير المثالية.