أكثر ما يثير إعجاب ضيوف سلطنة عمان من الأشقاء والأجانب؛ حالة التسامح والوئام المذهبي الذي يعيشه العمانيون بمختلف انتماءاتهم المذهبية. هذا الوئام والسلام الداخلي الذي يتحدثون عنه ونعيش نحن واقعه بكل تأكيد لم يأت صدفة قطعا.

عندما نستحضر خطابات جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه -في بدايات نهضته المباركة نجده كان يؤسس لثقافة دينية معتدلة في دولته الناشئة حينها لا تفّرط في المبادئ الأساسية التي ابتغاها الله لدينه الحنيف من توحيد وعدالة وأخلاق ومعاملة، وشدد أن تخرج رسالة المسجد معتدلة متسامحة تحفظ للعماني حقه في ممارسة شعائره الدينية بكل حرية بشرط عدم الخروج عن رسالة الإسلام الخالدة ووسطيته يقول الله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} البقرة ١٤٣.

كان السلطان الراحل رحمه الله حريصا على ضبط البوصلة الدينية في بلده لتتناغم مع الأهداف الأساسية التي وضعها للنهضة التي كان يقودها، لأن أي انحراف لهذه البوصلة سيدفع المجتمع ثمنها مدى الحياة، وقد كانت هناك تجارب وأحداث دولية جسيمة حدثت في عهده المجيد الذي أمتد لخمسين عاما ، لكنه أستطاع بحكمة بالغة وفكر وقّاد تجنيب شعبه الانجراف خلف العديد من الشعارات والتيارات الدينية التي أطلقت لتحقيق أهداف سياسية مشبوهة.

لم يسمح السلطان قابوس - طيب الله ثراه - خلال فترة حكمه قطعا باستخدام الدين وشعاراته لتحقيق أهداف سياسية، ونحن نعلم أن كثير من الاقتتال والصراع المذهبي كان في أساسه اختلاف سياسي بين بعض القوى على مدى التاريخ الإسلامي، ولا يزال المسلمون إلى اللحظة منقسمون مشتتون يتبادلون التهم فيما بينهم وصلت إلى حد التكفير بسبب خلافات سياسية مضت عليها قرون عديدة.

لقد أراد السلطان الراحل - طيب الله ثراه -أن يعيش أبناء شعبه في سلام داخلي بعيداً عن التجاذب الديني والمذهبي الذي أكتوت بلهيبه كثير من الشعوب الإسلامية، ونجح في ذلك نجاحاً مبهراً أثار إعجاب القاصي والداني، وعندما لاحظ أن هناك من يحاول العبث بعقارب البوصلة الدينية التي أسسها في بلده أطلق خطابه الشهير في العيد الوطني الرابع المجيد: "إنَّ التطرف مهما كانت مسمياته، والتعصب مهما كانت أشكاله، والتحزب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته، نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العُمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبا، ولا تقبل أبدا أن تُلقى فيها بذور الفرقة والشقاق".

هذا الأساس المتين الذي بناه السلطان الراحل ومشى على نهجه قائد نهضتنا المتجددة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم-حفظه الله ورعاه-؛ حفظ لعمان إرثها الديني المعتدل لتظل نبراسا وتطبيقا قويما للأمة الوسط التي أرادها الله أن تتولى أمر دينه إلى أن يرث الأرض ومن عليها.