تجيد النساء في الغالب التحايل على العسف، فهن إن لم يعلمن الكتابة، تعلمن القص بغريزة أقرب إلى غريزة البقاء، فكما يقص أثر الماء والسائرين، تقص النساء أثر النساء، ويسربن كل ذلك عبر الحكايات المتوارثة بالتشافه.

«رسائل الليسو من قماش ناطق إلى رداء أخرس»، كتاب مصور قامت بإعداده وتحريره الكاتبة العمانية زوينة سالم، يتضمن صورا جميلة لأشكال متعددة لليسو الذي ترتديه العمانيات عادة كآخر طبقة قماش توضع على الرأس، بحيث تنسدل فتغطي الجزء العلوي من الجسد.

والليسو كما سنعرف من الكتاب أو ببحث مختصر في الوكيبيديا كلمة برتغالية، شاعت في وصف هذا الرداء في مناطق شرق إفريقيا، بسبب الغزو البرتغالي في القرن السادس عشر الميلادي لسواحل إفريقيا وعمان ثم التوغل شرقا.

لكن هذه القطعة من القماش القطني تحمل في تفاصيل تاريخها الكثير من الحكايات المسكوت عنها، حكايات تتصل بتاريخ بعيد من العبودية، بدأ من بدايات التوسع الاستعماري، وازدهار تجارة العبيد، التي قامت كما تعلمون في غالبها على نقل الأفارقة المختطفين والمسروقين من أوطانهم واستعبادهم ثم بيعهم في سوق النخاسة العظيم الذي كان يعنون لمرحلة مهمة من مراحل ما قبل الثورة الصناعية والمكننة، ليعملوا في حقول القطن وقصب السكر وغيرها من زراعات المستعمرات الجديدة في الأمريكيتين، إذ كان تجار العبيد يمنحون الرجال قطعة من قماش القطن الثقيل غير المبيض ليلف حول خصورهم وللنساء قطعة مثلها تلف حول الصدر.

قاومت النساء العبودية بطريقتها فأضافت للقماش القطني الذي لم يبيض «المريكاني» بعض نقاط من الأبيض، فأصبح الرداء أقرب إلى الريش الذي يكسو طائر الكانجا الإفريقي، وهكذا سميت تلك القطعة من القماش كانجا.

ثم وجدت النساء أن الرسم والتلوين واحدة من الطرق التي تعيد بها شيئا من الضوء والجمال إلى حيواتهن المستلبة، فأضيفت الرسومات والألوان، وصار الكانجا ليس فقط غطاء للستر، بل أصبح مفردة حياتية تستخدم في الكثير من النشاطات، بدءا بالصلاة وصولا إلى النوم.

ثم جاءت الكتابة على إطار الليسو، الأمثال والحكم والإشارات والتنبيهات، فأصبح تهادي قطع الليسو طريقة في إيصال الرسائل التي قد تحمل في باطنها ما لا يقرأ بسهولة في ظاهرها، ويترك السر لصاحبه كي يفهمه.

تكمن أهمية كتاب رسائل الليسو في توثيق مفردة حياتية وثقافية تخص المرأة، وتحمل في طياتها بذرة لمبحث كبير يتناول التفاصيل التي تتشكل منها حيوات النساء، وطرق مقاومتهن الناعمة التي تتخذ من الحكايات والفن وسائل في غاية الرقة والصخب، إلا أنها ساعدت في توريث الحكمة من جيل إلى جيل.

بشرى خلفان كاتبة وروائية عمانية