ترجمة ـ قاسم مكي -
توشك الولايات المتحدة على خوض تجربة اقتصادية جريئة. إنها خطة يتوافق حولها الحزبان الديمقراطي والجمهوري لتعزيز صناعة أشباه الموصلات وقطاعات التقنية الرفيعة الأخرى باستثمارات حكومية تبلغ قيمتها 52 بليون دولار. الفكرة عظيمة. لكنها ليست مفهومة جيدا خارج واشنطن. وبدون تأييد عريض لن تنجح.
«واسطةُ عَقْد» هذه الخطة قانونُ أشباه الموصِّلات والعلوم (اسمه بالكامل قانون إيجاد حوافز مساعدة لإنتاج أشباه الموصلات والعلوم ويعرف أيضا بقانون الرقائق الإلكترونية والعلوم- المترجم).
قبل أيام تحادثت مع جينا ريموندو وزيرة التجارة الأمريكية وهي أحد مهندسيه. أوضحت لي مبررات البرنامج. كما تطرقت إلى بعض التحديات المحتملة لإحياء صناعة التقنية الرفيعة الذي تتصوره.
تقول الوزيرة الأمريكية إنها تأمل في أن يحفز البرنامج على «تعبئة وطنية» في مجال التقنية على مثال المشاعر التي استثارتها خطة إرسال سفينة فضائية إلى القمر.
حاججت ريموندو بأن الولايات المتحدة تمكنت من وضع إنسان على سطح القمر خلال عقد من تعهُّد الرئيس جون كيندي بذلك. ولم تفعل ذلك فقط من خلال ضخ دولارات بنك الاحتياط الفيدرالي ولكن أساسا بفضل الحماس الشعبي للبرنامج. وأشارت إلى أن عدد الأمريكيين حاملي الدكتوراة في العلوم تضاعف وفي الهندسة ارتفع إلى أربعة أضعاف خلال فترة سباق الفضاء في الستينات. وهي تحب أن ترى زيادة مماثلة في أصحاب المواهب الآن.
يوم الخميس الماضي دشنت ريموندو تطبيق القانون المذكور بإلقاء خطاب شرحت فيه الخطوط العامة للبرنامج. ويفترض أن تُصدِر يوم الثلاثاء 28 فبراير القواعد الرسمية لطلب الحصول على مِنَح صناعة الرقائق الإلكترونية التي خصص لها مبلغ 39 بليون دولار. (أصدرت وزارة التجارة الأمريكية يوم الثلاثاء 28 فبراير خططها الخاصة باستلام طلبات مِنَح الدعم الحكومي من الشركات المعنية في أواخر يونيو القادم – المترجم)
كما ستناقش جينا ريموندو أيضا برنامجا بمخصصات تبلغ 11 بليون دولار لإنشاء مركز وطني لتقنية أشباه الموصِّلات وشبكة مراكز ابتكار ممولة من الحكومة الفدرالية شبهتها الوزيرة بمعامل «بَيل» التي أعدَّت أبحاثا رائدة قبل نصف قرن.
عن الخطة قالت لي وزيرة التجارة إنها «أكثر من كونها مجرد استثمار يدعم عددا قليلا من مصانع الرقائق الجديدة. نحن بحاجة إلى توحيد أمريكا حول هدف مشترك لتعزيز التنافسية العالمية للولايات المتحدة وقيادتها في هذه التقنية البالغة الأهمية. المال (فقط) لا يكفي. نحن كلنا بحاجة إلى مواجهة نفس المشكلة بوصفنا شعبا وبلدا»
ذلك شعور محمود. لكنه ليس هدفا يسير المنال لبلد تتصادم فيه المقاصد.
العامل الذي حفز على الإجازة المشتركة لقانون أشباه الموصلات والعلوم بواسطة نواب كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونجرس كان «دون مواربة» الصين. فتماما كما حرَّك الخوف من الاتحاد السوفييتي برنامج غزو الفضاء خلال الستينات كذلك جمع التحدي الذي تمثله الصين بين الجمهوريين والديمقراطيين الذين لا يتفقون على شيء آخر يذكر. فرغم احتفائنا الوطني بالنشاط الاقتصادي الحر إلا أن الحزبين كليهما يشعران بالقلق من احتمال حصول الصين من اندماج قدراتها المدنية والعسكرية على ميزة حاسمة.
إذن ما هي مكامن الخطر في تبني «سياسة صناعية» كان يعتبرها اقتصاديون عديدون حتى وقت قريب توجها خاطئا لإدارة الاقتصاد من واشنطن؟ طرحتُ بعض الأسئلة على ريموندو وأكدت إجاباتها على أهمية هذا المسعى وأيضا بعض الصعوبات أمام نجاحه. (السياسة الصناعية حسب قاموس كمبريدج خطة حكومية مُصمَّمة لتشجيع تطوير الصناعة أو نوع معين من الصناعة– المترجم).
دعونا نبدأ بالفكر الاقتصادي. فكرة وجوب تحول الحكومة الأمريكية إلى حاضنة وأحيانا قيادتها للتنمية الاقتصادية تعود إلى أيام اليكساندر هاملتون (أول وزير للخزانة وأحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة- المترجم). كما ساعد الاستثمار العام في القنوات والطرق وسدود الطاقة الكهرومائية وأخيرا الإنترنت والأقمار الصناعية في بناء الولايات المتحدة خلال أول مائتي سنة ونيف من عمرها.
لكن «الرأسمالية الإدارية» الأمريكية كما وصفها الاقتصادي جون كينيث جالبريث التي تتصف بالتدخل الحكومي المكثف في النشاط الاقتصادي أخلت الساحة في ثمانينات القرن الماضي لمقاربة تقودها السوق (الليبرالية الجديدة). وكان الأوروبيون يسخرون من السياسة الصناعية باعتبارها «موجَّهة». لذلك تمثل العودة إلى السياسة الصناعية التي يتصورها فريق بايدن تحولا حادا في الاتجاه دون تأييد عام وشامل.
صناعة أشباه الموصلات مثال جيد لتقويض تنافسية الولايات المتحدة. يعود تقويضها جزئيا إلى الإدارة السيئة. لكن هنالك مشكلة أعمق وهي أن تشييد وتشغيل مصانع أشباه الموصلات داخل الولايات المتحدة أصبح أكثر تكلفة من إقامتها وراء البحار.
ريموندو تلوم مديري الشركات على ذلك. فهي تقول: «اعتقد أن السبب الرئيسي هو سعي الشركات وراء العمالة الرخيصة في آسيا باسم الكفاءة وتعظيم الربح». لكن في الواقع ذلك ما فرضته أبسط قواعد الاقتصاد.
كيف يمكن أن يعالج قانون أشباه الموصلات والعلوم مشكلة التنافسية هذه؟ ذلك هو هدف مخصصات الدعم المالي. فهي ستسدد للشركات التكلفة الإضافية لتشييد مصانع إنتاج الرقائق الإلكترونية داخل الولايات المتحدة بدلا من الخارج. ربما الرقائق مهمة بحيث تستحق مثل هذا الدعم المالي. لكن ماذا بشأن السيارات أو الطائرات أو الهواتف الخلوية؟ ففي لحظة ما يصبح هذا التخلي عن مقاييس السوق للكفاءة خطِرا بتغييره الحوافز الاقتصادية.
تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من الاستثمار الحكومي. لكن من غير المعقول تبني (فكرة) الاعتماد المتبادل بين القطاعين العام والخاص على الطريقة الصينية. فالقيادة الصينية ظلت تدمر القيمة والابتكار في قطاع التقنية بمحاولة توجيه الأموال إلى المشروعات الكبيرة التي تديرها الدولة والمفضلة لديها. ورواد الأعمال الصينيون يتراجعون. ولا يسعدني أن أتخيل مهندسا شابا وذكيا ينضم إلى منشأة إنتاج رقائق إلكترونية يدعمها قانون أشباه الموصلات بدلا من العمل في شركة ناشئة.
تجربة قانون أشباه الموصلات جديرة بالاهتمام قطعا. لكن مقياس نجاحها سيكون تحقيق ما حققته «خطة إرسال أول إنسان إلى القمر» التي أشارت إليها ريموندو. أي مدى قدرتها على جذب ملايين الشبان الأمريكيين إلى حقلي العلوم والهندسة.
عندما نفكر في التحدي الصيني (في مجالات مثل التقنية والابتكار) سنجد أن الاستثمار الأكثر أهمية في تطوير التفكير الحر والعقول المبدعة وليس في إقامة المصانع.
ديفيد اجنيشس روائي وصحفي يكتب عن الشؤون الخارجية لصحيفة واشنطن بوست.
ترجمة خاصة لـ «عمان»
توشك الولايات المتحدة على خوض تجربة اقتصادية جريئة. إنها خطة يتوافق حولها الحزبان الديمقراطي والجمهوري لتعزيز صناعة أشباه الموصلات وقطاعات التقنية الرفيعة الأخرى باستثمارات حكومية تبلغ قيمتها 52 بليون دولار. الفكرة عظيمة. لكنها ليست مفهومة جيدا خارج واشنطن. وبدون تأييد عريض لن تنجح.
«واسطةُ عَقْد» هذه الخطة قانونُ أشباه الموصِّلات والعلوم (اسمه بالكامل قانون إيجاد حوافز مساعدة لإنتاج أشباه الموصلات والعلوم ويعرف أيضا بقانون الرقائق الإلكترونية والعلوم- المترجم).
قبل أيام تحادثت مع جينا ريموندو وزيرة التجارة الأمريكية وهي أحد مهندسيه. أوضحت لي مبررات البرنامج. كما تطرقت إلى بعض التحديات المحتملة لإحياء صناعة التقنية الرفيعة الذي تتصوره.
تقول الوزيرة الأمريكية إنها تأمل في أن يحفز البرنامج على «تعبئة وطنية» في مجال التقنية على مثال المشاعر التي استثارتها خطة إرسال سفينة فضائية إلى القمر.
حاججت ريموندو بأن الولايات المتحدة تمكنت من وضع إنسان على سطح القمر خلال عقد من تعهُّد الرئيس جون كيندي بذلك. ولم تفعل ذلك فقط من خلال ضخ دولارات بنك الاحتياط الفيدرالي ولكن أساسا بفضل الحماس الشعبي للبرنامج. وأشارت إلى أن عدد الأمريكيين حاملي الدكتوراة في العلوم تضاعف وفي الهندسة ارتفع إلى أربعة أضعاف خلال فترة سباق الفضاء في الستينات. وهي تحب أن ترى زيادة مماثلة في أصحاب المواهب الآن.
يوم الخميس الماضي دشنت ريموندو تطبيق القانون المذكور بإلقاء خطاب شرحت فيه الخطوط العامة للبرنامج. ويفترض أن تُصدِر يوم الثلاثاء 28 فبراير القواعد الرسمية لطلب الحصول على مِنَح صناعة الرقائق الإلكترونية التي خصص لها مبلغ 39 بليون دولار. (أصدرت وزارة التجارة الأمريكية يوم الثلاثاء 28 فبراير خططها الخاصة باستلام طلبات مِنَح الدعم الحكومي من الشركات المعنية في أواخر يونيو القادم – المترجم)
كما ستناقش جينا ريموندو أيضا برنامجا بمخصصات تبلغ 11 بليون دولار لإنشاء مركز وطني لتقنية أشباه الموصِّلات وشبكة مراكز ابتكار ممولة من الحكومة الفدرالية شبهتها الوزيرة بمعامل «بَيل» التي أعدَّت أبحاثا رائدة قبل نصف قرن.
عن الخطة قالت لي وزيرة التجارة إنها «أكثر من كونها مجرد استثمار يدعم عددا قليلا من مصانع الرقائق الجديدة. نحن بحاجة إلى توحيد أمريكا حول هدف مشترك لتعزيز التنافسية العالمية للولايات المتحدة وقيادتها في هذه التقنية البالغة الأهمية. المال (فقط) لا يكفي. نحن كلنا بحاجة إلى مواجهة نفس المشكلة بوصفنا شعبا وبلدا»
ذلك شعور محمود. لكنه ليس هدفا يسير المنال لبلد تتصادم فيه المقاصد.
العامل الذي حفز على الإجازة المشتركة لقانون أشباه الموصلات والعلوم بواسطة نواب كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونجرس كان «دون مواربة» الصين. فتماما كما حرَّك الخوف من الاتحاد السوفييتي برنامج غزو الفضاء خلال الستينات كذلك جمع التحدي الذي تمثله الصين بين الجمهوريين والديمقراطيين الذين لا يتفقون على شيء آخر يذكر. فرغم احتفائنا الوطني بالنشاط الاقتصادي الحر إلا أن الحزبين كليهما يشعران بالقلق من احتمال حصول الصين من اندماج قدراتها المدنية والعسكرية على ميزة حاسمة.
إذن ما هي مكامن الخطر في تبني «سياسة صناعية» كان يعتبرها اقتصاديون عديدون حتى وقت قريب توجها خاطئا لإدارة الاقتصاد من واشنطن؟ طرحتُ بعض الأسئلة على ريموندو وأكدت إجاباتها على أهمية هذا المسعى وأيضا بعض الصعوبات أمام نجاحه. (السياسة الصناعية حسب قاموس كمبريدج خطة حكومية مُصمَّمة لتشجيع تطوير الصناعة أو نوع معين من الصناعة– المترجم).
دعونا نبدأ بالفكر الاقتصادي. فكرة وجوب تحول الحكومة الأمريكية إلى حاضنة وأحيانا قيادتها للتنمية الاقتصادية تعود إلى أيام اليكساندر هاملتون (أول وزير للخزانة وأحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة- المترجم). كما ساعد الاستثمار العام في القنوات والطرق وسدود الطاقة الكهرومائية وأخيرا الإنترنت والأقمار الصناعية في بناء الولايات المتحدة خلال أول مائتي سنة ونيف من عمرها.
لكن «الرأسمالية الإدارية» الأمريكية كما وصفها الاقتصادي جون كينيث جالبريث التي تتصف بالتدخل الحكومي المكثف في النشاط الاقتصادي أخلت الساحة في ثمانينات القرن الماضي لمقاربة تقودها السوق (الليبرالية الجديدة). وكان الأوروبيون يسخرون من السياسة الصناعية باعتبارها «موجَّهة». لذلك تمثل العودة إلى السياسة الصناعية التي يتصورها فريق بايدن تحولا حادا في الاتجاه دون تأييد عام وشامل.
صناعة أشباه الموصلات مثال جيد لتقويض تنافسية الولايات المتحدة. يعود تقويضها جزئيا إلى الإدارة السيئة. لكن هنالك مشكلة أعمق وهي أن تشييد وتشغيل مصانع أشباه الموصلات داخل الولايات المتحدة أصبح أكثر تكلفة من إقامتها وراء البحار.
ريموندو تلوم مديري الشركات على ذلك. فهي تقول: «اعتقد أن السبب الرئيسي هو سعي الشركات وراء العمالة الرخيصة في آسيا باسم الكفاءة وتعظيم الربح». لكن في الواقع ذلك ما فرضته أبسط قواعد الاقتصاد.
كيف يمكن أن يعالج قانون أشباه الموصلات والعلوم مشكلة التنافسية هذه؟ ذلك هو هدف مخصصات الدعم المالي. فهي ستسدد للشركات التكلفة الإضافية لتشييد مصانع إنتاج الرقائق الإلكترونية داخل الولايات المتحدة بدلا من الخارج. ربما الرقائق مهمة بحيث تستحق مثل هذا الدعم المالي. لكن ماذا بشأن السيارات أو الطائرات أو الهواتف الخلوية؟ ففي لحظة ما يصبح هذا التخلي عن مقاييس السوق للكفاءة خطِرا بتغييره الحوافز الاقتصادية.
تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من الاستثمار الحكومي. لكن من غير المعقول تبني (فكرة) الاعتماد المتبادل بين القطاعين العام والخاص على الطريقة الصينية. فالقيادة الصينية ظلت تدمر القيمة والابتكار في قطاع التقنية بمحاولة توجيه الأموال إلى المشروعات الكبيرة التي تديرها الدولة والمفضلة لديها. ورواد الأعمال الصينيون يتراجعون. ولا يسعدني أن أتخيل مهندسا شابا وذكيا ينضم إلى منشأة إنتاج رقائق إلكترونية يدعمها قانون أشباه الموصلات بدلا من العمل في شركة ناشئة.
تجربة قانون أشباه الموصلات جديرة بالاهتمام قطعا. لكن مقياس نجاحها سيكون تحقيق ما حققته «خطة إرسال أول إنسان إلى القمر» التي أشارت إليها ريموندو. أي مدى قدرتها على جذب ملايين الشبان الأمريكيين إلى حقلي العلوم والهندسة.
عندما نفكر في التحدي الصيني (في مجالات مثل التقنية والابتكار) سنجد أن الاستثمار الأكثر أهمية في تطوير التفكير الحر والعقول المبدعة وليس في إقامة المصانع.
ديفيد اجنيشس روائي وصحفي يكتب عن الشؤون الخارجية لصحيفة واشنطن بوست.
ترجمة خاصة لـ «عمان»