إن الأساس النظري للدَّين الحكومي -أو كما يسمى بالدين العام- في الاقتصاد يأتي من منطلق تصنيفه ضمن أدوات السياسة المالية التي تستخدمها الحكومة لتنفيذ سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، فهو يساعد الحكومة على التغلب على عجز الميزانية حينما تتجاوز النفقات الإيرادات، وهذا العجز يحصل غالبا نتيجة رغبة الحكومة في تسريع وتيرة التنمية بتمويل مشاريع وبرامج تنموية ملحة وتنشيط حركة الاقتصاد وتكوين رأس المال من خلال المشاريع والخدمات الحكومية الصحية والتعليمية وغيرها لاسيما في الاقتصادات النامية التي تحتاج بصورة عاجلة إلى مواكبة التطور العالمي وبناء قدراتها التنافسية. كما أن الحكومات تعمد للاقتراض لسد العجز تحاشياً للرفع المفاجئ للضرائب الذي يؤثر بشكل مباشر على مستوى معيشة الأفراد وعلى قطاع الأعمال والاستثمار، بالإضافة إلى وجود أسباب منطقية أخرى للاستدانة مثل مواجهة الكوارث والأزمات الطبيعية وغير الطبيعية، فالاقتراض الحكومي هو جزء من السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الدول حتى تلك المتقدمة منها.
ورغم الاهتمام الكبير والمتزايد بالدين العام في الدراسات الاقتصادية ودخوله في الحسابات القومية وابتكار مؤشرات محاسبية لمتابعة ثقله على الاقتصاد مثل مؤشر نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي وهو المؤشر الأكثر شيوعا، ونسبة مدفوعات الفائدة (خدمة الدين) إلى الإيرادات أو النفقات، ونسبة الدين مستحق السداد إلى الميزانية السنوية؛ إلا أن الأدبيات الاقتصادية ما زالت لم تتفق على نسبة معيارية يمكن استخدامها لتحديد المستوى الآمن لحجم الدين المسموح به في الاقتصاد، وبالتالي فليس من السهولة القول بأن حجم الدين أصبح يشكل خطرا على قدرة حكومة ما على الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين، أو أنها أصبحت على وشك الإفلاس، والحقيقة أن الجدل الاقتصادي حول الحدود المثلى للدين العام قديم نسبيا، ولكي نكون أكثر دقة فإن الجدل لم يبدأ فعليا حول الحدود والمستويات المناسبة للدين العام، بل بدأت في نقاش مدى فاعليته في الاقتصاد أصلا، فقد نظرت المدرسة الكلاسيكية بقيادة آدم سميث (1723-1790) بسلبية إلى الاقتراض الحكومي انطلاقا من فكرة أن الحكومة عليها التقليل من الإنفاق وبالتالي الانسحاب من التأثير المباشر على الاقتصاد، في حين خالفت المدرسة الكينزية ( كينز 1883-1946) هذا الرأي واعتبرت الإنفاق الحكومي بما فيه الدين العام هو محرك أساسي للنشاط الاقتصادي. ومع نضج الفكر الاقتصادي حول أهمية الاقتراض الحكومي لسد العجوزات المترتبة نتيجة الحاجة إلى تمويل النفقات الحكومية الاستهلاكية أو الاستثمارية فقد أخذ النقاش مسارا متعلقا بالحدود الآمنة للدين العام معترفا بأن الاقتراض الحكومي أداة مهمة في تنفيذ السياسات الاقتصادية.
لماذا لا يتفق الاقتصاديون على حدود معيارية آمنة للدين العام في حين أن بحث العلاقة بين الدين الحكومي وتأثيره على النمو الاقتصادي قد أخذ الكثير من النقاش بين الاقتصاديين على مستوى النظرية الاقتصادية، فإن الجدل قائم أيضا على المستوى الدراسات التجريبية، حيث لم تسفر تلك الدراسات عن توافق بشأن وجود نقطة تحول عامة للعلاقة بين الدين العام والنمو الاقتصادي تحدد سقف الديون، بمعنى أن الدراسات التجريبية اختلفت في تحديد ما يمكن تسميته بالمستوى الآمن للدين العام الذي في حالة تجاوزه سيكون ذا تداعيات سلبية على الاقتصاد بشكل عام وعلى النمو الاقتصادي خصوصا، فالبحث في المستويات الآمنة للدين العام بقيت وما زالت قضية جدلية يدعم احتدامها النتائج الفعلية في الواقع، فتاريخياً عجزت المكسيك عن سداد ديونها في عام 1982 وتسببت في إطلاق شرارة ما سميّ “بأزمة التكيلا”، أو أزمة المديونية في دول أميركا الجنوبية، في وقت لم تتجاوز فيه نسبة ديونها السيادية 47 % من ناتجها المحلي الإجمالي، وفي مثيلها في الأرجنتين التي تخلفت عن سداد ديونها في عام 2001 عندما كانت نسبة ديونها بحدود 50 %. والأكثر غرابة في نتائج الدراسات التي تتبعت حدود الدين العام أظهر البيانات التاريخية أن 16 % من حالات العجز عن السداد في الدول الناشئة خلال الفترة من 1970ولغاية 2008 كانت في دول تجاوزت فيها النسبة 100 %، في حين أن ما يقرب من 52 % من هذه الحالات حدثت في دول كانت نسبة الديون السيادية إلى الناتج المحلي الإجمالي فيها أقل من 55%. في مقابل ذلك، سجلت دولا أخرى نسب عالية من المديونية تتجاوز 120% من ناتجها المحلي غير أنها لا تذكر في خضم الاقتصادات المهددة بالانهيار أو بالإفلاس، بل إن ديونها السيادية تتزايد كحالة مزمنة تتعايش مع الاقتصاد، فمثلا تبلغ نسبة الديون الحكومية في اليابان حاليا نحو 263% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الاقتصاد الأمريكي نحو133% ، وفي سنغافورة 131%.
ورغم المحاولات الكثيرة التي قام بها العلماء في المجال الاقتصادي لتعيين مستوى أمثل وآمن للدين العام سواءً بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي والنفقات الكلية أو بغيرها من المتغيرات الأخرى فإن خصوصية كل اقتصاد منعت من الاتفاق بشأن ذلك، وبالتالي فإن الاستنتاج المفسر لهذا الأمر يمكن إيعازه إلى عوامل أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن تحديد المستوى الآمن للدين الحكومي، يأتي في طليعتها قوة الاقتصاد وقدرته على توليد إيرادات وجذب الاستثمار، إضافة إلى ذلك هيكل الدين العام من حيث نوعه فيما إذا كان خارجي أم داخلي وآجال الاستحقاق التي كلما امتدت لمدد أطول كانت الاستحقاقات أدعى للسداد، كما أن العملة التي يتم بها دفع استحقاق المديونية ذات تأثير كبير على إمكانية السداد. والدول مثل الولايات المتحدة واليابان التي تقترض بعملتها الرسمية هي أقل قابلية للتخلف عن سداد ديونها باعتبار أنها تملك حق طباعة النقود بعملتها الخاصة وسداد ديونها بغض النظر على تداعيات ذلك، كما إن هيكل المالية الحكومية هو الآخر عامل حاسم على قدرة الدولة على الاستمرارية في الاقتراض وسداد التزاماتها، بالإضافة إلى سهولة الوصول إلى الأسواق المالية الدولية وحصافة الإدارة الحكومية، إلى جانب الشفافية في إعداد ونشر البيانات الاقتصادية لما لها من أثر على الموثوقية الدولية للحكومة وعلى سلوكيات المسؤولين وقدرتهم على اتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب بناءً على بيانات صحيحة.
ماجد الخروصي باحث اقتصادي
ورغم الاهتمام الكبير والمتزايد بالدين العام في الدراسات الاقتصادية ودخوله في الحسابات القومية وابتكار مؤشرات محاسبية لمتابعة ثقله على الاقتصاد مثل مؤشر نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي وهو المؤشر الأكثر شيوعا، ونسبة مدفوعات الفائدة (خدمة الدين) إلى الإيرادات أو النفقات، ونسبة الدين مستحق السداد إلى الميزانية السنوية؛ إلا أن الأدبيات الاقتصادية ما زالت لم تتفق على نسبة معيارية يمكن استخدامها لتحديد المستوى الآمن لحجم الدين المسموح به في الاقتصاد، وبالتالي فليس من السهولة القول بأن حجم الدين أصبح يشكل خطرا على قدرة حكومة ما على الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين، أو أنها أصبحت على وشك الإفلاس، والحقيقة أن الجدل الاقتصادي حول الحدود المثلى للدين العام قديم نسبيا، ولكي نكون أكثر دقة فإن الجدل لم يبدأ فعليا حول الحدود والمستويات المناسبة للدين العام، بل بدأت في نقاش مدى فاعليته في الاقتصاد أصلا، فقد نظرت المدرسة الكلاسيكية بقيادة آدم سميث (1723-1790) بسلبية إلى الاقتراض الحكومي انطلاقا من فكرة أن الحكومة عليها التقليل من الإنفاق وبالتالي الانسحاب من التأثير المباشر على الاقتصاد، في حين خالفت المدرسة الكينزية ( كينز 1883-1946) هذا الرأي واعتبرت الإنفاق الحكومي بما فيه الدين العام هو محرك أساسي للنشاط الاقتصادي. ومع نضج الفكر الاقتصادي حول أهمية الاقتراض الحكومي لسد العجوزات المترتبة نتيجة الحاجة إلى تمويل النفقات الحكومية الاستهلاكية أو الاستثمارية فقد أخذ النقاش مسارا متعلقا بالحدود الآمنة للدين العام معترفا بأن الاقتراض الحكومي أداة مهمة في تنفيذ السياسات الاقتصادية.
لماذا لا يتفق الاقتصاديون على حدود معيارية آمنة للدين العام في حين أن بحث العلاقة بين الدين الحكومي وتأثيره على النمو الاقتصادي قد أخذ الكثير من النقاش بين الاقتصاديين على مستوى النظرية الاقتصادية، فإن الجدل قائم أيضا على المستوى الدراسات التجريبية، حيث لم تسفر تلك الدراسات عن توافق بشأن وجود نقطة تحول عامة للعلاقة بين الدين العام والنمو الاقتصادي تحدد سقف الديون، بمعنى أن الدراسات التجريبية اختلفت في تحديد ما يمكن تسميته بالمستوى الآمن للدين العام الذي في حالة تجاوزه سيكون ذا تداعيات سلبية على الاقتصاد بشكل عام وعلى النمو الاقتصادي خصوصا، فالبحث في المستويات الآمنة للدين العام بقيت وما زالت قضية جدلية يدعم احتدامها النتائج الفعلية في الواقع، فتاريخياً عجزت المكسيك عن سداد ديونها في عام 1982 وتسببت في إطلاق شرارة ما سميّ “بأزمة التكيلا”، أو أزمة المديونية في دول أميركا الجنوبية، في وقت لم تتجاوز فيه نسبة ديونها السيادية 47 % من ناتجها المحلي الإجمالي، وفي مثيلها في الأرجنتين التي تخلفت عن سداد ديونها في عام 2001 عندما كانت نسبة ديونها بحدود 50 %. والأكثر غرابة في نتائج الدراسات التي تتبعت حدود الدين العام أظهر البيانات التاريخية أن 16 % من حالات العجز عن السداد في الدول الناشئة خلال الفترة من 1970ولغاية 2008 كانت في دول تجاوزت فيها النسبة 100 %، في حين أن ما يقرب من 52 % من هذه الحالات حدثت في دول كانت نسبة الديون السيادية إلى الناتج المحلي الإجمالي فيها أقل من 55%. في مقابل ذلك، سجلت دولا أخرى نسب عالية من المديونية تتجاوز 120% من ناتجها المحلي غير أنها لا تذكر في خضم الاقتصادات المهددة بالانهيار أو بالإفلاس، بل إن ديونها السيادية تتزايد كحالة مزمنة تتعايش مع الاقتصاد، فمثلا تبلغ نسبة الديون الحكومية في اليابان حاليا نحو 263% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الاقتصاد الأمريكي نحو133% ، وفي سنغافورة 131%.
ورغم المحاولات الكثيرة التي قام بها العلماء في المجال الاقتصادي لتعيين مستوى أمثل وآمن للدين العام سواءً بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي والنفقات الكلية أو بغيرها من المتغيرات الأخرى فإن خصوصية كل اقتصاد منعت من الاتفاق بشأن ذلك، وبالتالي فإن الاستنتاج المفسر لهذا الأمر يمكن إيعازه إلى عوامل أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن تحديد المستوى الآمن للدين الحكومي، يأتي في طليعتها قوة الاقتصاد وقدرته على توليد إيرادات وجذب الاستثمار، إضافة إلى ذلك هيكل الدين العام من حيث نوعه فيما إذا كان خارجي أم داخلي وآجال الاستحقاق التي كلما امتدت لمدد أطول كانت الاستحقاقات أدعى للسداد، كما أن العملة التي يتم بها دفع استحقاق المديونية ذات تأثير كبير على إمكانية السداد. والدول مثل الولايات المتحدة واليابان التي تقترض بعملتها الرسمية هي أقل قابلية للتخلف عن سداد ديونها باعتبار أنها تملك حق طباعة النقود بعملتها الخاصة وسداد ديونها بغض النظر على تداعيات ذلك، كما إن هيكل المالية الحكومية هو الآخر عامل حاسم على قدرة الدولة على الاستمرارية في الاقتراض وسداد التزاماتها، بالإضافة إلى سهولة الوصول إلى الأسواق المالية الدولية وحصافة الإدارة الحكومية، إلى جانب الشفافية في إعداد ونشر البيانات الاقتصادية لما لها من أثر على الموثوقية الدولية للحكومة وعلى سلوكيات المسؤولين وقدرتهم على اتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب بناءً على بيانات صحيحة.
ماجد الخروصي باحث اقتصادي