ترجمة: قاسم مكي-

ما كشفه «حبسُ الأنفاس» في حادثة المنطاد عن السياسة الأمريكية أكثر مما أبانه عن السياسات الصينية. فإدارة بايدن خوفا من أن تبدو ضعيفة أمام الصين تفشل في تحويل غلطتها إلى فرصة دبلوماسية.

لقد كان على بايدن بدلا من تأجيل رحلة وزير الخارجية أنتوني بلينكن إلى الصين احتجاجا على الحادثة توجيهه بتقديم توصيات إلى الرئيس شي جينبينج لزيادة الشفافية وتقليل الأخطار.

واضح أن الحادثة أحرجت الصين. الرئيس شي إما كان يعلم أو (وهذا هو الراجح) كان يجب عليه أن يعلم بأن جهازه البيروقراطي المسؤول عن إطلاق المنطاد يتخذ مسارا يمكن أن يصطدم بزيارة بلينكن القادمة.

عبَّرت بيجينج عن «أسفها» وهذا شكل دبلوماسي للاعتذار. وأظن أن «الهبوط السياسي» لبعض ملاَّحي المنطاد الصيني كان «خَشِنا».

عندما يتعثر الطرف الآخر أفضل خطوة يمكن اتخاذها هي ببساطة الابتعاد عن الطريق ثم الإشارة إلى مسار أفضل.

كان يجب على بلينكن إخطار شي على انفراد بأن على الصين تقدير عدم تركها خيارا لبايدن سوى تدمير المنطاد «الدخيل». بالضبط كما كان يمكن للصين أن تفعل ذلك. وكان يمكنه أن يقول له إضافة إلى ذلك أن الرئيس (بايدن) سعى إلى تجنب تضخيم الدراما التي صنعتها الصين.

الدرس المستفاد لكلا الجانبين الذي كان على بلينكن أن يتوصل إليه هو أن جهود جمع المعلومات الاستخبارية يمكن أن تخرج عن حد السيطرة وتقود إلى أزمة.

التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى في العالم تتزايد خطورته باطِّراد. ومهمة الدبلوماسية إدارة تلك الأخطار من خلال الاتصال المفتوح. الصين والولايات المتحدة كلتاهما تبالغان في البحث عن المعلومات لأنهما تريدان معرفة قدرات الطرف الآخر وأيضا نواياه إذا أمكن ذلك.

لكن المنافسة على ميزة الحصول على المعلومات تخاطر بإثارة الصراع ليس فقط حول المناطيد. لقد هددت الصين الطائراتِ الأمريكية التي تطير على طول الساحل الصيني لجمع معلومات الإشارات وأيضا السفن الأمريكية في المياه القريبة منها.

والصين غزت الفضاء السيبراني للولايات المتحدة والآن فضاءها المادي. كان الجيش الأمريكي حصيفا في عدم الرد الفوري على انتهاكات المجال الجوي التي لا تشكل تهديدا وذلك تجنبا لمخاطر تفجير طائرة مدنية أو حتى طائرة استطلاع تخطت الحدود دون قصد. لكن هنالك طرق أخرى لتقليل مخاطر العثرات المهلكة.

يجب أن يقترح بلَينكِن لشي جينبينج فتح كلا البلدين قنوات للاتصال السريع (خطوط ساخنة) لتجنب التصعيد من جمع للمعلومات إلى صراع عسكري.

لم يكن الأمريكيون يخشون من اقتسام المعلومات حتى مع المنافسين.

ففي عام 1955 اقترح الرئيس دوايت أيزنهاور القيام برحلات تصوير «في إطار اتفاقية أجواء مفتوحة» للاتحاد السوفييتي لأنه أدرك الحاجة إلى التقليل من المخاطر النووية خلال التنافس طويل الأمد بين البلدين. واتخذ الرئيس جون كنيدي الخطوة الأولى للحد من اختبارات الأسلحة النووية بعد ترنُّح (البلدين) عند حافة الحرب في عام 1962. كما بدأ الرئيس رونالد ريجان في أعوام الثمانينيات مفاوضات الحد من التسلح مع نظيره السوفييتي بمبدأ واقعي سديد هو «ثِقْ. لكن تحقَّق.»

بدلا من محاكاة استياء رئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروتشوف في عام 1960عندما أُسقِطت طائرة تجسس أمريكية فوق روسيا على بايدن أن يلتفت إلى مبادئه الخاصة به عن مكامن قوة المجتمعات المفتوحة.

وعلى بلينكن أن يشرح لماذا تُبيِّن الانتهاكات مثل حادثة المنطاد (سواء كانت عَرَضية أم لا) الحاجة إلى إرساء إجراءات تحوّطية.

على واشنطن اقتراح أجندة شفافية لاقتسام المعلومات دون الاعتماد الزائد عن الحد على التجسس. بالطبع سيظل كلا الجانبين مرتابا في الجانب الآخر. لكن الولايات المتحدة منفتحة نسبيا بشأن موقفها العسكري ليس لأنها ضعيفة ولكن لإدراكها أن وضوح القوة يمكنه ردع العدوان.

يمكن أن تبدأ أجندة الشفافية مع الصين بتبادل التقارير عن القوات والمعدات والتجهيزات والتمارين العسكرية خصوصا في البحار والمجالات الجوية للمنطقة الهندو- باسيفيكية. ويمكن للطرفين تضمين إجراءات تحقُّق تكنولوجية.

مع توسع الصين في قدراتها النووية يحتاج كلا الجانبين إلى برنامج شفافية وأمان وتحقٌّق مثل البرامج التي طوَّرتها الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي.

هذه الأجندة يجب توسيعها وعدم قصرها على المسائل العسكرية وجمع المعلومات الاستخبارية. مثلا يحتاج العالم إلى اتصالات مفتوحة بين القوى الكبرى للتعجيل باقتسام تفاصيل الفيروسات وحالات تفشي الأمراض التي يمكن أن تسبِّب جائحات.

ولمساعدة البلدان النامية على التعامل مع الدَّين غير المُستدام يجب أن تكشف البلدان المقرضة عن تفاصيل شروط قروضها وحجم الأموال المقترضة.

كما يمكن للبلدين أيضا تحسين تدفق المعلومات الخاصة بغازات الاحتباس الحراري والإجراءات المناخية. فتبادل المعلومات المحقَّقة يشكل الخطوة الأولى لبناء الثقة اللازمة للعمل معا من أجل المصالح المشتركة.

على بلينكن الذهاب إلى بيجينج. فالبلدان تمارس الدبلوماسية سعيا وراء مصالحها وليس تفضًّلا منها على البلدان الأخرى.

يتفهم باقي العالم لماذا تحمي الولايات المتحدة مجالها الجوي. لكنه يتساءل لماذا لا تحوِّل واشنطن في حذق أخطاء الصين إلى أجندة للانفتاح الذي يخدم مصالح وقيم الولايات المتحدة.

وهو غالبا سيستنتج أن الولايات المتحدة إما لا تعرف ما الذي تريده من الصين بخلاف المواجهة أو أن سياستها الداخلية تخيف حكومتها وتجعلها تبتعد عن العمل الحكيم والبنَّاء. كلا الاستنتاجين صحيح.

روبرت زوليك تولى رئاسة البنك الدولي في الفترة من 2007 إلى 2012. قبل ذلك عمل نائبا لوزير الخارجية الأمريكية وممثلا تجاريا للولايات المتحدة. وهو الآن كبير المستشارين لمجموعة برونزويك.

عن واشنطن بوست