ترجمة: قاسم مكي -
ظل الدولار الأمريكي عملةَ الاحتياط الدولية المهيمنة منذ تأسيس نظام بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يغير حتى التحوُّل من أسعار الصرف الثابتة في أوائل السبعينات من الامتياز المُغالَى فيه للعملة الأمريكية. (بفضل هذا الامتياز تقترض الولايات المتحدة بفائدة أقل وتموِّل عجزها التجاري بسهولة أكثر مقارنة بالبلدان الأخرى - المترجم).
لكن نظرا لتحويل الدولار باطّراد إلى سلاح لأغراض تتعلق بالأمن القومي وتزايد التنافس الجيوسياسي بين الغرب والقوى المراجعة (للترتيبات الدولية القائمة) مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية يرى البعض أن تفكيك الدَّوْلَرَة سيتسارع. هذه العملية مدفوعة أيضا بظهور العملات الرقمية للبنوك المركزية التي يمكن أن تقود إلى نظام بديل متعدد الأقطاب للعملات والمدفوعات الدولية.
يحاجج المتشككون بأن الحصة العالمية للدولار الأمريكي كوحدة للحساب تعني عدم تراجع دوره كثيرا كوسيلة للمدفوعات وكمخزن للقيمة على الرغم من الثرثرة عن «تدهورٍ لا رجعة عنه» لمكانته الدولية. كما يشيرون أيضا إلى أنك لا يمكن أن تستبدل شيئا بلا شيء. وكما عبر عن ذلك وزير الخزانة الأمريكي السابق لورانس سمرز فإن «أوروبا متحف واليابان مركز إيواء للعجزة والصين سجن».
وتشير الحجج الأكثر دقة إلى أن هنالك اقتصادات كبيرة وشبكات مالية تقود إلى احتكار نسبي في مكانة عملة الاحتياط الدولية وأن عملة الرينمينبي الصينية لا يمكنها أن تتحول إلى عملة احتياط حقيقية ما لم يتم التخلي عن قيود رأس المال وجعل سعر الصرف أكثر مرونة.
إلى ذلك يجب أن يقبل بلدُ عملةِ الاحتياط (كما ظلت الولايات المتحدة تفعل ذلك منذ فترة طويلة) تسجيلَ عجوزات دائمة في الحساب الجاري من أجل إصدار التزاماتٍ كافية يحتفظ بها غير المقيمين كطرف مقابل.
أخيرا يجادل أمثال هؤلاء المتشككين بأن كل المحاولات لإيجاد نظام متعدد الأقطاب لعملة الاحتياط فشلت حتى الآن في الحلول محل الدولار (بما في ذلك سَلَّة حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي التي تشمل الرينمينبي الصيني).
هذه النقاط المثارة ربما كانت لديها في وقت ما بعض الوجاهة. لكن في عالم يزداد انقسامه إلى مجالين جيو- سياسيين للنفوذ (يُحيطان بالولايات المتحدة والصين) من المرجح أن يحل نظام عملة احتياط ثنائي القطبية وليس متعدد الأقطاب محل نظام القطب الواحد في نهاية المطاف.
ليس بالضرورة أن تكون هنالك مرونة في سعر الصرف وحركة لرأس المال العالمي بشكل كامل لكي يحصل بلد ما على مكانة عملة الاحتياط. ففي حقبة قاعدة الصرف بالذهب كان الدولار مهيمنا على الرغم من ثبات سعر الصرف وضوابط رأس المال الواسعة الانتشار.
وفي حين أن الصين قد تكون لديها ضوابط (قيود) على رأس المال إلا أن الولايات المتحدة لديها هي نفسها أيضا نسختها من هذه القيود التي قد تقلل من جاذبية الأصول الدولارية وسط الأعداء والأصدقاء النسبيين. تشمل هذه القيود العقوبات المالية ضد منافسيها والقيود على الاستثمارات القادمة من الخارج في بعض القطاعات والشركات الحساسة لأمنها القومي بل حتى العقوبات الثانوية ضد الأصدقاء الذين ينتهكون العقوبات الأساسية.
في ديسمبر نفذت الصين والسعودية أول معاملة لهما بعملة الرينمينبي. وليس مبالغة الاعتقاد بأن بيجينج يمكنها أن تعرض على السعودية وبلدان مجلس التعاون الخليجي النفطية إمكانية تجارة النفط بالرينمينبي والاحتفاظ بحصة أكبر من احتياطياتها بالعملة الصينية.
في الغالب قد تبدأ قريبا بلدان مجلس التعاون وكذلك العديد من بلدان الاقتصادات الصاعدة في قبول مثل هذه العروض الصينية بالنظر إلى أن تجارتها مع الصين أكبر بكثير من تبادلها التجاري مع الولايات المتحدة.
أيضا المعضلة التي أشار إليها «تريفين» واضحة في نظام العملة الذي يحتفظ فيه بلدُ عملةِ الاحتياط بعجوزات دائمة للحساب الجاري تقوض في النهاية مكانته كبلد لعملة الاحتياط عندما تصبح التزاماته المالية الدولية غير قابلة للاستدامة. (بحسب صندوق النقد الدولي، كشف الاقتصادي روبرت تريفين في شهادته أمام الكونجرس عام 1960 عن مشكلة جوهرية في النظام النقدي الدولي وهي أن الولايات المتحدة إذا توقفت عن تسجيل عجوزات في ميزان مدفوعاتها سيفقد المجتمع الدولي أكبر مصدر له لزيادة احتياطاته النقدية. وستكون النتيجة نقصا في السيولة قد يدفع اقتصاد العالم إلى دوامة انكماش تقود إلى عدم الاستقرار. ومن جهة أخرى يفضي الإفراط في عجوزات الولايات المتحدة أو تُخمة الدولار إلى تآكل الثقة في الدولار وبالتالي لن يُقبل كعملة احتياط دولية. وقد ينهار سعر الصرف الثابت ويقود أيضا إلى عدم الاستقرار– المترجم) يتشكك النقَّاد في قدرة عملة البلد الذي يواجه «فائضا» دائما في الحساب الجاري على اكتساب مكانة عملة الاحتياط. لكن الصين على أية حال قد تكون متجهة نحو نموذج نموٍّ أقل اعتمادا على الفوائض التجارية.
كما من المفارقة التاريخية أيضا أن الولايات المتحدة التي تراجعت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحوالي النصف إلى 20% منذ الحرب العالمية الثانية لا تزال مسؤولة على الأقل عن ثلثي ما يسمي بمعاملات العملة الوسيطة (استخدام عملتها كوسيلة لنقل القيمة من بلد إلى بلد آخر وبالتالي تيسير التجارة والاستثمار الدوليين – المترجم).
النظام الحالي يجعل بلدان اقتصادات الأسواق الصاعدة عُرضة للتأثر «ماليا واقتصاديا» بالتغيرات في السياسة النقدية للولايات المتحدة المدفوعة بعوامل داخلية مثل التضخُّم.
أخيرا، التقنيات الجديدة بما في ذلك العملات الرقمية للبنوك المركزية وأنظمة المدفوعات من شاكلة «ويشات باي» ومثيلتها «على باي» وترتيبات تبادل العملات بين الصين والبلدان الأخرى وبدائل «سويفت» ستعجِّل بمجيء نظام نقدي ومالي دولي ثنائي القطبية.
لكل هذه الأسباب من المرجح حدوث تدهور نسبي للدولار الأمريكي بوصفه عملة الاحتياط الرئيسية خلال العقد القادم. أيضا التنافس الجيوسياسي المتصاعد بين واشنطن وبيجينج سينعكس حتما في نظام دولي ثنائي القطبية لعملة الاحتياط.
نورِييل روبيني أستاذ شرف بمدرسة ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك وكبير الاقتصاديين بفريق أطلس كابيتال.
عن الفاينانشال تايمز
ظل الدولار الأمريكي عملةَ الاحتياط الدولية المهيمنة منذ تأسيس نظام بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يغير حتى التحوُّل من أسعار الصرف الثابتة في أوائل السبعينات من الامتياز المُغالَى فيه للعملة الأمريكية. (بفضل هذا الامتياز تقترض الولايات المتحدة بفائدة أقل وتموِّل عجزها التجاري بسهولة أكثر مقارنة بالبلدان الأخرى - المترجم).
لكن نظرا لتحويل الدولار باطّراد إلى سلاح لأغراض تتعلق بالأمن القومي وتزايد التنافس الجيوسياسي بين الغرب والقوى المراجعة (للترتيبات الدولية القائمة) مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية يرى البعض أن تفكيك الدَّوْلَرَة سيتسارع. هذه العملية مدفوعة أيضا بظهور العملات الرقمية للبنوك المركزية التي يمكن أن تقود إلى نظام بديل متعدد الأقطاب للعملات والمدفوعات الدولية.
يحاجج المتشككون بأن الحصة العالمية للدولار الأمريكي كوحدة للحساب تعني عدم تراجع دوره كثيرا كوسيلة للمدفوعات وكمخزن للقيمة على الرغم من الثرثرة عن «تدهورٍ لا رجعة عنه» لمكانته الدولية. كما يشيرون أيضا إلى أنك لا يمكن أن تستبدل شيئا بلا شيء. وكما عبر عن ذلك وزير الخزانة الأمريكي السابق لورانس سمرز فإن «أوروبا متحف واليابان مركز إيواء للعجزة والصين سجن».
وتشير الحجج الأكثر دقة إلى أن هنالك اقتصادات كبيرة وشبكات مالية تقود إلى احتكار نسبي في مكانة عملة الاحتياط الدولية وأن عملة الرينمينبي الصينية لا يمكنها أن تتحول إلى عملة احتياط حقيقية ما لم يتم التخلي عن قيود رأس المال وجعل سعر الصرف أكثر مرونة.
إلى ذلك يجب أن يقبل بلدُ عملةِ الاحتياط (كما ظلت الولايات المتحدة تفعل ذلك منذ فترة طويلة) تسجيلَ عجوزات دائمة في الحساب الجاري من أجل إصدار التزاماتٍ كافية يحتفظ بها غير المقيمين كطرف مقابل.
أخيرا يجادل أمثال هؤلاء المتشككين بأن كل المحاولات لإيجاد نظام متعدد الأقطاب لعملة الاحتياط فشلت حتى الآن في الحلول محل الدولار (بما في ذلك سَلَّة حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي التي تشمل الرينمينبي الصيني).
هذه النقاط المثارة ربما كانت لديها في وقت ما بعض الوجاهة. لكن في عالم يزداد انقسامه إلى مجالين جيو- سياسيين للنفوذ (يُحيطان بالولايات المتحدة والصين) من المرجح أن يحل نظام عملة احتياط ثنائي القطبية وليس متعدد الأقطاب محل نظام القطب الواحد في نهاية المطاف.
ليس بالضرورة أن تكون هنالك مرونة في سعر الصرف وحركة لرأس المال العالمي بشكل كامل لكي يحصل بلد ما على مكانة عملة الاحتياط. ففي حقبة قاعدة الصرف بالذهب كان الدولار مهيمنا على الرغم من ثبات سعر الصرف وضوابط رأس المال الواسعة الانتشار.
وفي حين أن الصين قد تكون لديها ضوابط (قيود) على رأس المال إلا أن الولايات المتحدة لديها هي نفسها أيضا نسختها من هذه القيود التي قد تقلل من جاذبية الأصول الدولارية وسط الأعداء والأصدقاء النسبيين. تشمل هذه القيود العقوبات المالية ضد منافسيها والقيود على الاستثمارات القادمة من الخارج في بعض القطاعات والشركات الحساسة لأمنها القومي بل حتى العقوبات الثانوية ضد الأصدقاء الذين ينتهكون العقوبات الأساسية.
في ديسمبر نفذت الصين والسعودية أول معاملة لهما بعملة الرينمينبي. وليس مبالغة الاعتقاد بأن بيجينج يمكنها أن تعرض على السعودية وبلدان مجلس التعاون الخليجي النفطية إمكانية تجارة النفط بالرينمينبي والاحتفاظ بحصة أكبر من احتياطياتها بالعملة الصينية.
في الغالب قد تبدأ قريبا بلدان مجلس التعاون وكذلك العديد من بلدان الاقتصادات الصاعدة في قبول مثل هذه العروض الصينية بالنظر إلى أن تجارتها مع الصين أكبر بكثير من تبادلها التجاري مع الولايات المتحدة.
أيضا المعضلة التي أشار إليها «تريفين» واضحة في نظام العملة الذي يحتفظ فيه بلدُ عملةِ الاحتياط بعجوزات دائمة للحساب الجاري تقوض في النهاية مكانته كبلد لعملة الاحتياط عندما تصبح التزاماته المالية الدولية غير قابلة للاستدامة. (بحسب صندوق النقد الدولي، كشف الاقتصادي روبرت تريفين في شهادته أمام الكونجرس عام 1960 عن مشكلة جوهرية في النظام النقدي الدولي وهي أن الولايات المتحدة إذا توقفت عن تسجيل عجوزات في ميزان مدفوعاتها سيفقد المجتمع الدولي أكبر مصدر له لزيادة احتياطاته النقدية. وستكون النتيجة نقصا في السيولة قد يدفع اقتصاد العالم إلى دوامة انكماش تقود إلى عدم الاستقرار. ومن جهة أخرى يفضي الإفراط في عجوزات الولايات المتحدة أو تُخمة الدولار إلى تآكل الثقة في الدولار وبالتالي لن يُقبل كعملة احتياط دولية. وقد ينهار سعر الصرف الثابت ويقود أيضا إلى عدم الاستقرار– المترجم) يتشكك النقَّاد في قدرة عملة البلد الذي يواجه «فائضا» دائما في الحساب الجاري على اكتساب مكانة عملة الاحتياط. لكن الصين على أية حال قد تكون متجهة نحو نموذج نموٍّ أقل اعتمادا على الفوائض التجارية.
كما من المفارقة التاريخية أيضا أن الولايات المتحدة التي تراجعت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحوالي النصف إلى 20% منذ الحرب العالمية الثانية لا تزال مسؤولة على الأقل عن ثلثي ما يسمي بمعاملات العملة الوسيطة (استخدام عملتها كوسيلة لنقل القيمة من بلد إلى بلد آخر وبالتالي تيسير التجارة والاستثمار الدوليين – المترجم).
النظام الحالي يجعل بلدان اقتصادات الأسواق الصاعدة عُرضة للتأثر «ماليا واقتصاديا» بالتغيرات في السياسة النقدية للولايات المتحدة المدفوعة بعوامل داخلية مثل التضخُّم.
أخيرا، التقنيات الجديدة بما في ذلك العملات الرقمية للبنوك المركزية وأنظمة المدفوعات من شاكلة «ويشات باي» ومثيلتها «على باي» وترتيبات تبادل العملات بين الصين والبلدان الأخرى وبدائل «سويفت» ستعجِّل بمجيء نظام نقدي ومالي دولي ثنائي القطبية.
لكل هذه الأسباب من المرجح حدوث تدهور نسبي للدولار الأمريكي بوصفه عملة الاحتياط الرئيسية خلال العقد القادم. أيضا التنافس الجيوسياسي المتصاعد بين واشنطن وبيجينج سينعكس حتما في نظام دولي ثنائي القطبية لعملة الاحتياط.
نورِييل روبيني أستاذ شرف بمدرسة ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك وكبير الاقتصاديين بفريق أطلس كابيتال.
عن الفاينانشال تايمز