بعدما حكى الأب قصة جميلة لطفلته البريئة في تلك الليلة الهادئة المليئة بضوضاء البرد على تلك الأجساد التي تنتظر غدا أجمل.. قال الأب لطفلته وهو يداعب شعرها المنساب على وجهها البريء غدا سنرى الشمس أدفأ من الأمس وسنطعم العصافير من خبز الصباح..

احتضنها وناما للأبد بعد أن انشقت الأرض لتبتلع أحلامهم!

لم يتوقع أحد ما الذي سيحدث في ذلك الفجر المأساوي المتخم بالحزن بعد زلزال عنيف مدمر بتركيا وسوريا أحدث في لحظات أكبر كارثة إنسانية في الفقد والألم لحجم الأضرار والمآسي التي لا تنقصنا.

مدن بأكملها تدمرت على رؤوس كل من فيها ليصبح عدد الضحايا بالآلاف من الموتى تحت الأنقاض.

لم يفرق الزلزال بين شاب ومسن وامرأة وطفل، لم يفرق الموت في ذلك الفجر بين الحزين أو المبتهج، فكانت مشاهد الموت أكبر من أن تتحملها النفس الإنسانية السوية!

آه على ذلك المشهد الذي عكس حجم الألم.. الأب محتضن طفلته وهي تلف بيدها بكل اطمئنان جسد والدها رغم رعب المشهد وهما يفارقان الحياة سويا!

ما الحياة وما المعنى الحقيقي لحياتنا أمام هذا المشهد؟!

كم منهم قبل نومته الأخيرة كان سعيدا أو تعيسا أو ظالما أو مظلوما أو مكسورا حزينا على أمر يحبه!

كم من طفل في تلك الليلة نام نومته الأخيرة قبل أن يتساقط السقف على أحلامه البريئة وهو في قمة سعادته على قطعة حلوى أو لعبة أو قبلة حب من والديه؟!

وكم من طفل في المقابل قد ذهب لفراشه الأخير وهو مكسور الخاطر محروم من بهجة تنعش طفولته!؟

لا يمكن أن تمر كل هذه الفواجع دون أن نتوقف ونرى المشهد من الأعلى قبل وقوعه بساعات أو دقائق أو ثوانٍ..

كيف كان حالهم قبل الرحيل؟!

هل كل ما يحدث يجب أن يجعلنا أكثر وعيا لكل لحظة من حياتنا؟!

كيف هي حياتك؟!

ما معنى الحياة معك؟!

هل تعلم أن أغلب الفلاسفة أخذوا وقتا طويلا وجدلا كثيرا لتعريف معنى الحياة وفق منظورهم وحكمتهم وعمق نظرتهم؟!

أنا هنا لا يهمني نقل تجاربهم مع الحياة، كل الذي يهمني هنا أن نتوقف كثيرا من أجل التأمل لنعي جميعا وفق نظرتنا معنى الحياة؟!

ماذا تريد من هذه اللحظة التي تملكها؟!

هل تود أن تقضيها في كراهية أحد؟!

أم في ظلم أحد؟!

أم في إسعاد الآخرين وإفشاء السلام الذي ينعكس من فطرتك؟!

هل ستقضي اللحظة التي تملكها من أجل خير أعظم وحب أكبر أم العكس؟!

هل ستقضي لحظتك الآن في مراقبة الناس وعيوبهم، أم في مراقبة ذاتك وإصلاحها للأجمل؟!

هل ستقضي هذه اللحظات التي تملكها في متابعة ما بحوزة الآخرين؟!

أم في الحمد والثناء لكل ما تملك؟!

سأخبركم هنا بقصة حدثت لي قبل فترة من الآن بالنسبة للنعم التي لا نشعر بها، فقد أخبرني الطبيب بأن عملية أخرى لتصحيح النظر لا يمكن إجراؤها لي بعد أن استنزفت العملية الأولى جزءا كبيرا من القرنية، فحزنت جدا لأنني ما زلت سجين النظارة التي تتحكم حتى بكمية الألوان والضوء الذي أراه.

في وسط ذلك الشعور هاتفني صديق كفيف مبدع اسمه خميس السلطي ليخبرني بأن هناك فعالية اسمها «عشاء تحت الظلام» يجب أن أحضرها تشجيعا للقائمين عليها وتجربة ذلك شخصيا، فما كان مني إلا أن حضرت في يوم الفعالية لأدخل تحت ظلام شديد وبرفقة خميس وهو يقودنا بنور بصيرته إلى طاولتنا بشكل مذهل!

جلسنا في مقاعدنا وبعد لحظات أتى بنفسه بعشائنا قائلا: حان وقت الطعام، ولن أخبركم كم كان الوضع صعبا للغاية فلم نستطع أن نأكل ونحن لا نرى إلا سوادا قاتما!

أصبحنا نتلمس بحذر الطعام لنحاول جاهدين الأكل ولو القليل، ليرد علينا قائلا هل تعلمون بأن طعامنا في كل لحظة هكذا وبهذه الصعوبة وهذا الشعور؟!

توقفت كثيرا مع نفسي لأعي بأن هذا النظر القليل الذي أملكه في هذه اللحظة أعظم من أي شيء في الحياة لأن غيري محروم منه في اختباره العظيم!

أما اليوم وبعد الزلزال أصبحت أفكر كثيرا ماذا لو كان أحدنا هناك؟!

ماذا لو كان أحدنا مكان الأب الذي يحتضن طفلته وكل عدسات الناس المفجوعة تظهر الموت فينا ونحن لا نرى إلا البرزخ؟!

يجب أن نشعر بأن معنى الحياة هو أن نعيش لحظاتنا دون أن نؤذي أحدا، أن نحاول بقدر ما لدينا من ذكاء وطاقة إسعاد أطفالنا وعائلاتنا، أن نعاهد أنفسنا بقدر المستطاع بأن لا تنام أعينهم إلا وقلوبهم مليئة بالبهجة والاطمئنان لتحتضن مشاعرهم أحلامهم.

فالإيمان حقا تطبيق أخلاق إنسانيتنا العظيمة التي خلقها الله بالفطرة السليمة لكل من حولنا، فمنهم من استطاع أن يخرج كل مكامن خيرها، ومنهم من تركها ليواصل لحظاته في أذى الآخرين بشتى الطرق!

كل حادثة مؤلمة نشهدها ليست صدفة وانتهت، بل هي رسالة ربانية عظيمة موجهة لنا لنعي حقا قيمة اللحظة من حياتنا قبل النهاية، وكيف يجب أن نستثمرها في الخير والسلام.

نصر البوسعيدي - كاتب عماني