- 1 -
كانت مفاجأة سعيدة لي وأنا أتجول في رحاب معرض الكتاب الأخير بالقاهرة، أن أجد طبعات جديدة من أعمال الروائي الراحل القدير إدوار الخراط (1926-2015) وجدت أمامي خمسة من أعماله الروائية المهمة، صدرت عن دار المحروسة للنشر (وهي بالمناسبة الدار التي ظفرت بجائزة أحسن دار نشر ضمن جوائز معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ 54 الذي انقضت دورته منذ أيام أخيرة).
خمسة أعمال روائية من أهم روايات إدوار الخراط، في طبعة جديدة بأغلفة جديدة وعصرية، بل وشبابية أيضًا، فضلا على العناوين ذاتها؛ وبيانها كالتالي: "تباريح الوقائع والجنون (تنويعات روائية)"، و"اختراقات الهوى والتهلكة (نزوات روائية)"، ومن قبلهما أعادت المحروسة نشر وطباعة رواياته الشهيرة؛ "ترابها زعفران"، و"يا بنات الإسكندرية"، و"حريق الأخيلة".
وهذه النصوص الخمسة تحديدًا مثلت إشكالية في تصنيفها بين الرواية الخالصة، وبين رواية السيرة الذاتية؛ وعن ذلك يقول إدوار الخراط نفسه -الذي كان فضلًا على إبداعه الروائي والقصصي الخالص كان ناقدا ومنظرا مهما للأنواع الأدبية الحديثة- يقول الخراط:
"ليست هذه النصوص سيرة ذاتية، ولا شيئًا قريبًا منها. ففيها من شطح الخيال، ومن صَنعَةِ الفَنِّ ما يشطُّ بها كثيرًا عن ذلك. فيها أوهام -أحداث، ورؤى- شخوص، ونُويَّات من الوقائع هي أحلام، وسحابات من الذكريات التي كان ينبغي أن تقع، ولكنها لم تحدث أبدًا. لعلَّها أن تكون صيرورةً، لا سيرة. وليست، فقط، ذاتيَّة. هي وَجْدٌ، وفقدان، بالمدينة الرخامية، البيضاء - الزرقاء، التي ينسجها القلب باستمرار، ويطفو دائمًا على وجهها المُزبِدُ المُضيء. إسكندرية، يا إسكندرية، أنتِ لستِ -فقط- لؤلؤة العُمرِ الصُّلبة في محارتها غير المفضوضة. مع ذلك، أنشودتي إليكِ ليست إلَّا غَمغَمَةً وهَينَمَة".
- 2 -
في هذه النصوص الخمسة السابقة، بل في مجمل أعمال إدوار الخراط، وخصوصا عالمه الروائي، تستمد معظم رواياته هويتها من بيئته الشعبية المحلية في "الإسكندرية" التي تمثل الفضاء المكاني الأثير لإدوار الخراط، ويلحظ قارئه المدقق شريطا احتفاليا متدفقا، تصاحبه الأناشيد والترانيم لبعض الأماكن التي ترتبط بذكرياته الحميمة والقارة في اللا وعي، كالإسكندرية وشواطئها، وحي راغب، وحي غيط العنب الذي قضى فيه طفولته، وبعض المواقع الأثرية الأخرى التي نراها في روايتيه "الزمن الآخر"، و "حجارة بوبيللو"، على سبيل المثال، وفي "يا بنات إسكندرية" و"ترابها زعفران" بشكل أخص.
هذه الأماكن التي يضفي عليها هالة خاصة أو عبقا فريدا يحولانها من مجرد واقع إلى عالم سحري تنفذ فيه الشاعرية إلى أبسط الأشياء. تتميز إسكندرية إدوار الخراط باستحضار مفردات الثقافة القبطية؛ العادات والتقاليد والطقوس الدينية، مبلورا الخصائص الذاتية، اجتماعيا وثقافيا وأنثروبولوجيا، للشخصية المصرية القبطية.
يقول إدوار الخراط مضيئا هذه المساحة "إنني إسكندراني المولد والنشأة، قضيت في الإسكندرية أخصب فترات العمر، حتى أبريل عام 1955، عندما جئت إلى القاهرة وأنا صعيدي الأصل والمنبت، وقد قضيت في الصعيد ثلاث فترات: الأولى في الطفولة الباكرة جدا، في فترة النسيان الطفولي وإن كنت أذكر منها صورا وأحداثا حادة كأنها وقعت لي في حلم لا ينسى، والثانية في السابعة من عمري عندما مررت بتجربة خطيرة، والثالثة في إبان اشتداد الغارات الجوية على الإسكندرية في صيف 1941، عندما كنت في الخامسة عشرة. ومع ذلك، فأحس إنني ما زلت أعيش حقا في الإسكندرية، هي بيتي وموطني، وفي الصعيد معا، تربة جذوري وأرض أهلي وناسي، وإنني عابر سبيل في القاهرة أمضيت فيها عقودا كأنني على سفر".
- 3 -
تتميز كتابات إدوار الخراط السردية المدهشة (في الرواية والقصة تحديدا) بالتجريب المستمر، والمنفتح على الآخر، والرغبة الدائمة في الثورة على الثوابت والهياكل والقواعد أيا ما كانت! بالإضافة إلى الوعي النقدي الذي يوازي النقد الإبداعي، ولا ينفصل عنه. كما تتسم كتاباته بالاحتفاء الشديد باللغة، وولعه بكيفية تطويعها.
هذه الكتابات الكثيفة والمتنوعة والمدهشة، في تكويناتها وأبنيتها الجمالية والفكرية، تهيمن عليها في الغالب أجواء من شاعرية مفرطة وفريدة تعطيها مذاقًا خاصا، وتضفي على عالم الأشياء فيها حياة متكاملة تتواكب فيها الأنغام والأصوات والمناظر واللوحات والروائح بمختلف درجاتها وأنواعها.
وكان الخراط رائدا في ابتداعه لمصطلحات عديدة صارت الآن راسخة ومتداولة في الخطاب النقدي العربي؛ منها مصطلح "القصة/ القصيدة"، يريد بذلك التعبير عن منهجه ورؤيته للكتابة التي يراها من وجهة نظره موائمة لعملية الدمج بين عنصري الشعر والقص.
ومنها مصطلح "الحساسية الجديدة" التي يميز بها جماليات الكتابة الستينية إذا جاز التعبير وما بعدها عن جماليات الكتابة المحفوظية وما قبلها. ومنها مصطلح "عبر النوعية/ النصوص العابرة للنوع" ولعل هذا المصطلح وحده هو الأكثر تداولا وانتشارا وتأملا وفهما في العقد الأخير، وأظنه في حاجة إلى تأمل من نوع خاص واستجلاء لطبيعته ومفهومه وإمكانية تطبيقه على نصوص عديدة في أدبنا المعاصر.
- 4 -
باقتدار يرصد الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة بعض ملامح التجربة "الخراطية"، في عمومها، وإسهامها الغزير المتنوع واللافت، بين الإبداع والنقد والتنظير والتأمل الفلسفي؛ يقول حسين حمودة:
"قدّم إدوار الخراط ما قدّمه، وكان هو نفسه في كل ما قدّم. تمثَّل هذا المعنى في تجربته المترامية كلها: في الرواية والقصة، والشعر، والمسرح، والنقد، والترجمة، وفيما بين التخوم الجاهزة داخل هذا كله، بما جعل بعض نصوصه وبعض تصوراته تنطلق من تسميات غير التسميات: (الكولاج القصصي - النزوات الروائية - المتوالية القصصية.. إلخ). وفي هذا كله، أيضًا، صاغ معالم أخرى، وطرح تصورات جديدة، حقيقية وعميقة، حول اللغة، والهوية الوطنية، وحول علاقة أبناء الوطن الواحد، أيًا كانت ديانتهم، وحول العدالة الغائبة، وحول معنى "التعدد" وقيمته الكبرى في التكوين المصري، والعربي، والإنساني، وحول التداخل بين العلم والغيب والطقس والشعيرة، وحول الممارسة الواحدة التي يمكن أن تحتوي بداخلها الصوفي، والأسطوري، والفلسفي، والواقعي، وحول الزمن بمراوغاته التي قد تقفز علي فترات طويلة، وقد تتوقف -بتعبيره الأثير- عند "لحظة تعدل دهرًا بأكمله"... في هذا كله، وغيره، قدم إدوار الخراط عطاءه الكبير".
جاء إنتاج إدوار الخراط الأدبي، عبر مسيرة حياته الحافلة، متنوعا وغزيرا ومتداخلا بين الرواية والقصة والشعر، على خلفيات ثقافية وفكرية متنوعة أيضًا، ومتعددة الروافد، من أبرزها وأهمها، كما لخصها أحد دارسيه الكبار: التاريخ المصري القديم، التصوف في الديانات التوحيدية الثلاث، تقاليد المدرسة الرمزية بتطوراتها الفرنسية والإنجليزية المختلفة بدءًا من مالارميه وبودلير حتى ييتس، وشبقية الماركيز دو صاد العنيفة، والتجربة الداخلية لدى الكاتب والمفكر الفرنسي جورج باتاي، مطعمًا ذلك كله باستبصارات الكاتب الفرنسي المتميز موريس بلانشو.
وقد أسهمت ثقافته الفرنسية الرفيعة، إلى جانب اعتداده الراسخ بمصريته وثقافته المسيحية، في استكشاف أساليب مبتكرة في الكتابة الأدبية، تأخذ في اعتبارها الشروط التاريخية الخاصة وتتجاوزها في آنٍ معًا.
- 5 -
وأتصور أن إعادة طباعة ونشر هذا الكم من الأعمال خلال العام الأخير لواحد من كبار روائيينا من ذوي الطريقة المخصوصة المركبة في السرد، والتخييل الروائي، ولا أتردد في اعتباره أحد السابقين المارقين في تجديد الشكل الروائي، وتدشين حداثة روائية عربية خاصة وخالصة، تحمل دلالات عدة لعل من أهمها وأبرزها في اعتقادي هي التنقيب عن القيمة الجمالية والأعمال الأصيلة في تراثنا القريب ووضعها من جديد في بؤرة المشهد في ظل الانفجار المعلوماتي والاتصالي المجنون الذي يحاصرنا من كل جانب.
الدلالة الثانية فيما أظن أن هناك جيلا أو أجيالا من القراء الجدد والكتاب الجدد يعيدون البحث والتنقيب عن نماذج جمالية فريدة ومتميزة في تراثنا السردي وخاصة الرواية في القرنين الأخيرين. أفترض أن لدينا إرثا روائيا عظيما لم يكتشف بعد ولم يقرأ بعد ولم يتأسس عليه انطلاقات جمالية وتشكيلية يمكن أن تضيف إضافات عظيمة للمشهد الروائي في العالم أجمع.
فباستثناء نجيب محفوظ ويوسف إدريس والطيب صالح، هناك أسماء غاية في الأهمية أظن أنها لم تقرأ كما يجب ولم تعرف كما تستحق؛ مثالا على ما أقول، عبد الرحمن منيف، وإميل حبيبي، إبراهيم الكوني وفتحي غانم وسعد مكاوي والطاهر وطار، وأضيف إدوار الخراط...
(وللحديث بقية)
كانت مفاجأة سعيدة لي وأنا أتجول في رحاب معرض الكتاب الأخير بالقاهرة، أن أجد طبعات جديدة من أعمال الروائي الراحل القدير إدوار الخراط (1926-2015) وجدت أمامي خمسة من أعماله الروائية المهمة، صدرت عن دار المحروسة للنشر (وهي بالمناسبة الدار التي ظفرت بجائزة أحسن دار نشر ضمن جوائز معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ 54 الذي انقضت دورته منذ أيام أخيرة).
خمسة أعمال روائية من أهم روايات إدوار الخراط، في طبعة جديدة بأغلفة جديدة وعصرية، بل وشبابية أيضًا، فضلا على العناوين ذاتها؛ وبيانها كالتالي: "تباريح الوقائع والجنون (تنويعات روائية)"، و"اختراقات الهوى والتهلكة (نزوات روائية)"، ومن قبلهما أعادت المحروسة نشر وطباعة رواياته الشهيرة؛ "ترابها زعفران"، و"يا بنات الإسكندرية"، و"حريق الأخيلة".
وهذه النصوص الخمسة تحديدًا مثلت إشكالية في تصنيفها بين الرواية الخالصة، وبين رواية السيرة الذاتية؛ وعن ذلك يقول إدوار الخراط نفسه -الذي كان فضلًا على إبداعه الروائي والقصصي الخالص كان ناقدا ومنظرا مهما للأنواع الأدبية الحديثة- يقول الخراط:
"ليست هذه النصوص سيرة ذاتية، ولا شيئًا قريبًا منها. ففيها من شطح الخيال، ومن صَنعَةِ الفَنِّ ما يشطُّ بها كثيرًا عن ذلك. فيها أوهام -أحداث، ورؤى- شخوص، ونُويَّات من الوقائع هي أحلام، وسحابات من الذكريات التي كان ينبغي أن تقع، ولكنها لم تحدث أبدًا. لعلَّها أن تكون صيرورةً، لا سيرة. وليست، فقط، ذاتيَّة. هي وَجْدٌ، وفقدان، بالمدينة الرخامية، البيضاء - الزرقاء، التي ينسجها القلب باستمرار، ويطفو دائمًا على وجهها المُزبِدُ المُضيء. إسكندرية، يا إسكندرية، أنتِ لستِ -فقط- لؤلؤة العُمرِ الصُّلبة في محارتها غير المفضوضة. مع ذلك، أنشودتي إليكِ ليست إلَّا غَمغَمَةً وهَينَمَة".
- 2 -
في هذه النصوص الخمسة السابقة، بل في مجمل أعمال إدوار الخراط، وخصوصا عالمه الروائي، تستمد معظم رواياته هويتها من بيئته الشعبية المحلية في "الإسكندرية" التي تمثل الفضاء المكاني الأثير لإدوار الخراط، ويلحظ قارئه المدقق شريطا احتفاليا متدفقا، تصاحبه الأناشيد والترانيم لبعض الأماكن التي ترتبط بذكرياته الحميمة والقارة في اللا وعي، كالإسكندرية وشواطئها، وحي راغب، وحي غيط العنب الذي قضى فيه طفولته، وبعض المواقع الأثرية الأخرى التي نراها في روايتيه "الزمن الآخر"، و "حجارة بوبيللو"، على سبيل المثال، وفي "يا بنات إسكندرية" و"ترابها زعفران" بشكل أخص.
هذه الأماكن التي يضفي عليها هالة خاصة أو عبقا فريدا يحولانها من مجرد واقع إلى عالم سحري تنفذ فيه الشاعرية إلى أبسط الأشياء. تتميز إسكندرية إدوار الخراط باستحضار مفردات الثقافة القبطية؛ العادات والتقاليد والطقوس الدينية، مبلورا الخصائص الذاتية، اجتماعيا وثقافيا وأنثروبولوجيا، للشخصية المصرية القبطية.
يقول إدوار الخراط مضيئا هذه المساحة "إنني إسكندراني المولد والنشأة، قضيت في الإسكندرية أخصب فترات العمر، حتى أبريل عام 1955، عندما جئت إلى القاهرة وأنا صعيدي الأصل والمنبت، وقد قضيت في الصعيد ثلاث فترات: الأولى في الطفولة الباكرة جدا، في فترة النسيان الطفولي وإن كنت أذكر منها صورا وأحداثا حادة كأنها وقعت لي في حلم لا ينسى، والثانية في السابعة من عمري عندما مررت بتجربة خطيرة، والثالثة في إبان اشتداد الغارات الجوية على الإسكندرية في صيف 1941، عندما كنت في الخامسة عشرة. ومع ذلك، فأحس إنني ما زلت أعيش حقا في الإسكندرية، هي بيتي وموطني، وفي الصعيد معا، تربة جذوري وأرض أهلي وناسي، وإنني عابر سبيل في القاهرة أمضيت فيها عقودا كأنني على سفر".
- 3 -
تتميز كتابات إدوار الخراط السردية المدهشة (في الرواية والقصة تحديدا) بالتجريب المستمر، والمنفتح على الآخر، والرغبة الدائمة في الثورة على الثوابت والهياكل والقواعد أيا ما كانت! بالإضافة إلى الوعي النقدي الذي يوازي النقد الإبداعي، ولا ينفصل عنه. كما تتسم كتاباته بالاحتفاء الشديد باللغة، وولعه بكيفية تطويعها.
هذه الكتابات الكثيفة والمتنوعة والمدهشة، في تكويناتها وأبنيتها الجمالية والفكرية، تهيمن عليها في الغالب أجواء من شاعرية مفرطة وفريدة تعطيها مذاقًا خاصا، وتضفي على عالم الأشياء فيها حياة متكاملة تتواكب فيها الأنغام والأصوات والمناظر واللوحات والروائح بمختلف درجاتها وأنواعها.
وكان الخراط رائدا في ابتداعه لمصطلحات عديدة صارت الآن راسخة ومتداولة في الخطاب النقدي العربي؛ منها مصطلح "القصة/ القصيدة"، يريد بذلك التعبير عن منهجه ورؤيته للكتابة التي يراها من وجهة نظره موائمة لعملية الدمج بين عنصري الشعر والقص.
ومنها مصطلح "الحساسية الجديدة" التي يميز بها جماليات الكتابة الستينية إذا جاز التعبير وما بعدها عن جماليات الكتابة المحفوظية وما قبلها. ومنها مصطلح "عبر النوعية/ النصوص العابرة للنوع" ولعل هذا المصطلح وحده هو الأكثر تداولا وانتشارا وتأملا وفهما في العقد الأخير، وأظنه في حاجة إلى تأمل من نوع خاص واستجلاء لطبيعته ومفهومه وإمكانية تطبيقه على نصوص عديدة في أدبنا المعاصر.
- 4 -
باقتدار يرصد الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة بعض ملامح التجربة "الخراطية"، في عمومها، وإسهامها الغزير المتنوع واللافت، بين الإبداع والنقد والتنظير والتأمل الفلسفي؛ يقول حسين حمودة:
"قدّم إدوار الخراط ما قدّمه، وكان هو نفسه في كل ما قدّم. تمثَّل هذا المعنى في تجربته المترامية كلها: في الرواية والقصة، والشعر، والمسرح، والنقد، والترجمة، وفيما بين التخوم الجاهزة داخل هذا كله، بما جعل بعض نصوصه وبعض تصوراته تنطلق من تسميات غير التسميات: (الكولاج القصصي - النزوات الروائية - المتوالية القصصية.. إلخ). وفي هذا كله، أيضًا، صاغ معالم أخرى، وطرح تصورات جديدة، حقيقية وعميقة، حول اللغة، والهوية الوطنية، وحول علاقة أبناء الوطن الواحد، أيًا كانت ديانتهم، وحول العدالة الغائبة، وحول معنى "التعدد" وقيمته الكبرى في التكوين المصري، والعربي، والإنساني، وحول التداخل بين العلم والغيب والطقس والشعيرة، وحول الممارسة الواحدة التي يمكن أن تحتوي بداخلها الصوفي، والأسطوري، والفلسفي، والواقعي، وحول الزمن بمراوغاته التي قد تقفز علي فترات طويلة، وقد تتوقف -بتعبيره الأثير- عند "لحظة تعدل دهرًا بأكمله"... في هذا كله، وغيره، قدم إدوار الخراط عطاءه الكبير".
جاء إنتاج إدوار الخراط الأدبي، عبر مسيرة حياته الحافلة، متنوعا وغزيرا ومتداخلا بين الرواية والقصة والشعر، على خلفيات ثقافية وفكرية متنوعة أيضًا، ومتعددة الروافد، من أبرزها وأهمها، كما لخصها أحد دارسيه الكبار: التاريخ المصري القديم، التصوف في الديانات التوحيدية الثلاث، تقاليد المدرسة الرمزية بتطوراتها الفرنسية والإنجليزية المختلفة بدءًا من مالارميه وبودلير حتى ييتس، وشبقية الماركيز دو صاد العنيفة، والتجربة الداخلية لدى الكاتب والمفكر الفرنسي جورج باتاي، مطعمًا ذلك كله باستبصارات الكاتب الفرنسي المتميز موريس بلانشو.
وقد أسهمت ثقافته الفرنسية الرفيعة، إلى جانب اعتداده الراسخ بمصريته وثقافته المسيحية، في استكشاف أساليب مبتكرة في الكتابة الأدبية، تأخذ في اعتبارها الشروط التاريخية الخاصة وتتجاوزها في آنٍ معًا.
- 5 -
وأتصور أن إعادة طباعة ونشر هذا الكم من الأعمال خلال العام الأخير لواحد من كبار روائيينا من ذوي الطريقة المخصوصة المركبة في السرد، والتخييل الروائي، ولا أتردد في اعتباره أحد السابقين المارقين في تجديد الشكل الروائي، وتدشين حداثة روائية عربية خاصة وخالصة، تحمل دلالات عدة لعل من أهمها وأبرزها في اعتقادي هي التنقيب عن القيمة الجمالية والأعمال الأصيلة في تراثنا القريب ووضعها من جديد في بؤرة المشهد في ظل الانفجار المعلوماتي والاتصالي المجنون الذي يحاصرنا من كل جانب.
الدلالة الثانية فيما أظن أن هناك جيلا أو أجيالا من القراء الجدد والكتاب الجدد يعيدون البحث والتنقيب عن نماذج جمالية فريدة ومتميزة في تراثنا السردي وخاصة الرواية في القرنين الأخيرين. أفترض أن لدينا إرثا روائيا عظيما لم يكتشف بعد ولم يقرأ بعد ولم يتأسس عليه انطلاقات جمالية وتشكيلية يمكن أن تضيف إضافات عظيمة للمشهد الروائي في العالم أجمع.
فباستثناء نجيب محفوظ ويوسف إدريس والطيب صالح، هناك أسماء غاية في الأهمية أظن أنها لم تقرأ كما يجب ولم تعرف كما تستحق؛ مثالا على ما أقول، عبد الرحمن منيف، وإميل حبيبي، إبراهيم الكوني وفتحي غانم وسعد مكاوي والطاهر وطار، وأضيف إدوار الخراط...
(وللحديث بقية)