تقول لي: أحبكَ

أقول لها: أحبكِ

والشاطئ يبحث عن ثمرته.

هكذا يفتح عبدالله حبيب نوافذ الحب في مجموعته (فَاطْمَه) الصادرة عن دار الانتشار العربي عام 2014م، وهكذا يضيء شموعه مشتغلاً على دلالاته الرومانسية، وصُوَره المنفتحة على الشوق والحنين الدائم.

تقدّمُ لنا المجموعة السابقة نصا طويلا في تركيبته الشعرية، قائما على مقاطع شعرية قصيرة جدا، مكثّفة في دلالاتها وفكرتها، يتقدّمه إهداء إلى الاسم نفسه عنوان المجموعة؛ إذ تمثّل (فَاطْمَه) هنا الرؤيا الشعرية للحُب، والشوق، وجماليات الروح الداخلية، وتماهي الإنسان مع الكون والحياة والطبيعة والبيئة. إنّ (فَاطْمَه) هنا صورةٌ التقطها الشاعر ليكوّن منها لوحة تمتزج مع الواقع والخيال، ومع الحُب والحزن، ومع الفراق والشوق، ومع الغربة والزمن.

يميل الخطاب الشعري إلى التخيل، بتجسيد الموجودات وابتكار صُوَرٍ حية لها في النص، كما يميل بنا أيضا إلى الواقع بالإحالة على اللحظة الوجدانية بإعادة تشكيل عتبة النص وربطها باللغة العامية الدالة على عمق الارتباط النفسي والوجداني. يؤكد الشاعر على ذلك الارتباط في دلالات الاسم الذي يُشظّي من خلاله صورة العاشق/ الأنثى نصيا، نجده يؤكد على دلالاته الجمالية وعلاقته الخالدة بـ(فَاطْمَه)، الاسم الخالد في ذاكرته من التشكيل الظاهر على الغلاف، وبالإشارة في الصفحات الأولى من المجموعة قائلا: "يُقرأ اسم الشخص/ عنوان النص بالدارجة العمانية حسب التشكيل الوارد (فَاطْمَهْ) وليس بالفصحى (فَاطِمَة)". ص5

إنّ هذا التأكيد شكلا وإقرارا يعطي أهمية للاسم ذاته، وتأكيدا على العلاقة التي تنحت الكلمات داخله من معينها.

يمثّل النص كتلة شعرية واحدة، ومقاطع قصيرة مجزأة إلى أفكار مختلفة تعمل على توزيع رؤية الشاعر فلسفيا ضمن إطار زمني ممتد، مانحا إياه بؤرة يرتكز عليها في عملية الكتابة وهي (فَاطْمَه) التي تعد منطلقا رئيسا في عملية البناء الشعري. في افتتاحية النص الشعري يبدأ عبدالله حبيب بقوله:

أبكيها

كمن يتذكر العشب

ويسقيه

القِطاراتُ في خِدرها

السنواتُ في قميصها

وهنا يفتتح الشاعر نصه بلفظة (أبكيها) وهي مدخل مهم لنص طويل قائم على تيارات الحب والحزن والموت والفقد والفراق والبعد والاشتياق؛ إذ تأتي لفظة البكاء لتقرّب المسافات وتدنيها، إضافة إلى أنّ البكاء عنصر قائم على التذكر المستمر والشوق. إنّ اللفظة هنا أكسبت النص منذ الوهلة الأولى بُعدا حزينا ستنفتح عليه دلالات أخرى لتقويته وتوسيع أجزائه لا سيما في ارتباطها بالحب، فيما تسير لفظتي (القطارات، السنوات) في تعاضدها مع لفظة (أبكيها) معبّرة عن الحركة الزمنية من/ إلى البعيد، إنّ الفقد واضح هنا، دالٌّ على المسافات رغم حصوله في وقت قريب من اللحظة وبقائه في الذاكرة.

يطالعنا نص (فَاطْمَه) محمّلا بالمفارقات المدهشة، والتمازج الفريد، والاشتغال الحركي المنكسر ذاتيا، والمتفاوت من مقطع لآخر، ويُقدّم النص اشتغالات عدّة لحظة تناوله الحب مُضمرا في صُوَرِه وفي لغته نوازع الحزن والغربة والموت والفقد والفراق ثم العودة إلى الحب والشوق مرة أخرى.

كما يحاول تكوين صورة حيّة للجمادات في العلاقة الرومانسية، وإعادة تمثيلها فنيا وفلسفيا بما يخدم الصورة التي يقصدها، نجده في غير مقطع يعبّر عن ذلك يقول مثلاً:

لم تكن تطمعُ كثيراً:

أريدُ فقط أن تكون كتبنا قرب بعضها البعض على رفوفِ المكتبة

أريدُ فقط أن تكون ثيابنا قرب بعضها البعض في خزانة الملابس

...

...

الآن صارت الضلوع قرب بعضها البعض

وصار الفقدُ ممكناً

لقد أوجدتْ دلالات القُرب/ التمني لحظة حدوثها لذّةً يتمناها النص بالإحالة على لحظةٍ أكثر حميمية في التشكّل، وإيجاد علاقة قُرب بين الجمادات في ارتباطها مع الآخر كما هي العلاقة بين قُرب الإنسان مع الآخر. الأمر ذاته في العلاقة المتشكّلة بين طرفين وارتباطهما بالجمادات فقد عملت على إيجاد لحظة بُعد/ قُرب، نجد مثلا:

أخافَنا القربُ كثيراً

فاعتمدنا شرشفاً طويلاً.

الشرشف/ الجماد هنا تقنية يعتمدها النص لإيجاد لحظة بُعد بين الطرفين، هي لحظة قابعة في الذاكرة يستعيدها في الكتابة تعبيراً عن اختلاجات تحدث بين اثنين، نجد ذلك أيضا في:

يصيرُ كل شيء موجوداً حين

يـ

ت

ر

دّ

د

السرير.

يعتمد عبدالله حبيب هذا الأسلوب في غير مقطع من مقاطع النص، إذ يعطي الجمادات حركة مفعمة بالحياة داخل النص تعمل على التأثير والتأثر والتفاعل في إيجاد مكونات تعبيرية نجد ذلك مثل:

-"الباب يتعثّر بهداياكِ"

-"أكتبُ الغرفة

تجهلني الغرفة"

-"الستائر تُكمل الفضيحة"

وتتقاطع لغة عبدالله حبيب في النص بين اللغة الرومانسية الشفيفة العذبة، وبين لغة الحزن، فيصنع منها قاموساً دلالياً رومانسياً من مثل:

-"الحب مجون الرمل"

-"على نحرك

ترتبك الخيول".

-أنسى رائحتي

في ثيابك.

ومرة يصنع منها قاموساً جنائزياً مشبعاً بدلالات الحزن والحنين والشوق:

ماتت الحديقةُ على خصرك الأيمن

تبرعمت الحديقةُ على خصرك الأيسر

إننا أمام نص جامع لدلالات مختلفة، يرتبط في علاقة الحب بتيارات يتفاعل معها النص، ويتشكّل مازجاً في قاموسه الرومانسي بين مؤثرات تصنع من قتامة الصورة إطاراً لها أحياناً، ومروعة أحيانا لاسيما إذا اقترنت بالموت والقبر.

إنّ القارئ للنص يلمح هذا الحضور في اقتران الدلالات، ويلمح اقتران الحب بدلالات الموت والفقد:

كلما تذكرتُها

طرق بابي شخصٌ ميّت

ويقول:

في الموت

لن يسهو عنا الملاك

حتى ولو نسيَنا الحب

وفي مثل:

-"العودة فقد آخر"

-"يهفو الجسدُ للجسد

مثلما يلهو فقدٌ بفقد"

كما يلمح القارئ ارتباط الحب بدلالات الغياب:

لا يتطلب الأمرُ أكثر من غرفةٍ صغيرةٍ

فيها جهازُ تكييف يعمل جيداً

وبطانية مزدوجة ثقيلة

كي يحدث كل هذا الغياب.

يوحي المقطع السابق على سبيل المثال بحدوث علاقة حميمية -وهو إيهام للقارئ بذلك- لكن الجملة الأخيرة أحدثت تصدّعاً في العلاقة المرتقبة، فلفظ الغياب أوجد شرخا في سير الجملة وبنائها وإقامة علاقاتها الدلالية المتمثلة في الغياب.

ومن الملامح المهمة التي يمكن قراءتها في النص هي ارتباط الحب والغياب بالزمن، فللزمن تأثيره في ابتكار الصورة الشعرية، وللزمن تأثيره في تكوين المجازات، وتأثيث اللغة وهيمنتها.

يصبح الزمن عنصرا في العلاقة بين الطرفين، وفي التذكّر رغم طول المسافات واللحظات، فيشتغل الشاعر على إيجاد زمن مواز يصنع منه اللحظة المتداخلة في الذهن، فالزمن منكسر لحظة استعادته، ولحظة الاستذكار:

في غيابها

تزدهرُ الشهور

وتشيخُ السنوات

ويقول:

في الثالثة صباحاً

أنت غائبةٌ

والشارعُ موسيقى

ويقول:

الفجر

منتهى الندم

بداية الغفران

ويقول:

في الفجر

تلتئم المناقير.

هكذا يتداخل الزمن مع لحظة الاستدعاء، لكنه تداخل محمّلٌ بآهات واغترابات عدة، محمل بالندم والغفران، بالغياب والموسيقى، بالالتئام والشيخوخة. إنه زمنٌ متصادم مع المتضادات، تلغى معه حدود الوقت وتختلط الابتسامة بالبكاء، فيعبّر عنها قائلا:

لا تبتسمي أبداً

أخاف من البكاء.

يشتغل نص (فَاطْمِه) على التنويع في ضمائر الخطاب بين استخدام ضمير الغائب من أول النص إلى الصفحة (68) ثم يستخدم ضمائر المخاطب، ثم العودة إلى التنويع بينهما؛ إنه يتعمد هذه المراوحة في نصٍ طويل كهذا، حتى لا يفقد التعبير والدهشة في الفعل، ولا تسقط اللغة منه في فخاخ المباشرة، إنه ينحت صُورَه بطريقة تضج معها دلالات الخطاب إلى/ عن، يقول:

-أتلمسُها بصيراً يبحث عن عتمة.

-كلما تذكرتُها

طرق بابي شخصٌ ميّت

-أُحبُّها

أخشى الكسوف.

-كل الناس يذهبون إلى العمل في الصباح

وأنا في الصباح أحبكِ

-لو كنتُ أدري بالفقد

لأحببتكِ أيضاً.

إنّ نص (فَاطْمَه) طواف شعري في أعماق الشعور الإنساني، يحمل متضادات الحياة لتكوين صور حية عن ماض فائت وإحساس بقادمٍ منكسر. لا تعرف هل هو لحظة فرح أو حزن، لحظة حب أو كره، تتداخل الدلالات ثم تتماهى مشكلة نصا يطوف الفضاءات المختلفة ويسكن جراحات الوقت.