ترجمة: أحمد شافعي -

قبل فترة وجيزة من إجازات ديسمبر، قام السيناتور بوب مينينديز (ديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي) وجيم ريش (جمهوري عن ولاية نيوجيرسي)، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ والعضو البارز فيها، بتقديم رسالة مباشرة إلى قادة لبنان مفادها إنه: إما أن تحرزوا تقدما أو تواجهوا العقوبات.

بعد القيام برحلات متعددة إلى لبنان في العام الماضي، منها رحلة بحضور موظفين من الكونجرس، بات واضحا أن الولايات المتحدة الأمريكية مستمرة في القيام بدور قيادي حيوي لا في مساعدة لبنان على التعافي من هذه الأزمة التاريخية فقط، ولكن أيضا في إعادة بناء أساساته ليصبح بلدا ذا قيادة سياسية ومالية شفافة ذات توجه إصلاحي. هناك إجماع كاسح في عالم صنع السياسات، وهو ينعكس في رسالة أعضاء مجلس الشيوخ وفي الموجز السياسي الذي كتبه عشرون من كبار خبراء السياسة الأمريكية اللبنانية، ومفاد هذا الإجماع أن هناك حاجة إلى إطار دولي جديد للدفع إلى حكم أفضل في لبنان. ولا بد أن تقود الولايات المتحدة الأمريكية مثل هذا المسعى الآن لأن لبنان على حافة الانهيار.

تتمثل أولوية قادة لبنان المنتخبين وأحزابه السياسية في انتخاب رئيس ذي توجه إصلاحي وذي صفحة خالية من الفساد وملتزم بتلبية احتياجات الشعب. ويجب بعد ذلك أن يجري تشكيل حكومة فعالة في الوقت المناسب. ذلك أن لبنان بلا رئيس منذ عيد الهالوين [ويقام في الحادي والثلاثين من أكتوبر- المترجم]. ويجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تستعمل جميع الأدوات المتاحة لها، امتثالا لما تدعو إليه رسالة مجلس الشيوخ، من أجل الضغط على قادة لبنان لانتخاب رئيس وتشكيل حكومة تكون بداية للإصلاحات التي يحتاج إليها البلد احتياجا ماسًّا. فلا مجال لتضييع الوقت.

إن معاناة الشعب اللبناني نتيجة مأساوية لفساد النخبة المالية والسياسية في لبنان، إذ استفادت هذه النخبة من مخطط بونزي الذي جعل عملة البلد بلا قيمة وأثار أزمة في القطاع المصرفي. في الوقت نفسه، أرجأ قادة لبنان المنتخبون تنفيذ الإصلاحات التي حددتها اتفاقية صندوق النقد الدولي على مستوى الموظفين، وهي الإصلاحات اللازمة لإطلاق دعم صندوق النقد الدولي لإعادة تأهيل اقتصاد البلد. ولقد أوضحت الولايات المتحدة الأمريكية أن حزمة صندوق النقد الدولي ضرورية لكل من الانتعاش الاجتماعي والاقتصادي للبنان والدعم المستقبلي من الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي. ونتيجة لهذه الأزمة، يعيش ثمانون بالمائة من سكان لبنان البالغ عددهم 6.5 مليون مقيم ولاجئ تحت خط الفقر. ويتعرض قطاعا التعليم والرعاية الصحية في البلد للإهمال على جميع المستويات. حتى أن كبرى الجامعات في لبنان، أي الجامعة اللبنانية، ليس لديها حتى الورق اللازم لإجراء الامتحانات. ومع انجراف لبنان إلى وضع الدولة الفاشلة، ثمة فرصة قوية لأن تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها منزلقة إلى مهمة مطولة ومتزايدة الصعوبة لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة ومواجهة التعديات المتزايدة من روسيا وإيران.

وفي مجال إصلاح الكهرباء تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تظهر قيادتها التي تؤثر على ملايين اللبنانيين تأثيرا ملموسا. ففي الوقت الحالي، يتلقى اللبنانيون حوالي ما بين ساعة إلى ساعتين فقط من الكهرباء يوميا بسبب الفساد وعدم الكفاءة في قطاع الكهرباء. وفي غياب هذا المصدر الحيوي للطاقة سيكون الاستقرار الاقتصادي مستحيلا وسوف تتدهور حياة اللبنانيين.

تمثل (صفقة الطاقة في بلاد الشام)، التي ستشهد استيراد الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان، حلا رئيسيا تروج له الولايات المتحدة. وللبنان دور مهم بالقدر نفسه، إذ يجب على وزارة الطاقة أن تقوم بتعيين هيئة محايدة سياسيا لتنظيم الكهرباء وأن تقترح برنامجا مستداما لاسترداد التكلفة كشرط لازم لدعم البنك الدولي للمشروع. ويزداد ذلك كله أهمية بعد أن تقدمت إيران إلى لبنان بعرض هو عبارة عن "هدية" من الوقود لمحطات توليد الكهرباء اللبنانية تجنبا لتعقيد العقوبات.

لا يزال دعم القوات المسلحة اللبنانية أحد أقوى أعمدة دعم الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط مما يحظي بموافقة الحزبين. ونظرا لاستنفاد رواتب الجنود بسبب الأزمة الاقتصادية في البلد، فإن الدعم المعيشي الأحادي الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية للعائلات العسكرية في الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في لبنان أمر بالغ الأهمية ويأتي جنبا إلى جنب مع تشجيع الولايات المتحدة الأمريكية حلفاءها من أجل مواصلة دعمهم. فالدعم المستمر للجيش اللبناني ضروري إذا كان مقدرا للبنان أن يسيطر على أمنه وأن يحمي سلامة أراضيه من أعدائه وأعداء الولايات المتحدة.

لقد أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الأخيرة قيادتها التي لا غنى عنها في تسهيل اتفاقية الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، فمكنت بالتالي من تجنب خطر نشوب حرب أخرى. وسوف تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية إلى إظهار مثل هذا العزم في قيادة المجتمع الدولي، وبخاصة شركاءها في أوروبا والخليج، من أجل الضغط على قادة لبنان المنتخبين لانتخاب رئيس طاهر اليد، وقادر ذي كفاءة، ومستعد لإجراء الإصلاحات اللازمة التي تلبي احتياجات لبنان. وإذا ما تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من ترتيب أولويات لبنان الآن، فسوف يتسنى لها تجنب المزيد من التدهور الذي لن يؤدي إلا إلى دفع ثمن أكبر في وقت لاحق.

* إدوارد من جابرييل رئيس فريق العمل الأمريكي الخاص بلبنان، وهو عبارة عن منظمة قيادية من الأمريكيين ذوي الأصل اللبناني، وسفير الولايات المتحدة الأمريكية السابق في المغرب.

* عن ناشونال إنتريست