ترجمة: أحمد شافعي -

تضع الحرب العادلة والضرورية من أجل أوكرانيا حروبا اختيارية كارثية حديثة من قبيل حربي العراق وأفغانستان في السياق الوضيع الذي تستحقه، ومع ذلك فإن هناك دلائل مؤرقة على أن صناع السياسة في الغرب لم يتعلموا أهم درس من تلك الصراعات، وهو ضرورة وجود أهداف واضحة واستراتيجية لا يعتريها الغموض من أجل تحقيق النجاح.

قد يبدو واضحا أن هذه حملة عسكرية، ولكن من المهم أن نعيد تأكيد ذلك، وعندما يتعلق الأمر بدعم عسكري فإذا لم تكن الولايات المتحدة هي الفاعل الوحيد فإنها تكون إلى حد كبير أهم الفاعلين. وفي حدود الوضع الراهن، فشلت الولايات المتحدة في تحديد أهدافها من الحرب. فنحن نسمع الكثير عما «تدعمه» الولايات المتحدة من قبيل «وحدة الأراضي الأوكرانية». ولكن الولايات المتحدة تدعم أشياء كثيرة، من قبيل حقوق الإنسان والعملية الديمقراطية وما إلى ذلك. ولا يصح أن يقوم شيء من ذلك مقام أهدافها الحربية. فقد كانت أهداف حلف شمال الأطلنطي (الناتو) في حرب كوسوفو سنة 1999 أهدافا واضحة، وهي خروج القوات الصربية من كوسوفو، ونشر قوة لحفظ السلام وتثبيت إدارة مدنية دولية والسماح بعودة اللاجئين. بل كانت أهداف حرب الخليج سنة 1991 أبسط من ذلك، وهي طرد القوات العراقية من الكويت. ويجدر بنا أن نتذكر أن هذه كانت آخر حملات الغرب العسكرية الناجحة، ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة. ولقد حان الوقت تماما لأن تحدد الولايات المتحدة أهدافها وتقوم بممارسة دعمها بما يتوافق مع هذه الأهداف (ومن بعدها في ذلك الناتو وحلفاؤه)، لأن العجز عن القيام بذلك فيه مخاطر بصراع عديم الأهداف، وطويل، وغير محدد في واقع الأمر، مع خسارة هائلة وغير ضرورية في الأرواح. إن لدينا، حتى وقتنا هذا، ثلاثة تحديدات شديدة الاختلاف لاستراتيجية عامة تنتهجها الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا. فأولا، في مارس من عام 2022، وربما على نحو عفوي غير مدروس تم التراجع عنه سريعا، قال جون بايدن إن فلاديمير بوتين «لا يمكن أن يبقى في السلطة». أي تغيير النظام الحاكم بعبارة أخرى، وبعد قليل من ذلك، في أقوى بيان للسياسة الأمريكية سمعناه حتى وقتنا هذا، أعلن وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن قوله «إننا نريد أن نرى روسيا وقد ضعفت إلى درجة أن لا تستطيع فعل مثل هذه الأمور التي فعلتها في غزو أوكرانيا». يمكن إيجاز هذا في «استنزافهم إلى أن يتوجعوا والاستمرار في استنزافهم».

وأخيرا في الشهر الماضي قال وزير الخارجية أنطوني بلينكن بوضوح إن «تركيزنا منصبٌّ على مواصلة القيام بما نقوم به وهو التيقن من أن لدى أوكرانيا وبين يديها ما تحتاج إليه للدفاع عن نفسها، وما تحتاج إليه من أجل أن ترد العدوان الروسي، وأن تسترد الأرض التي تم الاستيلاء عليها ابتداء من الرابع والعشرين من فبراير». ويمكن أن نوجز هذا في «إعطائهم القدر الكافي للدفاع عن أنفسهم واسترداد بعض الأرض، ولكن ذلك سوف يسوؤهم». فهو لا يتضمن القرم، ولا يتضمن في الحقيقة الكثير من منطقة دونباس.

في حال افتراضنا أن جو بايدن أساء التعبير في ما يتعلق بتغيير النظام الحاكم (وليس هذا بالضرورة افتراضا صحيحا) يكون لدينا على أقل تقدير هدفان شديدا الاختلاف، يعنيان ضمنيا نتائج شديدة الاختلاف. أولا، أفضل طريقة للتعامل مع نهج «استنزاف روسيا تمام الاستنزاف» هو مواصلة الحرب لأطول أمد ممكن، والاشتباك مع القوات المسلحة الروسية وإضعافها على أعمق نحو ولأطول فترة ممكنة، ويفضَّل أن يتم ذلك مع إبقاء القتال عند مستوى من الحدة يمكن التحكم فيه. ويصل هذا إلى استعمال القوات الأوكرانية استعمال جيش وكيل. وقد أوجز عضو الكونجرس الجمهوري دان كرينشو هذا النهج بأنه «استثمار في تخريب جيش خصمنا، دون أن نفقد جنديا أمريكيا واحدا». في النهج الثاني، الذي وصفه أنطوني بلينكن، تم الإعلان عن مجموعة محدودة للغاية من الأهداف المتعلقة بالأرض. وهي لا تتسق بأي حال من الأحوال مع هدف أوكرانيا المعلن المؤكد الذي يتمثل في استرداد الحدود المعترف بها دوليا، ومنها جميع لوهانسك ودونيتسك وفي المقام الأول القرم. وواقع الأمر أن الولايات المتحدة لم تعلن في أي وقت إعلانا واضحا لا لبس فيه بأن سياستها هي أن تدعم عمليات عسكرية من أجل استرداد أراضي أوكرانيا المفقودة.

وحتى الآن لم تتضمن الأسلحة التي نقلت إلى أوكرانيا كميات كبيرة من نوعية المعدات الثقيلة التي ستتيح لأوكرانيا استرداد أرضها. فالقدرات المحورية في هذا الصدد، مثلما طلبتها القيادة العسكرية الأوكرانية، هي دبابات أمريكية الصنع، ومركبات قتالية مدرعة، وتغيير تدريجي في كمية المدفعية. ونحن نتكلم هنا عن المئات لا عن العشرات. في وقت مبكر من الشهر الحالي، أعلنت الولايات المتحدة عن نقل خمسين مركبة قتالية مدرعة من طراز برادلي. وكان الأوكرانيون قد طالبوا بما يصل إلى سبعمائة. وفي حين أن الدعم الغربي سخي وله تقدير كبير، فإن ثمة حقيقة قاسية تقع في صلبه. فما تم منه كان كافيا ليتحدى الأوكرانيون القوات البرية الروسية ـ وبخاصة ميزتها المدفعية الغالبة ـ وللدفاع عن مجالها الجوي. لكنه غير كاف لأن تجري أوكرانيا مناورة هائلة النطاق من أجل استرداد المقاطعات الواقعة تحت السيطرة الروسية والتي يزداد الدفاع عنها إحكاما. وبالمناسبة، يعد الاحتلال المستمر لهذه المقاطعات هو هدف روسيا الأساسي الواضح من الحرب.

يشير الإمداد المتقاطر من المعدات العسكرية الغربية إلى كل من نهج «استنزاف روسيا استنزافا تاما» الذي أعلنه أوستن وهدف فلينكن شديد المحدودية بالرجوع إلى حدود أوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير. لكن من المؤكد أنه ما من دليل على أن الولايات المتحدة سوف تدعم أي شيء شبيه بالهدف الأوكراني المتمثل في استرداد جميع الأراضي التي تعرضت للغزو، أي الانتصار الذي لا لبس فيه، بل إن هناك في واقع الأمر إشارات إلى أن الولايات المتحدة عازفة عزوفا أكيدا عن أن تحاول أوكرانيا القيام بذلك.

إن وضع أهداف محددة بوضوح من شأنه أن يسمح للولايات المتحدة بضبط مساعداتها قياسا إلى خطط وجداول واضحة. ومن شأنه أن يمنح أوكرانيا درجة من اليقين تجاه ما يمكن أن تتوقعه ويمكِّنها من التخطيط لعملياتها وفقا لذلك. ولو أن هدف أوستن، وأهداف بلينكن في حقيقة الأمر، تمثل سياسة الولايات المتحدة الحقيقية، فمن المهم للغاية أن تفهم أوكرانيا هذا. فالبديل هو أن أوكرانيا قد تجد أنها تخطط لعمليات واسعة النطاق وهي غير واثقة مما إذا كانت ستحصل على المواد اللازمة لإكمالها، فتواجه مخاطرة الفشل المتزايدة بشدة. وهذا هو الموقف الذي تجد نفسها فيه حاليا.

وكما هو الحال في حروب العقدين الماضيين الخاطئة، فإن أهمية أهداف الحرب واستراتيجيتها الواضحة قد لا تكون واضحة في أولى أيام الحملة. لكنها بالأحرى تصبح واضحة حينما تسوء الأمور والأوضاع، ولا يمكننا أن نخاطر مرة أخرى، في قضية عادلة عدالة واضحة، بالعجز عن وضع أهدافنا بوضوح.

فرانك ليدويدج محام وضابط عسكري سابق خدم في البلقان والعراق وأفغانستان

عن ذي جارديان