ترجمة - بدر بن خميس الظّفري -

بعد صيف طويل وجافٍ، جلب الشتاء معه نعمة المياه إلى ولاية كاليفورنيا عبر سلسلة من عواصف الأنهار الجوية، ولكن للأسف اصطدمت هذه الأنهار الممتدة في الجو بمناطق مغطاة بالخرسانة وأنهارٍ مجاريها محصورة بالحواجز، وقد تسبب هذا في دمار نتيجة حدوث فيضانات وانهيارات طينية، وانجراف الطرق، وانقطاع التيار الكهربائي، واقتلاع الأشجار، ووقوع ست حالات وفاة على الأقل.

لكن لا ينبغي لكاليفورنيا أن تعاني من موجتي الجفاف والفيضانات، فمن أجل تقليل المخاطر من كلا الحالتيْن، يمكنها إعادة بعض أراضيها إلى مجاري المياه بالعمل مع الأنظمة الطبيعية.

إحدى طرق القيام بذلك هو الاستفادة من ميزات جيولوجية فريدة تسمى (أودية باليو)، حيث تشكلت هذه الأخاديد المدفونة المنحوتة في الوادي الأوسط لولاية كاليفورنيا عن طريق أنهار العصر الجليدي التي تدفقت أسفل الخاصرة الغربية لـسلسلة (سييرا نيفادا) الجبليّة، وَمُلِئت لاحقًا بالرمل الخشن والحصى نتيجة ذوبان الجليد.

وبما أنّ الرمال الخشنة والحصى تعدّ اليوم قوة مؤثرة، فإنّ هذا يجعل أنهار باليو مسامية بشكل كبير وقادرة على إدخال الأمطار الغزيرة تحت الأرض بسرعة، حيث إنها تتمتع بنفاذية كبيرة لدرجة أنها تستطيع امتصاص الماء بحوالي 60 مرة أكثر من المواد المحيطة التي يغلب عليها الطين والطمي، وقد تم العثور على ثلاثة أنهار من هذا النوع فقط حتى الآن، لكن البحث مستمر وحثيث للعثور على المزيد منها.

(جراهام فوج)، الأستاذ الفخري في علم المياه الجوفيّة (الهيدروجيولوجيا) بجامعة (كاليفورنيا) في مدينة (دايفيس) الذي دَرَسَ أنظمة المياه في كاليفورنيا لمدة 40 عامًا، لديه حلم قديم يكمن في العثور على اثني عشر أو أكثر من الوديان القديمة واستخدامها لتعويض المياه الجوفية التي اسْتُنْزِفَتْ بسبب الإفراط في الضخ وبسبب التحكم في الأنهار بوضع الحواجز والسدود. ولعقود عدة لم يهتم بهذا الموضوع إلا أن هذا بدأ يتغير في الآونة الأخيرة، فقد أقنع (فوج) وزميلته (روزماري نايت) من جامعة ستانفورد وزارة الموارد المائية بالولاية بإجراء مسح مدته ثلاث سنوات للعثور على المزيد منها.

يكمن الأمل الكبير في إمكانية تحويل مجموعة من (وديان باليو) إلى مجارٍ عملاقة لتصريف عواصف الأنهار الجوية من أجل امتصاص الأمطار الغزيرة بسرعة، عندها -وفقًا لإحدى الدراسات- ستغور مياه العواصف المنتشرة فوق الوديان تحت الأرض ثم تنتقل إلى الطين والطمي المحيط بأكثر من 12 ميلًا من جانبي الوادي وعلى عمق مئات الأقدام، ونتيجة لذلك سوف يرتفع منسوب المياه الجوفية المتناقص، وهو أمر مهم لأن نظام المياه الجوفية الصحي يمكن أن يغذي الأنهار من الأسفل، ويسمح للناس بمواصلة ضخ المياه من الآبار، ويوفر المزيد من المياه للنباتات والتربة، ويساعد في الحفاظ على دورة المطر وتقليل مخاطر الحريق.

هناك كميات كبيرة من المياه السطحية غير المستغلة من الأمطار والثلوج على مستوى مدن الولاية يمكن استغلالها لإعادة إمداد طبقات المياه الجوفية في وسط الوادي، مما يجعل المزيد من المياه متاحة للمزارعين وسكان المدن وللبيئة، وحتى مع التغير المناخي، فمن المرجح أن يكون لدى الولاية ما يكفي من المياه في المستقبل لتغذية المياه الجوفية، وذلك يعود جزئيًا إلى الطقس القاسي وفقًا لدراسة أجريت عام 2021.

من أجل استغلال (وديان باليو) لتخزين هذه الأمطار الغزيرة، يجب الحفاظ على طبقة الأرض فوقها لإعادة تغذية المياه الجوفية، إلا أنّ هناك عوائق بدأت تظهر، منها أنّ أحد (أودية باليو) خارج منطقة (ساكرامنتو) وجد أنه قد خصص لبناء مساكن، والذي من شأنه أن يغطي الوادي بخرسانة وأسفلت غير منفذ للماء. وعلى كلّ حال فإن مثل هذه القرارات، عادة ما تتخذها إدارات المدن والمقاطعات، ولكن يمكن للدولة تقديم حوافز للمناطق ذات الوديان القديمة لحماية الأرض فوقها.

إنّ استعمال الأراضي ليس هو المشكلة الوحيدة، حيث يمكن للقنوات المائية الرئيسية في الولاية التي تنقل المياه من الشمال إلى الجنوب أن تقوم أيضًا بدورٍ كبيرٍ في المساعدة على وصول مياه الفيضانات إلى (أودية باليو). ففي فصل الشتاء، لا يستعمل المزارعون هذه القنوات المائية بشكل كبير لري محاصيلهم، وبالتالي يمكن نقل مياه الأمطار الزائدة إلى طبقات المياه الجوفية المستنزفة، كما يمكن إضافة أنابيب لنقل المياه إلى (أودية باليو).

للعثور على المزيد من أودية باليو، تستخدم إدارة الموارد المائية في كاليفورنيا التكنولوجيا المحمولة جوًا لرسم خرائط لحوالي 100 منطقة للمياه الجوفية في جميع أنحاء الولاية، وما يجعل الأمر يسيرا هو سهولة التنبؤ إلى حد ما بمواقع هذه الوديان، فوفقًا للدكتور (فوج) من المحتمل جدًا أن يكون هناك وادٍ لكل نهر رافد قادم من سلسلة (سييرا نيفادا) الجبليّة، وعلى كل حال، فإنّ استخدام (أودية باليو) في عملية إعادة التغذية يعتمد على معايير منها أولويات استخدام الأراضي المحلية وخطط الأحواض المائيّة المُقَدَّمَةِ إلى الولاية بموجب قانون إدارة المياه الجوفية المستدامة من أجل تحقيق التوازن بين استخراج المياه وإعادة تغذية الأرض بها.

إنّ الإدارة التي تعطي الأولوية للأنظمة الطبيعية مثل (وديان باليو) ستجدها ذات قيمة عالية سواء من حيث التكلفة والأداء، فتكلفة الأنظمة الطبيعية تعادل نصف تكلفة التدخلات الصناعية مثل السدود، وأداؤها أفضل من حيث امتصاص الفيضانات وتزويد المياه خلال فصل الصيف، وبالرغم من استمرار البناء في الأماكن المعرضة للفيضانات، إلا أن كل دولار يُستثمر في شراء الأراضي البيضاء من أجل إعطاء مساحة لمد المياه وجزرها يمكن أن يوفر من دولارين إلى أكثر من 5 دولارات من تكلفة أضرار الفيضانات التي يمكن تجنبها، كما يمكن للأنظمة الطبيعية أن تحافظ على نفسها بنفسها، مما يوفر الأموال التي قد تهدر في خوض معركة مستمرة مع قوى الطبيعة.

على الرغم من الإفراط السيئ في تخصيص المياه في ولاية كاليفورنيا في فصل الصيف، فإن القيود تكون أقل بكثير في فصل الشتاء فيما يتعلق بحقوق الحصول على المياه، ولهذا فإن الناس الآن يحاولون المطالبة بمياه الشتاء لإعادة تغذية طبقات المياه الجوفية بحيث تتوفر المزيد من المياه في الصيف عندما تكون الحاجة أكبر لذلك، ومعالجة هذه المشكلة تعد فرصة لتحديث نظام حقوق المياه للعدد المتزايد من السكان، والأنظمة البيئية الضعيفة، وأزمة مناخ القرن الحادي والعشرين، من أجل خدمة الصالح العام بشكل أفضل.

تعد (أودية باليو) واحدة من أفضل الفرص لولاية كاليفورنيا لإيجاد توازن بين مياه الفيضانات الخطيرة وخزانات المياه الجوفية المستنزفة، وكاليفورنيا لن تكون وحدها في ذلك إذا اتبعت هذه الاستراتيجية، فالعديد من الدول والمدن والبلدان تنضم الآن إلى ما أسميه «حركة المياه البطيئة» لاستعادة مراحل المياه البطيئة التي تتصل من خلالها المياه السطحية بالجوفية. إن الابتعاد عن عقلية التحكم الصارمة لدينا، والاتجاه نحو مزيد من الاحترام لدورات المياه الطبيعية يمكن أن يجعل موطننا البشري أكثر مرونة ويعزز قدرتنا على السباحة مع التيّار.

إيريكا جيز - مستكشفة وصحفية في مجلة ناشيونال جيوغرافيك، ومؤلفة كتاب «الماء دائمًا يفوز: الازدهار في عصر الجفاف والطوفان».

«خدمة نيويورك تايمز» ترجمة خاصة بجريدة «$»