لم تتقاطع أزمنتنا، جاء قبلي بكثير وصار ملكا قبل أن أولد، لكن اسمه ظل هو الاسم الذي يربط به أي مجد كروي.
أنه "بيليه" الذي دفعني خبر وفاته لمشاهدة سيرة حياته، مسرودة في فيلم وثائقي على شاشة النتفليكس.
امتدت سيرته من صندوق مسح الأحذية التي كانت مهنته الأولى إلى التتويج الخالد وما بعد ذلك. الفتى الأسمر النحيل، ذو الابتسامة الواسعة، لم يتغير فيه الكثير حتى بعد أن كبر في السن وصار يعتمد على مشاية في التنقل، ظل وجهه محتفظا بالملامح المرحة لذلك الفتى الذي عشق الكرة فعشقته هي وعشاقها حول العالم.
لم تكن مسيرة سهلة، فقد واجه بيليه العنصرية مثله مثل أي فتى يتحدر من سلالة بعيدة من الأفارقة المستعبدين الذين عمروا الأمريكتين وجزر البحار البعيدة، ولم يكن بعيدا عن شرور التنمر أو الغيرة.
يرى بعض منتقدي بيليه، أنه يمثل نموذج "العم توم"، التي تعني العبد المثالي، المطيع، الذي لا يعترض على أسياده، وعقدت مقارنات بين موقفه وموقف محمد علي كلاي، إذ عارض محمد علي كلاي حرب فيتنام بينما لم يعترض بيليه، ولم يسائل تصرفات الديكتاتورية العسكرية التي انقلبت على الرئيس المنتخب جولارت، واستولت على الحكم في بلاده عام ١٩٦٤، التي اتسمت تصرفاتها كغيرها من الديكتاتوريات العسكرية، بالكثير من القسوة والعنف، فكانت أخبار الاختطاف والاختفاء القسري والإعدامات والتعذيب غير سرية بل تسري بين الناس بغية ترهيبهم.
برر بيليه موقفه بانعدام اليقين، أي أنه لم يكن متيقنا من أي من تلك الأخبار، ومتعذرا بكثرة أسفاره، فقد سمع لكنه لم ير، ولذا لا يستطيع مواجهة النظام، ولا أظنه كان سيواجه النظام حتى لو رأى كل ذلك بأم عينيه، فبيليه يخاف على نفسه من البطش، يخاف على جسده قبل روحه، فماكنة الجسد هي جل ما يملك ليبقى ملكا، حتى أنه كان يتجنب أي شكل من الصدام أثناء المباريات، فهل كان سيعرض نفسه لمشارط الديكتاتورية الحادة وأسلاكها الكهربائية؟
لكن هل يجب على الرياضي أن يكون صاحب موقف سياسي؟ بيليه لا يظن ذلك، فبيليه يعرف حدود دوره، هو يلعب كرة قدم، هذا ما يحب وهذا ما يريد، وهذا ما جعل منه الملك، وليفعل الساسة والعسكر ما يشاؤن، وهل كان لأي موقف لبيليه سيخدم بلاده كما خدمها صعود نجمه الكروي، حتى صارت البرازيل تعرف ببلد بيليه، والأهم هل فكر هو بأي من هذا أصلا؟
في المقابل يفسر محبوه موقف محمد علي كلاي، بأن لمحمد علي أن يعترض كما يشاء فهو يعيش آمنا تحت مظلة نظام ديموقراطي، بينما لا يأمن بيليه لا على نفسه ولا على أسرته تحت نظام ديكتاتوري، المفارقة أن النظام الديموقراطي الذي يعيش كلاي في كنفه هو الذي صنع النظام الديكتاتوري العسكري في كل بلدان أمريكا الجنوبية، ومنها البرازيل، بلد بيليه.
في أكثر من مشهد في الفيلم، يطرق بيليه على عدة مسح الأحذية التي كان يستخدمها في بدايات حياته، وهو يحاول مساعدة أبيه في تأمين الخبز على طاولة العائلة، طرقا حزينا ويبدو موغلا في القدم، ليذكر -ربما- بأن الملك كان مجرد ماسح أحذية، وأن كرة القدم لا السياسة هي ما جعلت منه أيقونة عظيمة، وهذا قد يجعلنا أكثر تعاطفا وفهما لموقف بيليه اللاسياسي، ويجعلنا نقتسم معه ذلك الشعور بالحزن العميق على كل ما كان، أو على كل الذي كان يمكن أن يكون، لكنه لم يكن.
أنه "بيليه" الذي دفعني خبر وفاته لمشاهدة سيرة حياته، مسرودة في فيلم وثائقي على شاشة النتفليكس.
امتدت سيرته من صندوق مسح الأحذية التي كانت مهنته الأولى إلى التتويج الخالد وما بعد ذلك. الفتى الأسمر النحيل، ذو الابتسامة الواسعة، لم يتغير فيه الكثير حتى بعد أن كبر في السن وصار يعتمد على مشاية في التنقل، ظل وجهه محتفظا بالملامح المرحة لذلك الفتى الذي عشق الكرة فعشقته هي وعشاقها حول العالم.
لم تكن مسيرة سهلة، فقد واجه بيليه العنصرية مثله مثل أي فتى يتحدر من سلالة بعيدة من الأفارقة المستعبدين الذين عمروا الأمريكتين وجزر البحار البعيدة، ولم يكن بعيدا عن شرور التنمر أو الغيرة.
يرى بعض منتقدي بيليه، أنه يمثل نموذج "العم توم"، التي تعني العبد المثالي، المطيع، الذي لا يعترض على أسياده، وعقدت مقارنات بين موقفه وموقف محمد علي كلاي، إذ عارض محمد علي كلاي حرب فيتنام بينما لم يعترض بيليه، ولم يسائل تصرفات الديكتاتورية العسكرية التي انقلبت على الرئيس المنتخب جولارت، واستولت على الحكم في بلاده عام ١٩٦٤، التي اتسمت تصرفاتها كغيرها من الديكتاتوريات العسكرية، بالكثير من القسوة والعنف، فكانت أخبار الاختطاف والاختفاء القسري والإعدامات والتعذيب غير سرية بل تسري بين الناس بغية ترهيبهم.
برر بيليه موقفه بانعدام اليقين، أي أنه لم يكن متيقنا من أي من تلك الأخبار، ومتعذرا بكثرة أسفاره، فقد سمع لكنه لم ير، ولذا لا يستطيع مواجهة النظام، ولا أظنه كان سيواجه النظام حتى لو رأى كل ذلك بأم عينيه، فبيليه يخاف على نفسه من البطش، يخاف على جسده قبل روحه، فماكنة الجسد هي جل ما يملك ليبقى ملكا، حتى أنه كان يتجنب أي شكل من الصدام أثناء المباريات، فهل كان سيعرض نفسه لمشارط الديكتاتورية الحادة وأسلاكها الكهربائية؟
لكن هل يجب على الرياضي أن يكون صاحب موقف سياسي؟ بيليه لا يظن ذلك، فبيليه يعرف حدود دوره، هو يلعب كرة قدم، هذا ما يحب وهذا ما يريد، وهذا ما جعل منه الملك، وليفعل الساسة والعسكر ما يشاؤن، وهل كان لأي موقف لبيليه سيخدم بلاده كما خدمها صعود نجمه الكروي، حتى صارت البرازيل تعرف ببلد بيليه، والأهم هل فكر هو بأي من هذا أصلا؟
في المقابل يفسر محبوه موقف محمد علي كلاي، بأن لمحمد علي أن يعترض كما يشاء فهو يعيش آمنا تحت مظلة نظام ديموقراطي، بينما لا يأمن بيليه لا على نفسه ولا على أسرته تحت نظام ديكتاتوري، المفارقة أن النظام الديموقراطي الذي يعيش كلاي في كنفه هو الذي صنع النظام الديكتاتوري العسكري في كل بلدان أمريكا الجنوبية، ومنها البرازيل، بلد بيليه.
في أكثر من مشهد في الفيلم، يطرق بيليه على عدة مسح الأحذية التي كان يستخدمها في بدايات حياته، وهو يحاول مساعدة أبيه في تأمين الخبز على طاولة العائلة، طرقا حزينا ويبدو موغلا في القدم، ليذكر -ربما- بأن الملك كان مجرد ماسح أحذية، وأن كرة القدم لا السياسة هي ما جعلت منه أيقونة عظيمة، وهذا قد يجعلنا أكثر تعاطفا وفهما لموقف بيليه اللاسياسي، ويجعلنا نقتسم معه ذلك الشعور بالحزن العميق على كل ما كان، أو على كل الذي كان يمكن أن يكون، لكنه لم يكن.