ترجمة عن الروسية: يوسف نبيل -
عندما نتحدث عن السرد، فإننا نتحدث عن مقولة فلسفية يجب أن نعرفها جيدا لأن مفهوم السرد هو عنصر محدد في فلسفة ما بعد الحداثة المبنية على علم اللغة البنيوي وعلى البنيوية وفرديناند دي سوسور، وهو عالم لغوي بنيوي فصل بين الخطاب واللغة. هذا أمر شديد الأهمية.
ما هي لغة؟ اللغة هي كل القواعد. نحن لا نتحدث، بل نستخدم اللغة، لكن اللغة لا تتحدث أبدا عن نفسها. إنها في القواميس وفي بُنى الجمل، وهذا ما يسمى مستوى الصيغ، أما السرد أو الخطاب، فهو ما يُبنى على أساس اللغة ومفرداتها وبنيتها وقواعد نحوها.
السرديات لا حصر لها أما اللغة فواحدة.
عندما نتحدث عن الاستقلالية الروحية والثقافية والحضارية -وهذا ما يتحدث عنه الرئيس بوتين في خُطبه- نجد أن هذا الأمر يزداد أهمية كل يوم. لا يتعلق الأمر بالسردية المستقلة، بل يتعلق بلغة ذات سيادة يمكن من خلالها التعبير عن بلايين السرديات السيادية.
إذا كانت اللغة مستقلة، فسيكون الخطاب مستقلا. باستخدام لغة أوروبا الغربية الليبرالية العالمية، يمكن للمرء أن يصوغ خطابا روسيا مستقلا واحدا أو خطابين أو ثلاثة أو ربما عشرة. لكن هذا يقتصر على مهمات لحظية تقوم على استغلال الواردات في إطار سردي على مدى قصير جدا. هنا يجب أن نودِّع الغرب برمته إلى الأبد، أو ربما نريد، بعد فاصل صغير من السردية المستقلة، أن نعود إلى هذه اللغة العولمية مجددا.
أعتقد أن هذا هو بالضبط ما تريده النخبة؛ التحدث قليلا ثم التراجع قائلين: «حسنا، نحن ندرك لغتك وعولمتك، ولكن لا يجب أن يمضي الأمر هكذا. اعطنا مكانا في هذا!» هذا التوجه محكوم عليه بالفشل، لا لأننا جاهزون وهم ليسوا كذلك، بل لأسباب أخرى.
لقد ذبحونا وقطعونا عن هذا الغرب بكل قوتهم والآن يريدون أن يعيدوننا إلى هذا الغرب لنتحدث باللغة ذاتها، بعد أن نتخطى الحدود الأخيرة ونقول إننا نستسلم. ستكون هزيمتنا شرطا لعودتنا إلى هذه اللغة. لذلك -شئنا أم أبينا، وسواء فهمنا ذلك أم لا- فإننا محكوم علينا بتطوير لغة مستقلة. يعني ذلك أن روسيا حضارة مستقلة وليست جزءا من الحضارة الغربية، كما أنها لا تتطابق لا مع الشرق ولا مع الصينيين ولا مع الإسلام. لكنها تكافئ الحضارة الغربية أو الصينية. هذا ما يحدد هيكل لغتنا المستقلة لا سرديتنا المستقلة.
إذا تحدثنا بهذه اللغة، فإن كل ما نقوله سيكون مستقلا. يعني السرد بهذا المعنى إنه ليس حديث مذيع تلفزيوني فقط ولا بنية التعليم، ولا مجتمع الخبراء الذي سيضطر للتحدث بهذه اللغة المستقلة، بل يعني ذلك أيضا علمنا. هذا يعني علومنا الإنسانية اليوم والعلوم الطبيعية غدا لأن العلوم الطبيعية -كما يعلم أبرز العلماء مثل شرودنجر وهايزنبرج- هي أيضا لغة تمثيل علمي طبيعي.
لذلك نحن بحاجة إلى لغة حضارية، بشرط أن تكون لغتنا الحضارية الخاصة. نحن لا نتحدثها ولا نعرفها، بل نتحدث الآن لغة إنجليزية هجينة بنينا مصطلحاتنا عليها، وكذلك أسسنا عليها خبراءنا وأجهزة الآيفون الخاصة بنا وتقنياتنا في صواريخنا. يعني ذلك أنه حتى لو توفرت هذه التقنيات في روسيا، فإن هيكل هذه المعالجات والرموز -للأسف- مأخوذ من نموذج مختلف.
هذه مهمة ضخمة في انتظارنا وقد بدأت سلطاتنا بالفعل في إدراكها.
قد يبدو غريبا أن العامة أكثر استعدادا لهذا من النخبة. الناس ببساطة لا يفهمون بعمق الدوافع القادمة من الأعلى. قالوا لهم «الشيوعية» لكنهم فكروا فيما يتعلق بهم. قالوا لهم «الليبرالية» ففكروا أيضا فيما يتعلق بهم. قالوا «الوطنية» وفكروا فيما يتعلق بهم. يعني ذلك أنهم لا ينغمسون في هذه الألعاب السردية مثل النخبة، لكن النخبة هي التي قالت إن علينا أن نتقدم في طريق الغرب.
لذلك فإن مسألة تغيير اللغة موجهة إلى النخبة.
إذا أردنا أن نؤسس نظاما من السرديات المستقلة فمن الضروري أن نحدد معايير هذه اللغة المستقلة. ما هي هذه المعايير؟ لدينا تصوُّر مختلف تماما عن الإنسان. لكل ثقافة ولغة إنسانها الخاص. هناك إنسان إسلامي وآخر صيني وثالث أوروبي غربي، وهو إنسان ما بعد جندري، يتحول إلى ذكاء اصطناعي، إلى طفرة، إلى سايبورغ «أي إنسان نصف آلي» صار محكا للتحول والتحرر. لقد تحرر من كل أشكال الهوية الجماعية؛ ففي هذا يتمثل هدفه ومهمته، أي التوقف عن الانتماء للدين والأمة والمجتمع ثم الجنس وغدا ينتمي إلى الجنس البشري برمته. هذا هو برنامج لغة أوروبا الغربية.
بصفة عامة يختلف الصينيون. يختلف الإنسان أيضا في التقليد الإسلامي لأنه نتاج علاقة الفرد بالله، ولا يفهم كل شيء آخر باعتباره حرية، فهذه أنثروبولوجيا غريبة تماما على هذا العالم الإسلامي ذي المليار فرد. إنهم يتفقون رسميا مع بعض النماذج الغربية لكنهم في الواقع إما لا يفهمونها جيدا أو يعيدون تفسيرها، فلهم لغتهم الخاصة، وهي لغة عميقة الجذور، وهم يواصلون الترويج لها في منطقة الفولغا وشمال القوقاز. لذلك فهم محصنون ضد الغرب. في الهند وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لديهم إنسانهم الخاص.
نحتاج إلى أن نُكوِّن تصورا عن إنساننا الروسي ونثبته. هذا هو دوستويفسكي، وهذه هي فلسفتنا، هذا فلورنسكي والنزعة السلافية. هذا هو سولوفيوف وبيرديايف، ولكن الإنسان الروسي -أولا وقبل كل شيء- عالمي، وهذا هو الشيء الأكثر أهمية بالطبع. لا يُمثِّل فردا. بالنسبة لنا، الإنسان عائلة وعشيرة وشعب وعلاقة بالله وشخصية. إنه ليس فردا إذن بل شخصية.
هكذا ينتهي وجودنا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لأن لدينا اختلافا فيما يتعلق بالمفهوم الأساسي للإنسان. بالنسبة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والأيديولوجية الغربية الليبرالية، فإن حقوق الإنسان هي حقوق فرد، أما بالنسبة لنا فإنها ليست كذلك من منظور اللغة المستقلة.
هل يمكنكم أن تتصوروا كيف يمكن لعلم عن الإنسان (أي العلوم الإنسانية) أن تتغير بعد أن نُغير مكوِّنها الأساسي؟ سنفكر حينها في كل شيء بصورة مختلفة وستُعاد كتابة جميع الكتب المدرسية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية وعلم النفس بحسب الطريقة الروسية.
صحيح أن فلسفتنا تعاملت مع هذا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لكننا نحتاج إلى تكوين فكرة عن إنسان روسي سيكون مختلفا عن البقية، ومن ثم سنحتاج فورا إلى لغة مختلفة.
الأمر الثاني هو أننا في حاجة إلى تكوين تصوُّر عن العالم. هذا هو الجزء الأصعب. يبدو لنا أمر ما لكن العلوم الطبيعية عالمية الطابع. الأمر في الحقيقة ليس كذلك فهي علوم متمحورة حول التفكير الغربي. هذا الكون الذي نتعامل معه قد غُرس وأُدمج في وعينا؛ بدءا من العصر الجديد في الغرب، متجاهلا جميع صور العالم الأخرى.
يشبه الكون الروسي الفضاء الأوروبي في العصور الوسطى، وهو مختلف تماما عن تصور الغرب الحديث. الفضاء الروسي مختلف، بدءا من فيدوروف أو تسيولكوفسكي، وتبدو أبحاثنا أكثر طليعية وإثارة للاهتمام في العلوم الطبيعية حيث استندوا إلى حدس مختلف تماما حول بنية الواقع.
إذا أخذنا في المجال الإنساني تقاليدنا الفلسفية وتخلصنا من كل شيء ليبرالي وكل لغة ليبرالية، ووضعنا الإنسان الروسي في المركز، فعندئذ سنحصل على لغة جديدة. تبدو المهمة أصعب في العلوم الفيزيائية. ها نحن في البداية فقط ولدينا الكثير من العمل للقيام به.
بطبيعة الحال العمل فعل. إذا تحدثنا عن اللغة فإننا نفهم الفعل بطريقة مختلفة تماما عن تقاليد أوروبا الغربية. يبدو الفعل أكثر من ممارسة أرسطية، وأكثر من مجرد تقنية. هذه هي فلسفة العمل المشترك لسيرجي بولجاكوف لأن الروس يفعلون الأشياء بشكل مختلف عن الآخرين. تلائمنا الفكرة الأرسطية القائلة بأن الممارسة هي نتيجة الإبداع الحر للسيد، لا التنفيذ التقني لأمر أحدهم. هذه هي الفكرة الرئيسة لفلسفة الاقتصاد مما يعني أن اقتصادنا مختلف. يعني ذلك أن لدينا علما وممارسة مختلفين. يعني ذلك غياب العنصر النفعي والبرجماتي عن عملنا، وتوفر بعد أخلاقي، أي أننا نفعل شيئا من أجل هدف أخلاقي معين. وهذا يعني أننا سنفعل ذلك -على سبيل المثال- لأنه من الجيد أن نفعل ما هو أفضل وأكثر جمالا، وأن نفعله بشكل أكثر عدلا.
يستحيل أن نغيِّر سرديتنا في مواجهة التحديات الجوهرية التي تواجه بلادنا دون تغيير اللغة.
ألكسندر دوجين عالم سياسة واجتماع روسي وشخصية عامة ورئيس قسم الاجتماع للعلاقات الدولية بجامعة موسكو الحكومية.
عن مدونة الكاتب على شبكة المعلومات ترجمة خاصة بجريدة عمان.
عندما نتحدث عن السرد، فإننا نتحدث عن مقولة فلسفية يجب أن نعرفها جيدا لأن مفهوم السرد هو عنصر محدد في فلسفة ما بعد الحداثة المبنية على علم اللغة البنيوي وعلى البنيوية وفرديناند دي سوسور، وهو عالم لغوي بنيوي فصل بين الخطاب واللغة. هذا أمر شديد الأهمية.
ما هي لغة؟ اللغة هي كل القواعد. نحن لا نتحدث، بل نستخدم اللغة، لكن اللغة لا تتحدث أبدا عن نفسها. إنها في القواميس وفي بُنى الجمل، وهذا ما يسمى مستوى الصيغ، أما السرد أو الخطاب، فهو ما يُبنى على أساس اللغة ومفرداتها وبنيتها وقواعد نحوها.
السرديات لا حصر لها أما اللغة فواحدة.
عندما نتحدث عن الاستقلالية الروحية والثقافية والحضارية -وهذا ما يتحدث عنه الرئيس بوتين في خُطبه- نجد أن هذا الأمر يزداد أهمية كل يوم. لا يتعلق الأمر بالسردية المستقلة، بل يتعلق بلغة ذات سيادة يمكن من خلالها التعبير عن بلايين السرديات السيادية.
إذا كانت اللغة مستقلة، فسيكون الخطاب مستقلا. باستخدام لغة أوروبا الغربية الليبرالية العالمية، يمكن للمرء أن يصوغ خطابا روسيا مستقلا واحدا أو خطابين أو ثلاثة أو ربما عشرة. لكن هذا يقتصر على مهمات لحظية تقوم على استغلال الواردات في إطار سردي على مدى قصير جدا. هنا يجب أن نودِّع الغرب برمته إلى الأبد، أو ربما نريد، بعد فاصل صغير من السردية المستقلة، أن نعود إلى هذه اللغة العولمية مجددا.
أعتقد أن هذا هو بالضبط ما تريده النخبة؛ التحدث قليلا ثم التراجع قائلين: «حسنا، نحن ندرك لغتك وعولمتك، ولكن لا يجب أن يمضي الأمر هكذا. اعطنا مكانا في هذا!» هذا التوجه محكوم عليه بالفشل، لا لأننا جاهزون وهم ليسوا كذلك، بل لأسباب أخرى.
لقد ذبحونا وقطعونا عن هذا الغرب بكل قوتهم والآن يريدون أن يعيدوننا إلى هذا الغرب لنتحدث باللغة ذاتها، بعد أن نتخطى الحدود الأخيرة ونقول إننا نستسلم. ستكون هزيمتنا شرطا لعودتنا إلى هذه اللغة. لذلك -شئنا أم أبينا، وسواء فهمنا ذلك أم لا- فإننا محكوم علينا بتطوير لغة مستقلة. يعني ذلك أن روسيا حضارة مستقلة وليست جزءا من الحضارة الغربية، كما أنها لا تتطابق لا مع الشرق ولا مع الصينيين ولا مع الإسلام. لكنها تكافئ الحضارة الغربية أو الصينية. هذا ما يحدد هيكل لغتنا المستقلة لا سرديتنا المستقلة.
إذا تحدثنا بهذه اللغة، فإن كل ما نقوله سيكون مستقلا. يعني السرد بهذا المعنى إنه ليس حديث مذيع تلفزيوني فقط ولا بنية التعليم، ولا مجتمع الخبراء الذي سيضطر للتحدث بهذه اللغة المستقلة، بل يعني ذلك أيضا علمنا. هذا يعني علومنا الإنسانية اليوم والعلوم الطبيعية غدا لأن العلوم الطبيعية -كما يعلم أبرز العلماء مثل شرودنجر وهايزنبرج- هي أيضا لغة تمثيل علمي طبيعي.
لذلك نحن بحاجة إلى لغة حضارية، بشرط أن تكون لغتنا الحضارية الخاصة. نحن لا نتحدثها ولا نعرفها، بل نتحدث الآن لغة إنجليزية هجينة بنينا مصطلحاتنا عليها، وكذلك أسسنا عليها خبراءنا وأجهزة الآيفون الخاصة بنا وتقنياتنا في صواريخنا. يعني ذلك أنه حتى لو توفرت هذه التقنيات في روسيا، فإن هيكل هذه المعالجات والرموز -للأسف- مأخوذ من نموذج مختلف.
هذه مهمة ضخمة في انتظارنا وقد بدأت سلطاتنا بالفعل في إدراكها.
قد يبدو غريبا أن العامة أكثر استعدادا لهذا من النخبة. الناس ببساطة لا يفهمون بعمق الدوافع القادمة من الأعلى. قالوا لهم «الشيوعية» لكنهم فكروا فيما يتعلق بهم. قالوا لهم «الليبرالية» ففكروا أيضا فيما يتعلق بهم. قالوا «الوطنية» وفكروا فيما يتعلق بهم. يعني ذلك أنهم لا ينغمسون في هذه الألعاب السردية مثل النخبة، لكن النخبة هي التي قالت إن علينا أن نتقدم في طريق الغرب.
لذلك فإن مسألة تغيير اللغة موجهة إلى النخبة.
إذا أردنا أن نؤسس نظاما من السرديات المستقلة فمن الضروري أن نحدد معايير هذه اللغة المستقلة. ما هي هذه المعايير؟ لدينا تصوُّر مختلف تماما عن الإنسان. لكل ثقافة ولغة إنسانها الخاص. هناك إنسان إسلامي وآخر صيني وثالث أوروبي غربي، وهو إنسان ما بعد جندري، يتحول إلى ذكاء اصطناعي، إلى طفرة، إلى سايبورغ «أي إنسان نصف آلي» صار محكا للتحول والتحرر. لقد تحرر من كل أشكال الهوية الجماعية؛ ففي هذا يتمثل هدفه ومهمته، أي التوقف عن الانتماء للدين والأمة والمجتمع ثم الجنس وغدا ينتمي إلى الجنس البشري برمته. هذا هو برنامج لغة أوروبا الغربية.
بصفة عامة يختلف الصينيون. يختلف الإنسان أيضا في التقليد الإسلامي لأنه نتاج علاقة الفرد بالله، ولا يفهم كل شيء آخر باعتباره حرية، فهذه أنثروبولوجيا غريبة تماما على هذا العالم الإسلامي ذي المليار فرد. إنهم يتفقون رسميا مع بعض النماذج الغربية لكنهم في الواقع إما لا يفهمونها جيدا أو يعيدون تفسيرها، فلهم لغتهم الخاصة، وهي لغة عميقة الجذور، وهم يواصلون الترويج لها في منطقة الفولغا وشمال القوقاز. لذلك فهم محصنون ضد الغرب. في الهند وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لديهم إنسانهم الخاص.
نحتاج إلى أن نُكوِّن تصورا عن إنساننا الروسي ونثبته. هذا هو دوستويفسكي، وهذه هي فلسفتنا، هذا فلورنسكي والنزعة السلافية. هذا هو سولوفيوف وبيرديايف، ولكن الإنسان الروسي -أولا وقبل كل شيء- عالمي، وهذا هو الشيء الأكثر أهمية بالطبع. لا يُمثِّل فردا. بالنسبة لنا، الإنسان عائلة وعشيرة وشعب وعلاقة بالله وشخصية. إنه ليس فردا إذن بل شخصية.
هكذا ينتهي وجودنا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لأن لدينا اختلافا فيما يتعلق بالمفهوم الأساسي للإنسان. بالنسبة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والأيديولوجية الغربية الليبرالية، فإن حقوق الإنسان هي حقوق فرد، أما بالنسبة لنا فإنها ليست كذلك من منظور اللغة المستقلة.
هل يمكنكم أن تتصوروا كيف يمكن لعلم عن الإنسان (أي العلوم الإنسانية) أن تتغير بعد أن نُغير مكوِّنها الأساسي؟ سنفكر حينها في كل شيء بصورة مختلفة وستُعاد كتابة جميع الكتب المدرسية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية وعلم النفس بحسب الطريقة الروسية.
صحيح أن فلسفتنا تعاملت مع هذا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لكننا نحتاج إلى تكوين فكرة عن إنسان روسي سيكون مختلفا عن البقية، ومن ثم سنحتاج فورا إلى لغة مختلفة.
الأمر الثاني هو أننا في حاجة إلى تكوين تصوُّر عن العالم. هذا هو الجزء الأصعب. يبدو لنا أمر ما لكن العلوم الطبيعية عالمية الطابع. الأمر في الحقيقة ليس كذلك فهي علوم متمحورة حول التفكير الغربي. هذا الكون الذي نتعامل معه قد غُرس وأُدمج في وعينا؛ بدءا من العصر الجديد في الغرب، متجاهلا جميع صور العالم الأخرى.
يشبه الكون الروسي الفضاء الأوروبي في العصور الوسطى، وهو مختلف تماما عن تصور الغرب الحديث. الفضاء الروسي مختلف، بدءا من فيدوروف أو تسيولكوفسكي، وتبدو أبحاثنا أكثر طليعية وإثارة للاهتمام في العلوم الطبيعية حيث استندوا إلى حدس مختلف تماما حول بنية الواقع.
إذا أخذنا في المجال الإنساني تقاليدنا الفلسفية وتخلصنا من كل شيء ليبرالي وكل لغة ليبرالية، ووضعنا الإنسان الروسي في المركز، فعندئذ سنحصل على لغة جديدة. تبدو المهمة أصعب في العلوم الفيزيائية. ها نحن في البداية فقط ولدينا الكثير من العمل للقيام به.
بطبيعة الحال العمل فعل. إذا تحدثنا عن اللغة فإننا نفهم الفعل بطريقة مختلفة تماما عن تقاليد أوروبا الغربية. يبدو الفعل أكثر من ممارسة أرسطية، وأكثر من مجرد تقنية. هذه هي فلسفة العمل المشترك لسيرجي بولجاكوف لأن الروس يفعلون الأشياء بشكل مختلف عن الآخرين. تلائمنا الفكرة الأرسطية القائلة بأن الممارسة هي نتيجة الإبداع الحر للسيد، لا التنفيذ التقني لأمر أحدهم. هذه هي الفكرة الرئيسة لفلسفة الاقتصاد مما يعني أن اقتصادنا مختلف. يعني ذلك أن لدينا علما وممارسة مختلفين. يعني ذلك غياب العنصر النفعي والبرجماتي عن عملنا، وتوفر بعد أخلاقي، أي أننا نفعل شيئا من أجل هدف أخلاقي معين. وهذا يعني أننا سنفعل ذلك -على سبيل المثال- لأنه من الجيد أن نفعل ما هو أفضل وأكثر جمالا، وأن نفعله بشكل أكثر عدلا.
يستحيل أن نغيِّر سرديتنا في مواجهة التحديات الجوهرية التي تواجه بلادنا دون تغيير اللغة.
ألكسندر دوجين عالم سياسة واجتماع روسي وشخصية عامة ورئيس قسم الاجتماع للعلاقات الدولية بجامعة موسكو الحكومية.
عن مدونة الكاتب على شبكة المعلومات ترجمة خاصة بجريدة عمان.