عُرفت عُمان منذ القدم بريادتها البحرية وصلاتها التاريخية الواسعة مع الحضارات والشعوب الأخرى. ولعل التواصل الحضاري بين عُمان والصين، واحدة من أبرز العلاقات التي كونتها عُمان مع شعوب العالم القريبة والبعيدة منها. ولقد مهدت مجموعة من العوامل لهذا الدور الريادي بين الصين وعُمان، منها: موقع عُمان الجغرافي المتصل بمسطحات مائية، السيادة البحرية، وحجم النشاط التجاري، إضافة إلى ما تميز به التجار العُمانيون من الصدق والأمانة وحسن المعاملة. ولا شك أن طريق الحرير البحري قد ساهم بشكل كبير في تطوير التواصل مع الصين رغم التباين الكبير مع عُمان وشعبها في الثقافة والديانة والعرق.

وتعتبر رحلة أبي عبيدة عبدالله بن القاسم إلى الصين في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، أقدم الرحلات البحرية العُمانية الموثقة؛ إذ استطاع ابن القاسم ارتياد البحر وصولًا إلى مقصده مدينة "قوانغتشو". وأبو عبيدة؛ هو عبدالله بن القاسم بن سابور البسيوي البهلوي الُعماني الملقب بأبو عبيدة الصغير، ولد في منطقة بسيا الواقعة في بهلا من عُمان. وقد تتلمذ على يد كبار علماء عصره منهم: أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبيب. سافر ابن القاسم إلى عدد من البلدان، منها: البصرة، مكة، صحار، والصين. ورغم ثرائه الشديد، والذي قد يدفع البعض إلى الكبر والغرور وإلحاق الأذى بالآخرين؛ إلا أنه اشتهر بالزهد، والعلم، وحسن الخلق. ويورد الشماخي في كتابه السير رواية تثبت ما ذهبنا إليه وقد نقلها عنه الدرجيني؛ إذ يشير إلى رواية شراء العود وموقف أبو عبيدة عبدالله بن القاسم من ذلك؛ إذ اشترى قوم عودا، وسألهم أن يشركوه، ففعلوا، قال: فاقبلوا يعيبون العود عند صاحبه حتى استنقصوه، عمـا كانوا قد اشتروا به، فظَّن أبو عبيدة أنهم صادقون فيمـا قالوا، قال: فلما خرجوا من عنده وكانوا قد نقـدوا الثمن، ونقد أبو عبيدة معهم عشرين دينارا، فأقبلوا يمدحـون العود، ويقولون ما رأينا مثله. فقال لهم أبو عبيدة: سبحان الله! تعيبون عود الرجل بلا عيب فيه، ردَّوا عـلي رأس مالي، ولا حاجة لي في مشاركتكم. قال: فاغتنموا منه فردوا عليه ماله.

من جانب آخر، تُعد رحلة عبدالله الصحاري في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، من أبرز الرحلات العُمانية أيضًا التي وثقّتها المصادر الصينية؛ إذ استطاع عبدالله ارتياد البحار وصولًا إلى مقصده في "قوانتشو"، وقد أرخَّ كتاب موجز تسجيل الأمور الهامة المختلفة في عهد أسرة سونغ تاريخ رحلة عبدالله الصحاري، وأهم أعماله في الصين؛ إذ عُين رئيسا لحي الأجانب في الصين، ومُنح بعض السلطات الإدارية، والقضائية وأطلق عليه الإمبراطور الصيني "جنرال الأخلاق الطيبة"؛ وذلك لأمانته وأخلاقه وثقة الأمبراطورية الصينية فيه.

وقد أثرى عبدالله الصحاري الحياة الاجتماعية في الصين؛ لثرائه الواسع؛ إذ بلغت ثروته عدة ملايين وكانت أكثر من الدخل السنوي لدولة سونغ الجنوبية؛ ولذا قدّم عدد من الأعمال أثناء مكوثه في الصين، أبرزها: بناء أكاديمية المحافظة التي بدأها الحاكم تشنغ شيمنغ، وجيانغ زيكي، إلى جانب قيامه ببناء مبنىً آخر لجذب الأطفال الأجانب الراغبين في الدراسة في الأكاديمية، واستمر كذلك إلى حين مغادرته الصين إلى عُمان في سنة 465هـ/ 1072م. وعليه ونظير أعماله وخدماته الجليَّة؛ أكرمه الأمبراطور الصيني سون شین زون قبل مغادرته؛ إذ قدَّم له مجموعة من الهدايا عبارة عن حصان أبيض، وطاقم سرج، وزمام للخيل.

ونظرًا للدور الكبير الذي قام به عبدالله الصحاري في الصين؛ فقد كان لحادثة وفاته وقع كبير؛ إذ تناولت المؤلفات الصينية، الأدبية منها على وجه الخصوص هذه الحادثة وضمنوها مؤلفاتهم ونظروا إليها نظرة اهتمام وتقدير. كما ركزت الكتابات الصينية إلى الجانب المادي من حياة عبدالله الصحاري؛ لأمرين: أولهما: لثرائه، وثانيها: لعدم وجود وريث شرعي له سوى ابن له قد تبناه. وقد أثار هذا الأمر بالذات عدد من التجار الذين اتفقوا على رفع دعوى قضائية لمنع وصول الثروة إلى الوريث الوحيد للصحاري. وقد تولت السلطات الصينية المرافعة في هذه القضية؛ إذ رفض "Su Che "؛ وهو الشخص المسؤول عن قانون شؤون الأسرة في البلاط الإمبراطوري شكوى التجار والمتنفذين في "قوانغتشو"، وحكمت الإمبراطورية الصينية لصالح الوريث المتبنى للتاجر العُماني عبدالله الصحاري.

لقد أثمرت الرحلات البحرية العُمانية المبكرة إلى الصين إلى تكوين خلفية واسعة عن بلاد العرب بشكل عام وعن عُمان على وجه الخصوص؛ إذ قام البحار الصيني المسلم "تشنغ خه" خلال الأعوام ( 1405-1433م) برحلات بحرية متتالية إلى بلاد العرب يرافقه المترجم "ما هوان" الذي دوّن أثناء وجوده في ظفار وهرمز الكثير من الملاحظات والانطباعات عن العُمانيين، عاداتهم، وطبيعة حياتهم ونشاطاتهم اليومية. والجدير بالذكر أنّ "ماهوان" اهتم بالنشاط التجاري، وأنواع السلع؛ إذ كانت من أهم أهداف رحلات "تشنغ خه" الانفتاح على العالم، وتوسيع دائرة التبادل التجاري بين العرب وبلاده، وقد أشار في كتاباته إلى حجم التبادل التجاري، وصف السلع المتنوعة التي اشتهرت بها أسواق العرب ؛مثل وصفه للسلع الموجودة في أسواق هرمز، وأسواق ظفار، التي كتب عنها بدقة واصفًا أهم السلع التي تم مقايضتها مع التجار الصين مثل: اللبان، دم الاخوين، و والمر. من جانب آخر أشار " ما هوان" إلى تفاصيل أخرى حول تجارة أهل ظفار وأهل هرمز، مثل: تحديد مواقع الموانئ الجغرافية، وموعد انطلاق الرحلات البحرية منها إلى الهند وقاليكوت، محددًا موقع تلك البلدان واتجاهات الرحلة والفترة الزمنية التي تستغرقها السفن التجارية منذ لحظ إبحارها وإلى حين وصولها وجهتها المقصودة.

إن الملفت للنظر في المدونات الصينية، هو تسجيلها لبعض القضايا الاجتماعية وتفاصيل حياة الشعوب التي زاروها؛ مثل تدوينهم المواضيع ذات العلاقة بثقافة المجتمع العُماني، عقيدتهم ، لغتهم، وعادتهم وتقاليدهم، بالإضافة إلى طبيعة السكان الخَلقِية والخُلُقية، هذا عدا اهتمامهم بتقديم شروحات مستفيضة حول المناخ والطبيعة الجغرافية في ظفار وهرمز، واصفًا مناخ ظفار بإنه حار طوال العام ؛ وهو ما ينافي الواقع؛ إذ تتميز هذه البقعة الجغرافية من عُمان بمناخ استثنائي في الصيف حيث نزول الأمطار وانخفاض في درجات الحرارة حتى تصل إلى العشرينات وهو ما يعرف محليًا " بالخريف".

خلاصة القول: تعد الرحلات أو ما يعرف بأدب الرحلات من أهم المصادر العلمية في عملية التدوين التاريخي؛ نظرًا لما تتضمنه من معلومات قيمة ونادرة قلما يجدها الباحث في المصادر التاريخية الأخرى. ومع إدراكنا بأهميتها كمصدر من مصادر الكتابة التاريخية؛ إلا أن الباحث في التاريخ يجب عليه أن لا يأخذ كل ما تم تدوينه مسلمًا به؛ بل يجب عليه أن يخضع كل ما تم تدوينه للنقد التاريخي أسوة بأي مصدر من مصادر الكتابة التاريخية وليس فقط الرحلات. وفي الواقع المحلي؛ تعد الرحلات البحرية بين الصين وعُمان مصدرًا مهمًا في كتابة التاريخ الحضاري بين البلدين، وما استشهاد الرئيس الصيني "شي جين" في القمة العربية الصينية الأولى بالبحار العماني أبو عبيدة إلا دلالة واضحة على الدور الحضاري الذي قام به العمانيون في سبيل تعميق العلاقات العربية الصينية، وتأكيدًا منه على دور التجار العُمانيون حضاريًا.

* مريم بنت سعيد البرطمانية باحثة دكتوراه في العلاقات العُمانية الصينية، قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس.حاصلة على منحة اليونسكو للباحثين الشباب في طريق الحرير.