في روايته الجديدة «قصر الصبار» يقدم الكاتب العراقي المقيم في بلجيكا زهير كريم صورة جديدة لمدن العراق، وخاصة بغداد، في فترة تلت الحصار، ومواجهة الشخصية العراقية لمحنة صعبة جعلتها في مواجهة مع الجوع، وكذلك مع إنسانيتها، إذ أن الأحداث كانت تدفعها دفعاً لارتداء أقنعة الشر.
زهير المولود في بغداد عام 65 يكتب الشعر والقصة والرواية ومن أعماله «ماكنة كبيرة تدهس المارة» و«فرقة العازفين الحزانى» و«صائد الجثث» و«خيوط الزعفران» و«أغاني الرمل والمانجو» و«رومانتيكا» و«غيوم شمالية شرقية». في هذا الحوار يتحدث كريم حول أبطال عمله الجديد «قصر الصبار» ويطل على المشهد الثقافي سواء في العراق أو في العالم العربي من شباك غربته حيث يعيش في أوروبا.
دعنا نبدأ من «قصر الصبار». تتبع روايتك مصائر مجموعة من الشخصيات يجمعها مكان واحد هو قصر نرجس، لكن العمل يترك الشخصيات في كثير من الأوقات وينشغل بحالة المجتمع وتغيراته وفق السياسة التي تحكمه. هل يمكن اعتبارها راوية عن تاريخ العراق الحديث؟
حاولت في «قصر الصبار» إعادة تقديم الماضي بطريقة تعويضية، أو وفق تصور أدبي منسوج على شكل حكاية موازية، محتوى العدالة فيها أكثر أهمية من جماليات الحدث التاريخي.
رواية «قصر الصبار» ليست رواية تاريخية، وليست محاكمة للماضي بهذا المعنى العدائي، بل هو محاولة لتشريح علاقة السلطة بالجسد. حسناً، نحن أمام شخصيات يلعب الجسد في مصائرها دوراً أساسياً، الجسد المنتهك والمقموع، إنه يشبه في واحدة من أشكاله مقطعاً قصصياً للمتعة، لكنه يقدم في الوقت ذاته مرافعته ضد الشروط الجبرية التي تجعله عاجزاً عن تفادي سوء الحظ. الجسد هنا يبحث عن تعويضات، في نهاية الأمر.
هناك قضية تتعلق بعلاقة الأدب بالتاريخ. عندما أتحدث هنا عن رواية «اسم الوردة» لأمبيرتو إيكو، يظهر هذا التباين الذي يخلقه الروائي أمام مدونة التاريخ، أساس هذا التباين هو توظيف البحث التاريخي ومزجه ببوليسية الحدث. هناك قضية أخرى تتعلق بـ«قصر الصبار» كعمل أدبي لا ينطوي على غضب أو انتقام، بل يهتم بمقاربة بين خصوصيتين، الأدب فيها ينعم بشرف المرافعة عن وجوده باعتباره خارج ثنائية الصدق والكذب. نحن في النهاية أمام ظواهر اجتماعية تتشكل في نسيجها علاقات دائمة التوتر والتنازع. و«قصر الصبار» كعمل أدبي متخيل، ملأ الكأس من حوض التاريخ، خلطه بالأدبية ليظهر وكأنه من النبع نفسه، لكنه بطبائع مختلفة.
الرواية تبدو كالكابوس المحكم، حيث تبيع الابنة لحافاً لتجد ثمن العشاء لأمها، ويبقى البسطاء على الحافة بدون أدنى أمل، وينجو فقط الضباط والتجار الكبار.. ما رأيك؟
مر على الحصار عام قبل أن أغادر العراق، لم يكن الضغط قد وصل إلى الحد الذي يأخذ شكل المأساة الجمعية. حين زرت العراق بعد 15 عاماً من الغياب، استمعت إلى القصة العنيفة التي كان الناس أبطالها وضحاياها، الكابوس الذي قوض البنية الأخلاقية للناس بالدرجة الأولى، سمعت حكايات لا يمكن تصديقها، تبدو وكأنها منسوجة من عبقرية الخيال وتراجيديته. الحصار أدى إلى نتائج مخيفة في جميع مجالات الحياة العامة الصحية والبيئية والاجتماعية والتربوية والعلمية والاقتصادية.
في هذه الرواية حاولت أن أبني عالمين، عالم داخل القصر، بكل ما ينطوي عليه من بذخ ومتعة وخطاب متعال على التراجيديا، وخيانة للأخلاق التي تتغاضى عن مشهد المأساة، وبين عالم خارج القصر حيث يواصل الكابوس خرق كل جدران الحياة.
قدمت عدة جوانب لبغداد، فهي المدينة القاسية والحنون. مدينة الأمل واليأس. هل يمكن أن تكتب صورة جديدة لبغداد في عمل آخر أم أنها ستبقى بهذه الوضعية دائماً بالنسبة لك؟
المكان في الأدب هو خيط الإلهام، لا يجب أن يتحول إلى مجرد إطار جغرافي تدور فيه الأحداث، وهو عنصر حي كذلك يشترك مع باقي عناصر العمل لصناعة التصور النهائي لمقاصد النص الجمالية. صورة بغداد في زمن أحداث الرواية هي أقرب إلى مدن الدستوبيا. الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي كان خيبة تاريخية، تفشي الظلم وغياب العدالة وتلاشي الشعور بالأمان. خلق مدينةً مشوهةً، يزدهر فيها الرعب وغياب الحس الإنساني، مجتمع تسوده الفوضى، الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض. أنا أعتقد أن المدن هي حلم، وبغداد لم تغادر رغم كل شيء منطقة الحلم، لقد مرت عبر تاريخها بانتكاسات، احتلالات وكوارث طبيعية وبيئية، لكنها لم تزل مدينة كبيرة، أتحدث هنا عن الشجرة التي لا يمكن اليأس من أن تطرح ثمارها، لكن الرواية تتحدث عن أسوأ منطقة زمنية مر بها العراق، وهي الحصار الاقتصادي.
تقول أسطورة قديمة: «إذا ظهرت نبتة صبار في بيت، لن يستقر فيه ساكن، لأن الشيطان بصق عليها لتكون شريكته في خلق العواصف». هل تفسر هذه الجملة المفتاحية للرواية المصير الأسود لسكان القصر، انتهاء بنرجس التي حقق عباس انتقامه منها؟
العتبات النصية هي علامات دلالية تفتح أبواب النص أمام القارئ، باب يدخل منه إلى بيت النص. نعم.. هذه الجملة هي العتبة النصية الأولى وقد وضعت لتقوم بهذه الوظيفة. لا يشمل الأمر حياة نرجس فقط، بل كل سكان القصر منذ تشييده.
لماذا اخترت أن تكتب روايتك وفق تقنية الأصوات. هل كنت تريد أن تقدم كل شخصية وفق تفسيرات الشخصيات الأخرى؟
عندما ينطوي النص السردي على تنوع في الفئات الاجتماعية، يستدعي ذلك تنوعاً في مستويات اللغة، يشرح باختين تعدد الأصوات بأنه تعدد مراكز الوعي، كانت هناك مراكز متعددة، وليس نقطة واحدة ينطلق ويعود إليها فعل الحكي، بل يبدو كل فصل وكأنه منفصل ومتصل مع الفصول الأخرى. بعض الأصوات اتفقت في وجهات النظر، تباينت أخرى مع نسيجة الحكاية، أما تعدد الأصوات فهو يفسر الواقع من عدة وجهات نظر.
في الرواية يمكن تلمس نوع من الامتداد العروبي، فمصر حاضرة في الأفلام والأغاني، ولبنان حاضرة في شخصية سونا، وغيرهما. لماذا كنت حريصاً على ذلك؟
لم أقصد بشكل مسبق استدعاء شخصيات غير عراقية داخل نسيج الحكاية. لكن «الحاج رافع» ذهب إلى لبنان لقضاء شهر العسل مع «نرجس»، و«سونا» عاملة المطعم تفرغت كلياً لهما خلال وجودهما، طاولتهما كانت محل الاهتمام الكامل، جرت أحاديث، وتقاربت النفوس، نرجس أحبتها، ربما رغبة في سلوكها الذي بدا لها راقياً متعالياً نوعاً ما، أرادت أن تقول لسونا إنها غنية وزوجة رجل مهم، أما سلوكك الأرستقراطي فلا يعني شيئاً، بالنسبة لمصر، يرتبط الأمر بمرحلة سياسية كانت أفكار العروبية والقومية بالفعل هي السائدة، لهذا أعتقد أن الشخصيات اللبنانية والمصرية حضرت لأسباب من هذا النوع.
تركت النهاية شبه مفتوحة، لا نعرف نحن القراء أو البطلان جبار وسونا إن كانت نرجس قد ماتت أم لا رغم إصابتها بالرصاص، وفي نفس الوقت لا نعرف ماذا سيحدث مع جبار وسونا نفسيهما، فرغم أنهما بريئان إلا أن مصيرهما يبدو قاتماً ومع هذا لا يمكن الجزم. لماذا تركت النهاية شبه مفتوحة؟
خططت لمسار الحكاية، وتصوري للعمل أنتج هذا النوع من النهايات، أعتقد أنها متوافقة مع دلالاته وحمولاته الرمزية. لست قاضياً، لا أريد الحكم فأصنع مصائر عادلة أو ظالمة للشخصيات، لست في هذا الموقع، كل شيء مرتبط بتصور أو قراءة لطبيعة الحدث. نرجس لم تمت، هناك إشارة في الفصل الأول، بخصوص عودتها إلى القصر، بهيئة أخرى، وضيوف جدد هم امتداد لضيوفها القدماء والذين خسروا المعركة، وفقدوا القدرة على إنتاج خطاب قوي، يجعلهم ضيوفاً إلى الأبد.
بعض الأعمال تبدأ من جريمة القتل وتشبك خيوطها حولها لكنك تنتهي بجريمة القتل. لماذا؟
ينغلق السرد في «قصر الصبار» على جريمة قتل، كانت ضرورية لفتح الطريق أمام ساكن جديد، جريمة القتل هي نهاية حقبة تاريخية، حدث سبق الاحتلال الأمريكي بفترة قصيرة، هذه المرة لا بد من طرد نرجس، في الواقع هو طرد لزبائن نرجس واستبدالهم بضيوف جدد، لكن الحكاية رغم تشظيها، جمعها «الراوي الصحفي» في النهاية، ولم يترك خيطاً واحداً دون إيصاله إلى مركز الحدث.
يبدو كأن الرواية تقول إن أحداً لن يفلت من العقاب حتى لو لم يرتكب جرماً أو إثماً. ما رأيك؟
هناك شخصيات لم تتعرض للعقاب، جبار حصل على وظيفة ممتازة في حكومة ما بعد الاحتلال، أصبح في وضع اقتصادي ممتاز، لديه رغبة بالحكي، أراد أن يرى نفسه في مرآة دون أن يكون لشخصيته القديمة حضور فعلي، فضل ارتداء قناع وجلس في مدرج الجمهور ليتفرج على ذاته العارية، سيرته الملوثة بالعمل حارساً في بيت دعارة. حصل كذلك على صفة بطل إذ وجدوه عندما كسروا السجون هناك. الناس يحبون قصص الأبطال حتى لو كانت مزيفة. زوجته «هناء» أيضاً عاشت في تصالح مع جسدها وبيتها وأطفالها، «سونا» أيضاً رغم السجن لفترة قصيرة، حصلت على المال الذي يجعلها تحقق جزءاً من أحلامها في بيروت، الحاج رافع ذهب إلى أمريكا، الآخرون كان حظهم سيئاً ربما، عندما تمر العاصفة ينجو البعض، يخرج البعض بتصدعات وكدمات، ويغادر آخرون النزهة. نحن كبشر كما تقول نرجس في مذكراتها، ساحة يلتقي فيها الملاك والشيطان، ثمة شروط كثيرة تدفع المرء ليكون ملاكاً في صورة، أو شيطاناً في صورة أخرى.
وهل أجهز حصار العراق على كل الأبطال؟
لا أبداً، هناك أبطال في الواقع، لكنهم خرجوا من تجربة الحصار بتصدعات مميتة، لم يتنازلوا عن مرتبة الفرسان، لم يسقطوا في المياه الضحلة، البنية النفسية للناس ليست في مستوى واحد من القوة والصلابة. شخصيات الرواية واصلوا العيش، بعضهم توقفت رحلته. الحظ ربما والصدفة ما صنع للآخرين مصائر جديدة، في النهاية ثمة أصابع لا مرئية تنسج حكاياتنا.
هل كان غريباً أن تتشابك قصتان مهمتان في مشهد النهاية، أعني ذهاب السائق حسين إلى قصر الصبار في وقت غير مخصص له، وكذلك مجيء عباس ليحقق انتقامه من نرجس لمصلحة شقيقه؟
الوقائع المفاجئة في حياتنا نقول إن الصدفة هي من نسجتها، لكن ما الصدفة؟ وكيف تفعل ذلك؟ أنا لا أعتقد بأحداث تجيء هكذا كما لو أنها صخرة هبطت من السماء، حتى الصخرة لا تهبط بالصدفة أيضاً. سعيد وصل إلى مرحلة اليأس مدفوعاً بثمالته وحواره العنيف مع أمه، ذهب ليحسم الأمر، عباس لم يغب عن المشهد طوال الوقت، كان ينسج حكايته للوصول إلى هذه اللحظة، في النهاية تحدث لنا نحن البشر أشياء مثل هذه، لكنها ليست صدفة في النهاية.
استخدمت حيلة «الفنط» المائل، والأسود، لتمييز بعض الشخصيات. فلماذا لم تفكر في تسمية فصول العمل بأسماء الشخصيات؟
لم أذهب لفكرة منح كل شخصية وضعاً مستقلاً، أردت أن يكون الجميع داخل كادر عام، صورة جماعية، مصير واحد. الإشارة إلى الأسماء هي إغراء في النزوع نحو الاستقلالية التامة، فيبدو كل اسم كما لو أنه يعيش في قوقعة، مسار الحكاية يشير إلى أن الجميع هم جداول صغيرة تجري كلها لتصب في نهر لن يتوقف.
هل لجأت إلى القراءة في تاريخ العراق الحديث قبل كتابة هذه الرواية؟
لابد للكاتب أن يكون قريباً من التاريخ، هو ظاهرة شديدة الارتباط بالمجتمع مثل الرواية. قرأت في حقول أخرى احتجتها لدعم بناء الشخصيات والحكايات، لكني أعدت بشكل مركز قراءة تاريخ الدولة العراقية الحديثة. الفصل المتعلق بتاريخ القصر هو سلسلة من الحكايات المتخيلة استمدت تشكلها من التاريخ الرسمي، لست معنياً بالكذب أو الصدق، أو أية شبهة تتعلق بهذا التاريخ، ما كان يهمني البناء الموازي الذي يعبر عن تصوري للحدث. استدعيت الانقطاعات والشبهات في التاريخ، الروائي يحتاج إلى تلك الفجوات التي يتركها المؤرخ لأسباب عديدة، فيشغلها الكاتب، إنها مساحة فارغة يمكن له التحرك داخلها بحرية.
أنت شاعر وقاص وروائي.. كيف توازن بين كل هؤلاء الكتَّاب داخلك؟
لكل جنس تقاليد وتاريخ مقدس لا يمكن تشويهه أو حتى المساس به. لكن بعض الكتاب يجدون أنفسهم أمام حالة إغواء تقودهم إلى تجريب المناطق المجاورة لمساحات اشتغالهم الأساسية، المحرض على هذا الإغواء يتعلق بطبيعة التجاور نفسها، إنها رغبة بامتصاص ما يظهر على الأزهار من تنوع في اللون والشكل والرائحة. بالنسبة لي أكتب ضمن حدود هذه الفكرة، فكرة الامتصاص نفسها بما تتضمنه من رغبة في تجريب طعم آخر.
أين تضع هذا العمل بين أعمالك الأخرى؟
أتخيل الأمر مثل سلم، لا أعرف إلى أي نقطة يمكن القول عندها قد وصلت، على كل درجة منه عمل، يحرضني الحلم أن أقترب أكثر، لا أتحدث هنا عن القيمة الإبداعية، هذا أمر يتعلق بالقارئ، لكني داخل نفسي أحلم بكتابة النص الذي أتمنى، لهذا أفرح بكل خطوة، وأفترض أن كل عمل جديد يضعني على درجة أعلى في هذا السلم الوهمي، أدرك إنه بعيد، لكني سأصل، عند الموت نتوقف عن الكتابة، حينها يمكننا القول: أخيراً وصلنا!
كيف ترى الساحة الثقافية في بلدك العراق من بلجيكا حيث تقيم؟
أتابع بالطبع، أقرأ الأعمال السردية حسب توفرها، أقرأ الشعر، هناك وفرة كبيرة في الإصدارات، كنت في بغداد نهاية 2021، أيام معرض الكتاب، خلال زيارتي حضرت عروضاً مسرحية على هامش مهرجانين للمسرح العربي والعالمي، زرت صالات عرض للفنون التشكيلية، حضرت أمسيات أدبية، أعتقد أن العراق من هذا الجانب، أعني الكتابة والفن بشكل عام، يتحرك بفعالية، لكني متشائم جداً عن الأوضاع الأخرى، إذ يبدو أن العافية تحتاج لوقت طويل، أتمنى أن لا يكون طويلاً جداً.
هل بُعدك عن بلدك يجعلك ترى الصورة بشكل أوضح مما لو كنت تعيش فيه؟
لست بعيداً تماماً عن العراق، أزور أهلي باستمرار، هذا لا يكفي طبعاً، أشك في أنني سأرى الصورة أكثر وضوحاً عندما أكون بعيداً، أن أكون قريباً على ما أعتقد هو ما يجعلني أكثر قدرة على فهم الأمور. فيما يتعلق بالسياسة على الأقل، والتي لم أعد منذ سنوات أهتم بها كثيراً، يبدو أنني يائس، لكني أتابع الحركة الثقافية بشكل جيد، وأعتقد أن الصورة ليست مبهجة لكنها تبعث على الأمل.
ما الذي أضافته الثقافة الأوربية إليك ككاتب وإنسان؟
هناك أثر ما يتركه كل مكان جديد، المكان هو وعاء ثقافي، يؤثر ويتأثر، لكن أعتقد أن هناك مشكلة تتعلق بوقوف المهاجر على قدم واحدة، يرافق هذه الحركة الشعور بالتهميش وعدم القدرة على اختراق الجدار، هناك جدار صلب لن تخترقه إلا من ثغرة هم يفتحونها لك، تكونت لي ذاكرة هنا تمتزج بصورة المكان القديم. أعرف أن شيئاً ما أضيف إليَّ على صعيد الكتابة، لست متيقناً من طبيعته، لكني على صعيد النظرة إلى العالم تخلصت من بعض الشوائب التي كانت تشوش تفكيري، طريقة العيش لديَّ بدأت تتشكل على أساس تصالح مع الذات، في النتيجة منحني المكان الجديد بعض الأشياء التي أعتقد أنها مثيرة وجيدة.
ما جيلك.. وهل ترى أن أعمالك حظيت بالتقدير النقدي؟
الكتابة كما أعتقد عابرة لهذا النوع من الأفكار التجييلية، أنا قريب من كتابة الجميع. إصداراتي اُستقبلت بشكل معقول، كتب الكثير من الأصدقاء عنها، بعضها لم يكن محظوظاً، إذ صدر في زمن الحجر الصحي وما تبعه من إغلاق معارض الكتب، وصعوبة التوزيع. أكثر من كتاب ضاع في هذا الاستثناء العالمي، في كل الأحوال ما زلت أكتب على أساس أني لم أمت بعد، ربما توقفت لسبب آخر من يدري! الكتاب الذي يصدر يتشكل له مصير لن يستطيع الكاتب التدخل فيه، ربما الناشر أو القارئ، أو الجائزة، لا أدري لكني ما زلت أكتب وبشغف، هذا هو المهم، أمّا إذا توقفت فلن أتلاشى، سأعبر إلى منطقة أخرى، منطقة القارئ مثلاً، مرة سألني أحدهم: ماذا لو لم تكن كاتباً؟ فقلت: سوف أكون طباخاً.
ما أبرز ملاحظاتك على الساحة الثقافية العربية؟
أعتقد أن الهزة العنيفة، التي تمثلت بـ«الربيع العربي» قادت لتغييرات في خارطة الأدب والثقافة بالمجمل. وأثرت على الإنتاج الأدبي، وبشكل خاص الرواية من حيث الكم والكيف. لا يمكن لي أن أنكر هامش الحرية بعد عقود طويلة من الانغلاق، في العراق خاصة، بعض المناطق العربية أيضاً، وعلى الرغم من كونها خارج خارطة حركة التغيير السياسي، تأثرت. الوضع السياسي ما زال متخلفاً، تقليدياً لم يغادر صورته القديمة، لكنَّ تغييراً ما حصل بالفعل. لست متفائلاً جداً بهذا الهامش من الحرية في إيجاد حركة ثقافية فاعلة ومؤثرة، لكني أعتقد أن الكتابة الإبداعية والمدونات الثقافية تحررت من الغرفة المعتمة، تقدمت خطوة خارج قوقعة الصمت إلى فضاء الهمس. الملاحظة المهمة هو نشاط الترجمة. المترجمون هم الفرسان، لكن الملاحظة الأكثر درامية هو وضع النشر وتداول الكتاب، الصراع غير المتكافئ بين منتجات العالم الإلكتروني والثقافة التقليدية، في النهاية، كل متغير ينطوي على مساوئ ومحاسن على المدى البعيد. وما علينا سوى التعامل مع كل تغيير بروح رياضية!
هل يعاني الكتاب العربي من سوء التوزيع وهل تحل منصات الكتب الإلكترونية المشكلة بشكل جزئي؟
أعترف في البداية أني منحاز بدرجة كبيرة للكتاب الورقي، ثمة أسباب كثيرة منها ما يتعلق بعلاقتي العاطفية مع الورق، لا أريد أن أبدو خائناً لرائحة الحبر، ولا للصورة المخزونة داخل ذاكرتي، عن ذلك القارئ الذي يمسك بكتاب، ويجلس أمام مدفأة، بينما في الخارج مطر خفيف ينهمر في العتمة، أسمع صوت الورق الذي ينقلب وتلك التوقفات التي يرفع فيها رأسه من أجل استراحة أو تأمل، هذا الصورة لم تغادرني، لكن العالم يتغير. الكتاب الإلكتروني في النهاية يحقق انتصارات في حلبة الزمن، فهو رخيص ويمكن الحصول عليه بسهولة. الكتاب يظهر في حالة معاناة بالفعل، الناشرون يتحملون جزءاً من المسؤولية، سواء من حيث سوء التوزيع أو غلاء الأسعار.
وما رأيك في الجوائز العربية؟
أعتقد أن عبقرية الجوائز تكمن في حضورها المؤثر، على الرغم من الجدل الذي يدور دائما حول نزاهتها، وجديتها في اختيار الأفضل. فكرة الحافز مرتبطة أصلاً بطبائع الكائن البشري، إنها طريقة للنمو والتجديد والمثابرة. لكني غير مرتاح لفكرة المصارعة، لستُ واثقاً من احترامي للحلبة. لقد جربت أن أكون عضو لجنة تحكيم في أكثر من جائزة أدبية، حسنا دعني اعترف أن الذائقة الشخصية والمعايير المتعلقة بتاريخ النوع الأدبي، يمتزجان معا لتقديم نص على غيره، لكن شروطا أخرى من المؤكد أنها تدخل هذا الحيز لرفع يد العمل الأدبي، مانحة إياه صفة المنتصر في النزال. في البيانات النهائية للجنة التحكيم، تُقدم مرافعات حماسية، دفاعا عن اختيارها لا، بعض البيانات لا تنطوي حتى على ذرائع مقبولة، بل وأسباب غامضة أو مضحكة. على كل حال، تظهر فوائد الجوائز في كونها الحجر الذي يُرمى في بحيرة ساكنة، واعتماداً على فكرة الحافز سوف تتحرك مياه البحيرة، العثور على معنى العدالة سوف يصبح قضية ثانوية، قضية يمكن أن نجد لها أثراً في الجدال الذي يعقب كل إعلان لنتائج الجوائز، لكن لا أثر له في النتيجة التي تمنح النص الفائز فرصة أن يصل للآخرين. في النهاية يخضع الكتاب إلى ما يشبه محكمة استئناف، وهي الأهم من لجنة التحكيم، محكمة القارئ.
زهير المولود في بغداد عام 65 يكتب الشعر والقصة والرواية ومن أعماله «ماكنة كبيرة تدهس المارة» و«فرقة العازفين الحزانى» و«صائد الجثث» و«خيوط الزعفران» و«أغاني الرمل والمانجو» و«رومانتيكا» و«غيوم شمالية شرقية». في هذا الحوار يتحدث كريم حول أبطال عمله الجديد «قصر الصبار» ويطل على المشهد الثقافي سواء في العراق أو في العالم العربي من شباك غربته حيث يعيش في أوروبا.
دعنا نبدأ من «قصر الصبار». تتبع روايتك مصائر مجموعة من الشخصيات يجمعها مكان واحد هو قصر نرجس، لكن العمل يترك الشخصيات في كثير من الأوقات وينشغل بحالة المجتمع وتغيراته وفق السياسة التي تحكمه. هل يمكن اعتبارها راوية عن تاريخ العراق الحديث؟
حاولت في «قصر الصبار» إعادة تقديم الماضي بطريقة تعويضية، أو وفق تصور أدبي منسوج على شكل حكاية موازية، محتوى العدالة فيها أكثر أهمية من جماليات الحدث التاريخي.
رواية «قصر الصبار» ليست رواية تاريخية، وليست محاكمة للماضي بهذا المعنى العدائي، بل هو محاولة لتشريح علاقة السلطة بالجسد. حسناً، نحن أمام شخصيات يلعب الجسد في مصائرها دوراً أساسياً، الجسد المنتهك والمقموع، إنه يشبه في واحدة من أشكاله مقطعاً قصصياً للمتعة، لكنه يقدم في الوقت ذاته مرافعته ضد الشروط الجبرية التي تجعله عاجزاً عن تفادي سوء الحظ. الجسد هنا يبحث عن تعويضات، في نهاية الأمر.
هناك قضية تتعلق بعلاقة الأدب بالتاريخ. عندما أتحدث هنا عن رواية «اسم الوردة» لأمبيرتو إيكو، يظهر هذا التباين الذي يخلقه الروائي أمام مدونة التاريخ، أساس هذا التباين هو توظيف البحث التاريخي ومزجه ببوليسية الحدث. هناك قضية أخرى تتعلق بـ«قصر الصبار» كعمل أدبي لا ينطوي على غضب أو انتقام، بل يهتم بمقاربة بين خصوصيتين، الأدب فيها ينعم بشرف المرافعة عن وجوده باعتباره خارج ثنائية الصدق والكذب. نحن في النهاية أمام ظواهر اجتماعية تتشكل في نسيجها علاقات دائمة التوتر والتنازع. و«قصر الصبار» كعمل أدبي متخيل، ملأ الكأس من حوض التاريخ، خلطه بالأدبية ليظهر وكأنه من النبع نفسه، لكنه بطبائع مختلفة.
الرواية تبدو كالكابوس المحكم، حيث تبيع الابنة لحافاً لتجد ثمن العشاء لأمها، ويبقى البسطاء على الحافة بدون أدنى أمل، وينجو فقط الضباط والتجار الكبار.. ما رأيك؟
مر على الحصار عام قبل أن أغادر العراق، لم يكن الضغط قد وصل إلى الحد الذي يأخذ شكل المأساة الجمعية. حين زرت العراق بعد 15 عاماً من الغياب، استمعت إلى القصة العنيفة التي كان الناس أبطالها وضحاياها، الكابوس الذي قوض البنية الأخلاقية للناس بالدرجة الأولى، سمعت حكايات لا يمكن تصديقها، تبدو وكأنها منسوجة من عبقرية الخيال وتراجيديته. الحصار أدى إلى نتائج مخيفة في جميع مجالات الحياة العامة الصحية والبيئية والاجتماعية والتربوية والعلمية والاقتصادية.
في هذه الرواية حاولت أن أبني عالمين، عالم داخل القصر، بكل ما ينطوي عليه من بذخ ومتعة وخطاب متعال على التراجيديا، وخيانة للأخلاق التي تتغاضى عن مشهد المأساة، وبين عالم خارج القصر حيث يواصل الكابوس خرق كل جدران الحياة.
قدمت عدة جوانب لبغداد، فهي المدينة القاسية والحنون. مدينة الأمل واليأس. هل يمكن أن تكتب صورة جديدة لبغداد في عمل آخر أم أنها ستبقى بهذه الوضعية دائماً بالنسبة لك؟
المكان في الأدب هو خيط الإلهام، لا يجب أن يتحول إلى مجرد إطار جغرافي تدور فيه الأحداث، وهو عنصر حي كذلك يشترك مع باقي عناصر العمل لصناعة التصور النهائي لمقاصد النص الجمالية. صورة بغداد في زمن أحداث الرواية هي أقرب إلى مدن الدستوبيا. الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي كان خيبة تاريخية، تفشي الظلم وغياب العدالة وتلاشي الشعور بالأمان. خلق مدينةً مشوهةً، يزدهر فيها الرعب وغياب الحس الإنساني، مجتمع تسوده الفوضى، الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض. أنا أعتقد أن المدن هي حلم، وبغداد لم تغادر رغم كل شيء منطقة الحلم، لقد مرت عبر تاريخها بانتكاسات، احتلالات وكوارث طبيعية وبيئية، لكنها لم تزل مدينة كبيرة، أتحدث هنا عن الشجرة التي لا يمكن اليأس من أن تطرح ثمارها، لكن الرواية تتحدث عن أسوأ منطقة زمنية مر بها العراق، وهي الحصار الاقتصادي.
تقول أسطورة قديمة: «إذا ظهرت نبتة صبار في بيت، لن يستقر فيه ساكن، لأن الشيطان بصق عليها لتكون شريكته في خلق العواصف». هل تفسر هذه الجملة المفتاحية للرواية المصير الأسود لسكان القصر، انتهاء بنرجس التي حقق عباس انتقامه منها؟
العتبات النصية هي علامات دلالية تفتح أبواب النص أمام القارئ، باب يدخل منه إلى بيت النص. نعم.. هذه الجملة هي العتبة النصية الأولى وقد وضعت لتقوم بهذه الوظيفة. لا يشمل الأمر حياة نرجس فقط، بل كل سكان القصر منذ تشييده.
لماذا اخترت أن تكتب روايتك وفق تقنية الأصوات. هل كنت تريد أن تقدم كل شخصية وفق تفسيرات الشخصيات الأخرى؟
عندما ينطوي النص السردي على تنوع في الفئات الاجتماعية، يستدعي ذلك تنوعاً في مستويات اللغة، يشرح باختين تعدد الأصوات بأنه تعدد مراكز الوعي، كانت هناك مراكز متعددة، وليس نقطة واحدة ينطلق ويعود إليها فعل الحكي، بل يبدو كل فصل وكأنه منفصل ومتصل مع الفصول الأخرى. بعض الأصوات اتفقت في وجهات النظر، تباينت أخرى مع نسيجة الحكاية، أما تعدد الأصوات فهو يفسر الواقع من عدة وجهات نظر.
في الرواية يمكن تلمس نوع من الامتداد العروبي، فمصر حاضرة في الأفلام والأغاني، ولبنان حاضرة في شخصية سونا، وغيرهما. لماذا كنت حريصاً على ذلك؟
لم أقصد بشكل مسبق استدعاء شخصيات غير عراقية داخل نسيج الحكاية. لكن «الحاج رافع» ذهب إلى لبنان لقضاء شهر العسل مع «نرجس»، و«سونا» عاملة المطعم تفرغت كلياً لهما خلال وجودهما، طاولتهما كانت محل الاهتمام الكامل، جرت أحاديث، وتقاربت النفوس، نرجس أحبتها، ربما رغبة في سلوكها الذي بدا لها راقياً متعالياً نوعاً ما، أرادت أن تقول لسونا إنها غنية وزوجة رجل مهم، أما سلوكك الأرستقراطي فلا يعني شيئاً، بالنسبة لمصر، يرتبط الأمر بمرحلة سياسية كانت أفكار العروبية والقومية بالفعل هي السائدة، لهذا أعتقد أن الشخصيات اللبنانية والمصرية حضرت لأسباب من هذا النوع.
تركت النهاية شبه مفتوحة، لا نعرف نحن القراء أو البطلان جبار وسونا إن كانت نرجس قد ماتت أم لا رغم إصابتها بالرصاص، وفي نفس الوقت لا نعرف ماذا سيحدث مع جبار وسونا نفسيهما، فرغم أنهما بريئان إلا أن مصيرهما يبدو قاتماً ومع هذا لا يمكن الجزم. لماذا تركت النهاية شبه مفتوحة؟
خططت لمسار الحكاية، وتصوري للعمل أنتج هذا النوع من النهايات، أعتقد أنها متوافقة مع دلالاته وحمولاته الرمزية. لست قاضياً، لا أريد الحكم فأصنع مصائر عادلة أو ظالمة للشخصيات، لست في هذا الموقع، كل شيء مرتبط بتصور أو قراءة لطبيعة الحدث. نرجس لم تمت، هناك إشارة في الفصل الأول، بخصوص عودتها إلى القصر، بهيئة أخرى، وضيوف جدد هم امتداد لضيوفها القدماء والذين خسروا المعركة، وفقدوا القدرة على إنتاج خطاب قوي، يجعلهم ضيوفاً إلى الأبد.
بعض الأعمال تبدأ من جريمة القتل وتشبك خيوطها حولها لكنك تنتهي بجريمة القتل. لماذا؟
ينغلق السرد في «قصر الصبار» على جريمة قتل، كانت ضرورية لفتح الطريق أمام ساكن جديد، جريمة القتل هي نهاية حقبة تاريخية، حدث سبق الاحتلال الأمريكي بفترة قصيرة، هذه المرة لا بد من طرد نرجس، في الواقع هو طرد لزبائن نرجس واستبدالهم بضيوف جدد، لكن الحكاية رغم تشظيها، جمعها «الراوي الصحفي» في النهاية، ولم يترك خيطاً واحداً دون إيصاله إلى مركز الحدث.
يبدو كأن الرواية تقول إن أحداً لن يفلت من العقاب حتى لو لم يرتكب جرماً أو إثماً. ما رأيك؟
هناك شخصيات لم تتعرض للعقاب، جبار حصل على وظيفة ممتازة في حكومة ما بعد الاحتلال، أصبح في وضع اقتصادي ممتاز، لديه رغبة بالحكي، أراد أن يرى نفسه في مرآة دون أن يكون لشخصيته القديمة حضور فعلي، فضل ارتداء قناع وجلس في مدرج الجمهور ليتفرج على ذاته العارية، سيرته الملوثة بالعمل حارساً في بيت دعارة. حصل كذلك على صفة بطل إذ وجدوه عندما كسروا السجون هناك. الناس يحبون قصص الأبطال حتى لو كانت مزيفة. زوجته «هناء» أيضاً عاشت في تصالح مع جسدها وبيتها وأطفالها، «سونا» أيضاً رغم السجن لفترة قصيرة، حصلت على المال الذي يجعلها تحقق جزءاً من أحلامها في بيروت، الحاج رافع ذهب إلى أمريكا، الآخرون كان حظهم سيئاً ربما، عندما تمر العاصفة ينجو البعض، يخرج البعض بتصدعات وكدمات، ويغادر آخرون النزهة. نحن كبشر كما تقول نرجس في مذكراتها، ساحة يلتقي فيها الملاك والشيطان، ثمة شروط كثيرة تدفع المرء ليكون ملاكاً في صورة، أو شيطاناً في صورة أخرى.
وهل أجهز حصار العراق على كل الأبطال؟
لا أبداً، هناك أبطال في الواقع، لكنهم خرجوا من تجربة الحصار بتصدعات مميتة، لم يتنازلوا عن مرتبة الفرسان، لم يسقطوا في المياه الضحلة، البنية النفسية للناس ليست في مستوى واحد من القوة والصلابة. شخصيات الرواية واصلوا العيش، بعضهم توقفت رحلته. الحظ ربما والصدفة ما صنع للآخرين مصائر جديدة، في النهاية ثمة أصابع لا مرئية تنسج حكاياتنا.
هل كان غريباً أن تتشابك قصتان مهمتان في مشهد النهاية، أعني ذهاب السائق حسين إلى قصر الصبار في وقت غير مخصص له، وكذلك مجيء عباس ليحقق انتقامه من نرجس لمصلحة شقيقه؟
الوقائع المفاجئة في حياتنا نقول إن الصدفة هي من نسجتها، لكن ما الصدفة؟ وكيف تفعل ذلك؟ أنا لا أعتقد بأحداث تجيء هكذا كما لو أنها صخرة هبطت من السماء، حتى الصخرة لا تهبط بالصدفة أيضاً. سعيد وصل إلى مرحلة اليأس مدفوعاً بثمالته وحواره العنيف مع أمه، ذهب ليحسم الأمر، عباس لم يغب عن المشهد طوال الوقت، كان ينسج حكايته للوصول إلى هذه اللحظة، في النهاية تحدث لنا نحن البشر أشياء مثل هذه، لكنها ليست صدفة في النهاية.
استخدمت حيلة «الفنط» المائل، والأسود، لتمييز بعض الشخصيات. فلماذا لم تفكر في تسمية فصول العمل بأسماء الشخصيات؟
لم أذهب لفكرة منح كل شخصية وضعاً مستقلاً، أردت أن يكون الجميع داخل كادر عام، صورة جماعية، مصير واحد. الإشارة إلى الأسماء هي إغراء في النزوع نحو الاستقلالية التامة، فيبدو كل اسم كما لو أنه يعيش في قوقعة، مسار الحكاية يشير إلى أن الجميع هم جداول صغيرة تجري كلها لتصب في نهر لن يتوقف.
هل لجأت إلى القراءة في تاريخ العراق الحديث قبل كتابة هذه الرواية؟
لابد للكاتب أن يكون قريباً من التاريخ، هو ظاهرة شديدة الارتباط بالمجتمع مثل الرواية. قرأت في حقول أخرى احتجتها لدعم بناء الشخصيات والحكايات، لكني أعدت بشكل مركز قراءة تاريخ الدولة العراقية الحديثة. الفصل المتعلق بتاريخ القصر هو سلسلة من الحكايات المتخيلة استمدت تشكلها من التاريخ الرسمي، لست معنياً بالكذب أو الصدق، أو أية شبهة تتعلق بهذا التاريخ، ما كان يهمني البناء الموازي الذي يعبر عن تصوري للحدث. استدعيت الانقطاعات والشبهات في التاريخ، الروائي يحتاج إلى تلك الفجوات التي يتركها المؤرخ لأسباب عديدة، فيشغلها الكاتب، إنها مساحة فارغة يمكن له التحرك داخلها بحرية.
أنت شاعر وقاص وروائي.. كيف توازن بين كل هؤلاء الكتَّاب داخلك؟
لكل جنس تقاليد وتاريخ مقدس لا يمكن تشويهه أو حتى المساس به. لكن بعض الكتاب يجدون أنفسهم أمام حالة إغواء تقودهم إلى تجريب المناطق المجاورة لمساحات اشتغالهم الأساسية، المحرض على هذا الإغواء يتعلق بطبيعة التجاور نفسها، إنها رغبة بامتصاص ما يظهر على الأزهار من تنوع في اللون والشكل والرائحة. بالنسبة لي أكتب ضمن حدود هذه الفكرة، فكرة الامتصاص نفسها بما تتضمنه من رغبة في تجريب طعم آخر.
أين تضع هذا العمل بين أعمالك الأخرى؟
أتخيل الأمر مثل سلم، لا أعرف إلى أي نقطة يمكن القول عندها قد وصلت، على كل درجة منه عمل، يحرضني الحلم أن أقترب أكثر، لا أتحدث هنا عن القيمة الإبداعية، هذا أمر يتعلق بالقارئ، لكني داخل نفسي أحلم بكتابة النص الذي أتمنى، لهذا أفرح بكل خطوة، وأفترض أن كل عمل جديد يضعني على درجة أعلى في هذا السلم الوهمي، أدرك إنه بعيد، لكني سأصل، عند الموت نتوقف عن الكتابة، حينها يمكننا القول: أخيراً وصلنا!
كيف ترى الساحة الثقافية في بلدك العراق من بلجيكا حيث تقيم؟
أتابع بالطبع، أقرأ الأعمال السردية حسب توفرها، أقرأ الشعر، هناك وفرة كبيرة في الإصدارات، كنت في بغداد نهاية 2021، أيام معرض الكتاب، خلال زيارتي حضرت عروضاً مسرحية على هامش مهرجانين للمسرح العربي والعالمي، زرت صالات عرض للفنون التشكيلية، حضرت أمسيات أدبية، أعتقد أن العراق من هذا الجانب، أعني الكتابة والفن بشكل عام، يتحرك بفعالية، لكني متشائم جداً عن الأوضاع الأخرى، إذ يبدو أن العافية تحتاج لوقت طويل، أتمنى أن لا يكون طويلاً جداً.
هل بُعدك عن بلدك يجعلك ترى الصورة بشكل أوضح مما لو كنت تعيش فيه؟
لست بعيداً تماماً عن العراق، أزور أهلي باستمرار، هذا لا يكفي طبعاً، أشك في أنني سأرى الصورة أكثر وضوحاً عندما أكون بعيداً، أن أكون قريباً على ما أعتقد هو ما يجعلني أكثر قدرة على فهم الأمور. فيما يتعلق بالسياسة على الأقل، والتي لم أعد منذ سنوات أهتم بها كثيراً، يبدو أنني يائس، لكني أتابع الحركة الثقافية بشكل جيد، وأعتقد أن الصورة ليست مبهجة لكنها تبعث على الأمل.
ما الذي أضافته الثقافة الأوربية إليك ككاتب وإنسان؟
هناك أثر ما يتركه كل مكان جديد، المكان هو وعاء ثقافي، يؤثر ويتأثر، لكن أعتقد أن هناك مشكلة تتعلق بوقوف المهاجر على قدم واحدة، يرافق هذه الحركة الشعور بالتهميش وعدم القدرة على اختراق الجدار، هناك جدار صلب لن تخترقه إلا من ثغرة هم يفتحونها لك، تكونت لي ذاكرة هنا تمتزج بصورة المكان القديم. أعرف أن شيئاً ما أضيف إليَّ على صعيد الكتابة، لست متيقناً من طبيعته، لكني على صعيد النظرة إلى العالم تخلصت من بعض الشوائب التي كانت تشوش تفكيري، طريقة العيش لديَّ بدأت تتشكل على أساس تصالح مع الذات، في النتيجة منحني المكان الجديد بعض الأشياء التي أعتقد أنها مثيرة وجيدة.
ما جيلك.. وهل ترى أن أعمالك حظيت بالتقدير النقدي؟
الكتابة كما أعتقد عابرة لهذا النوع من الأفكار التجييلية، أنا قريب من كتابة الجميع. إصداراتي اُستقبلت بشكل معقول، كتب الكثير من الأصدقاء عنها، بعضها لم يكن محظوظاً، إذ صدر في زمن الحجر الصحي وما تبعه من إغلاق معارض الكتب، وصعوبة التوزيع. أكثر من كتاب ضاع في هذا الاستثناء العالمي، في كل الأحوال ما زلت أكتب على أساس أني لم أمت بعد، ربما توقفت لسبب آخر من يدري! الكتاب الذي يصدر يتشكل له مصير لن يستطيع الكاتب التدخل فيه، ربما الناشر أو القارئ، أو الجائزة، لا أدري لكني ما زلت أكتب وبشغف، هذا هو المهم، أمّا إذا توقفت فلن أتلاشى، سأعبر إلى منطقة أخرى، منطقة القارئ مثلاً، مرة سألني أحدهم: ماذا لو لم تكن كاتباً؟ فقلت: سوف أكون طباخاً.
ما أبرز ملاحظاتك على الساحة الثقافية العربية؟
أعتقد أن الهزة العنيفة، التي تمثلت بـ«الربيع العربي» قادت لتغييرات في خارطة الأدب والثقافة بالمجمل. وأثرت على الإنتاج الأدبي، وبشكل خاص الرواية من حيث الكم والكيف. لا يمكن لي أن أنكر هامش الحرية بعد عقود طويلة من الانغلاق، في العراق خاصة، بعض المناطق العربية أيضاً، وعلى الرغم من كونها خارج خارطة حركة التغيير السياسي، تأثرت. الوضع السياسي ما زال متخلفاً، تقليدياً لم يغادر صورته القديمة، لكنَّ تغييراً ما حصل بالفعل. لست متفائلاً جداً بهذا الهامش من الحرية في إيجاد حركة ثقافية فاعلة ومؤثرة، لكني أعتقد أن الكتابة الإبداعية والمدونات الثقافية تحررت من الغرفة المعتمة، تقدمت خطوة خارج قوقعة الصمت إلى فضاء الهمس. الملاحظة المهمة هو نشاط الترجمة. المترجمون هم الفرسان، لكن الملاحظة الأكثر درامية هو وضع النشر وتداول الكتاب، الصراع غير المتكافئ بين منتجات العالم الإلكتروني والثقافة التقليدية، في النهاية، كل متغير ينطوي على مساوئ ومحاسن على المدى البعيد. وما علينا سوى التعامل مع كل تغيير بروح رياضية!
هل يعاني الكتاب العربي من سوء التوزيع وهل تحل منصات الكتب الإلكترونية المشكلة بشكل جزئي؟
أعترف في البداية أني منحاز بدرجة كبيرة للكتاب الورقي، ثمة أسباب كثيرة منها ما يتعلق بعلاقتي العاطفية مع الورق، لا أريد أن أبدو خائناً لرائحة الحبر، ولا للصورة المخزونة داخل ذاكرتي، عن ذلك القارئ الذي يمسك بكتاب، ويجلس أمام مدفأة، بينما في الخارج مطر خفيف ينهمر في العتمة، أسمع صوت الورق الذي ينقلب وتلك التوقفات التي يرفع فيها رأسه من أجل استراحة أو تأمل، هذا الصورة لم تغادرني، لكن العالم يتغير. الكتاب الإلكتروني في النهاية يحقق انتصارات في حلبة الزمن، فهو رخيص ويمكن الحصول عليه بسهولة. الكتاب يظهر في حالة معاناة بالفعل، الناشرون يتحملون جزءاً من المسؤولية، سواء من حيث سوء التوزيع أو غلاء الأسعار.
وما رأيك في الجوائز العربية؟
أعتقد أن عبقرية الجوائز تكمن في حضورها المؤثر، على الرغم من الجدل الذي يدور دائما حول نزاهتها، وجديتها في اختيار الأفضل. فكرة الحافز مرتبطة أصلاً بطبائع الكائن البشري، إنها طريقة للنمو والتجديد والمثابرة. لكني غير مرتاح لفكرة المصارعة، لستُ واثقاً من احترامي للحلبة. لقد جربت أن أكون عضو لجنة تحكيم في أكثر من جائزة أدبية، حسنا دعني اعترف أن الذائقة الشخصية والمعايير المتعلقة بتاريخ النوع الأدبي، يمتزجان معا لتقديم نص على غيره، لكن شروطا أخرى من المؤكد أنها تدخل هذا الحيز لرفع يد العمل الأدبي، مانحة إياه صفة المنتصر في النزال. في البيانات النهائية للجنة التحكيم، تُقدم مرافعات حماسية، دفاعا عن اختيارها لا، بعض البيانات لا تنطوي حتى على ذرائع مقبولة، بل وأسباب غامضة أو مضحكة. على كل حال، تظهر فوائد الجوائز في كونها الحجر الذي يُرمى في بحيرة ساكنة، واعتماداً على فكرة الحافز سوف تتحرك مياه البحيرة، العثور على معنى العدالة سوف يصبح قضية ثانوية، قضية يمكن أن نجد لها أثراً في الجدال الذي يعقب كل إعلان لنتائج الجوائز، لكن لا أثر له في النتيجة التي تمنح النص الفائز فرصة أن يصل للآخرين. في النهاية يخضع الكتاب إلى ما يشبه محكمة استئناف، وهي الأهم من لجنة التحكيم، محكمة القارئ.