ترجمة أحمد شافعي -

في أواخر عام 1992، بدأت وظيفتي النظامية الأولى مديرا لتحرير مجلة فورين أفيرز. أتذكر أنني كنت أفرز المخطوطات تلو المخطوطات من المقالات التي تذهب إلى أن اليابان ماضية في طريقها إلى السيطرة على العالم. ولم يكن ذلك الزعم غير معتاد في ذلك الوقت. فقد كان من أكثر الكتب مبيعا في ذلك العام رواية "الشمس المشرقة" للكاتب مايكل كرشتن، وهي دعوة إلى التسلح لخوض حرب اقتصادية مع طوكيو. كما حدث في عام 1991 أن تنبأ كتاب "الحرب القادمة مع اليابان" بنشوب صراع عسكري كبير ومحتوم. وخلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية في عام 1992، جاء أحد أشجع شعارات الحملة من الديمقراطي بول تسونجاس، وكان نص ذلك الشعار يقول إن "الحرب الباردة انتهت، وانتصر اليابانيون".

والملفت للنظر في هذه الكلمات هو أنها جاءت جميعا بعد انهيار سوق الأوراق المالية الياباني الذي انهار بعد وصوله إلى الذروة في ديسمبر من عام 1989. ونحن الآن نعد عام 1990 هو العام الذي انتهى فيه عصر النمو السريع في اليابان. لكن في الوقت نفسه، افترض الناس أن ذلك لا يعدو انقطاعا عابرا، وكانوا يرون البيانات بأعينهم، ثم يرجعون مع ذلك إلى سابق تفكيرهم القديم.

فهل يمكن أن يكون ما نشهده اليوم في حالة الصين أمرا مماثلا؟ يبدو جليا أن النمو يتباطأ في الصين. وأن البلد الذي يحقق منذ عام 1978 نموا بمعدل يتجاوز 9% سنويا يحتمل أن تكون نسبة نموه للعام الحالي هي 3%. حتى أن بعض المراكز البحثية قد أخرت تنبؤاتها للموعد الذي سوف يتجاوز فيه اقتصاد الصين اقتصاد الولايات المتحدة ليصبح الاقتصاد الأضخم في العالم فجعلوا ذلك الموعد هو عام 2030 أو ما بعده. بل إن من الخبراء من يذهبون إلى أن هذا قد لا يحدث مطلقا، وهذا أمر لافت، في ضوء أن تعداد سكان الصين أكبر من تعداد سكان الولايات المتحدة بما يزيد على أربعة أمثاله.

ثمة أسباب كثيرة للمزاج الهبوطي الجديد الذي نشهده في الصين، منها سياستها في التعامل مع كوفيد، والفقاعات العقارية، والديون، وربما يكون من الأسباب الأكثر أهمية على المدى الطويل ما يتمثل في الانهيار الديمجرافي. (فمعدل الخصوبة في الصين اليوم يقل عن مثيله في اليابان). لكن فوق ذلك كله يخيم تغيير يبتعد عن مسار السوق الذي اتخذته الحكومة الصينية خلال السنوات العشر الأخيرة.

لقد ظلت الصين تحقق نموا مذهلا منذ عام 1978 لأنها تبنت الأسواق والتبادل التجاري. ولكن الرئيس شي جينبينج تحرك بالبلد إلى نموذج مختلف للغاية، وهذا النموذج يرى أن الدولة هي المحرك الأساسي للاقتصاد، فهي التي تحدد الصناعات، وتوفر التمويل، وتسيطر على المشاركين. فتباطأ النمو.

لكن لو أننا نرى أن الصين بالفعل أضعف مما كنا نتصور قبل سنوات قليلة، فهل أدى ذلك إلى أن نغير النتائج بناء على ذلك؟ لا.

لكن في الوقت الذي يتضح فيه أن تبني شي جينبينج للدولة وسياسة "صنع في الصين" التي يتبعها في الصناعة غير ناجحة، تنشغل واشنطن بتنفيذ نسختها الخاصة من السياسية الصناعية الملتزمة بالنموذج الصيني. والموقف شبيه بالموقف في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حينما كان الأمريكيون يتكلمون بنبرة الحسد عن وزارة الصناعة والتجارة الدولية في اليابان، وهي وزارة كانت في واقع الأمر تخوض عملية تنفيذ سلسلة من الرهانات الباهظة على صناعات أخفقت.

والصين لا تواجه تحديات اقتصادية وحسب. فسياسة الرئيس شي جينبينج الخارجية فاشلة في أغلب الحالات. إذ أسفرت نزعته التوسعية عن نتائج يمكن قياسها كمّيا. فقد وصل رفض الصين عالميا إلى ذروته في السنين الأخيرة، وإلى ذروة هي الأعلى في التاريخ في العديد من البلاد، بحسب دراسة مسحية أجراها مركز بيو للأبحاث. فمن أستراليا إلى أسبانيا، نرى أن بلادا كانت تحابي الصين قد تحولت إلى رفض بكين.

كما فشلت مبادرات الصين الخارجية، من مبادرة الحزام والطريق الباهظة والفوضوية إلى جهود الصين لاستمالة شرق أوربا. والمشروع الأخير، أي مشروع مجموعة 16+1، يتعثر بسبب إحباط توقعات البلاد وبسبب علاقة بكين مع موسكو. ومع ذلك، في خطوة شبيهة بجهود أمريكا الضالة لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفييتي في أي مكان ـ حتى لو أن معنى ذلك هو التحالف مع طغاة في بلاد نائية من أفريقيا ـ فإن واشنطن تتودد بصورة محمومة إلى بلاو (التي يقارب سكانها ثمانية عشر ألفا) وبعض جزر المحيط الهادئ لتبعدهم عن حضن بكين.

والحجة الأساسية لاتباع سياسة بالغة التشدد تجاه الصين هي أن الصين تصعد بشكل مخيف بما يجعلها خطرا بالغا. والآن أعدوا أنفسكم لحجة جديدة: الصين تتدهور بشدة بما يجعلها خطرا بالغا! وهكذا، حتى حين تكون الحقائق مناقضة، تبقى النتائج بطريقة ما على حالها.

وواقع الأمر أنه في حين تمثل القوى المتدهورة في بعض الأحيان تهديدا، فإن القاعدة العامة الواضحة تظل أنه فيما تزداد البلاد ثراء وقوة، فإنها تحاول أن توسع حضورها السياسي والعسكري. فموسكو في تسعينيات القرن الماضي، حينما كان اقتصادها ينهار، سمحت لأوكرانيا بأن تصبح دولة مستقلة. وفلاديمير بوتين، إثر عقد من ارتفاع أسعار الطاقة، قام بغزو أوكرانيا. ولقد تعقب الباحثون سياسة الصين الخارجية وتوصلوا إلى أنها تنكفئ على نفسها في فترات الضعف والتوتر.

ويمكنني أن أقولها بوضوح: إن الصين بكل ما تعانيه من قصور لم تزل تمثل تحديا قويا للولايات المتحدة، وهو أخطر وأطول التحديات حتى الآن. لكن تقدير هذا التهديد تقديره الصحيح، وفهمه على النحو الواجب، أمران حاسمان في صياغة أفضل استراتيجية للتعامل معه من خلالها. لكن الرأي التقليدي السائد في واشنطن، بدلا من ذلك، لم يزل ممتلئا بالمخاوف المبالغ فيها والخرافات المتعلقة بالصين.

* فريد زكريا كاتب عمود عن الشؤون الخارجية في واشنطن بوست ومقدم برنامج فريد زكريا GPS على قناة CNN، ومؤلف كتاب "عالم ما بعد أمريكا".

** عن واشنطن بوست ترجمة خاصة بجريدة "عمان"