كاتبات وروائيات: المرأة لا تنحاز لجنسها وتكتب في الأدب الشمولي وإبداعها الأدبي نوع من التكامل

حين تعطي المرأة فهي تعطي بحب، سواء كان لبيتها أو عملها أو أي شيء تقوم به، فالمرأة مستعدة للتضحية في سبيل ما تحب.

والمرأة الكاتبة لن تتجه إلى الكتابة إلا لأنها وجدت شغفها في هذا المجال، فاختارت أن تشق طريقها فيه لتبدع وتسطر ملكتها بين الكلمات والحروف.

فالمبدع مبدع سواء أكان رجلًا أم امرأة، إلا أن المرأة تفوقت على الرجال لحضورها في أكثر من جبهة، لأن الرجل قد يقسّم وقته بين العمل والكتابة، أما المرأة فإن جهودها تتفرع بين العمل ورعاية أطفالها وبيتها، وكتابتها، ومع كثرة التزاماتها فإنها لا تألو جهدا في تقديم حبها وعنايتها في كل شيء تقدمه، لتحقق إنجازات كبيرة دون التقصير في أي من واجباتها.

في هذا الاستطلاع تحتفي «عمان» بالمرأة الكاتبة وعزيمتها، ونسألها عن كيفية توفيقها بين أمور حياتها العملية وإبداعاتها الأدبية...

تقول الكاتبة شريفة التوبية حين سألناها هل تنحاز لكونها امرأة حين تكتب فأجابت: ليس لدي انحياز لجنس معين، ولا أكتب بحبر الأنوثة، وإنما بقلم الكاتب الذي أكون عليه في تلك اللحظة ناسية فيها من أكون وبأي مكان وبأي زمان، في تلك اللحظة أكون مخلصة للكتابة ومنحازة للفكرة التي أكتبها، مبينة أن المرأة تكتب كما يكتب الرجل، لا يمكن لنا أن نميّز الكتابة في كونها كتابة أنثوية أو ذكورية، الكتابة هي الحرية في أسمى وأجمل معانيها، وأصدق صورها، فحينما أكتب فذلك يعني أني تخلصت من كل عقد الحياة والمجتمع وعقدي الشخصية، الكتابة تحتاج إلى روح حرة لا تأبه لهذه الشكليات السطحية في تجنيس العمل الإبداعي، في النهاية لا يشهد للفكرة جنس من يكتبها، بل إبداعها وقوة حضورها.

مشيرة إلى أنها لا تجد فرقًا بين ما يكتبه الرجل وما تكتبه المرأة، وتضيف: أظنني لو قرأت مقالًا أو أي نص سردي، فأني لن أستطيع معرفة جنس كاتبه، ولن أبحث، فأنا لا يهمني الكاتب، بل الكتاب، لا يعنيني صاحب الفكرة، بل الفكرة نفسها، نحن في زمن فُتحت فيه الأبواب المغلقة، وأزيحت الستائر من على النوافذ، العالم أصبح بيتًا واحدًا، فكرة واحدة، إذا توجّع شخص في كندا مثلًا يتوجّع له آخر في عُمان، كلنا نعيش الهمّ نفسه، تدور في عقولنا الأفكار نفسها.

وتنفي التوبي ما يقال إن المرأة تكتب بعاطفتها وأن كتابة المرأة غارقة في المشاعر العاطفية، وتوضح أن ذلك ليس صحيحا، هناك كتابات كتبها كتّاب رجال كتبت بأسلوب عاطفي أكثر من أي امرأة، العاطفة ليست شعورا خاصا بالمرأة وحدها، والمرأة ما عادت معنية بهمّها الشخصي، فقد خرجت من عباءة هموم البيت والأبناء، والكتابة الإبداعية تحتاج إلى أن يكون الإنسان حرًا لحظة الكتابة، وعلى الكاتب أن يكتب ويناقش ما يؤمن به لا ما يطلبه منه المجتمع، ولا ينحصر في زاوية جنسه، فالأدب والفن فعلان حرّان لا جنس لهما ولا دين ولا وطن.

كائن حر

وتبيّن شريفة التوبية قائلة: لست معنية كثيرا بكوني امرأة حين أكتب، اللحظة التي أغلق فيها على نفسي لأكتب أنسى من أكون، أنا كائن حر، أنا كل الشخصيات التي ترقص وتلعب وتحيا وتموت في مخيّلتي، الكتابة لحظة فارقة في عمري، مجنونة كانت أو عاقلة، لحظة أستعين بها كي تساعدني على الخروج من كل ما تلبّسني من عقد الحياة وأوجاعها. كتبت في أشياء كثيرة، أفكار أتت في لحظتها، وأجبرتني على كتابتها. نعم كتبت عن الأمومة لكوني أما، ولارتباطي الشديد بأمي ولكني يوما بعد آخر، أجدني أخرج من كل هذه الأطر، أنا أكتب القضايا التي أؤمن بها فقط، تشدني قضية الإنسان الموجوع في كل أنحاء العالم، أكتب لعلني بالكتابة أفعل شيئًا أو أحرّك حجرًا ساكنًا في مسار الماء، أكتب أحيانًا لحاجتي الشخصية للكتابة، فالكتابة هي حاجة الكاتب للحياة، حاجته للبقاء والمقاومة من أن أجل حياة كريمة وحرّة، ولعل روايتي الأخيرة «البيرق» أخرجتني تماما عن نمطي السابق في الكتابة لكونها معنيّة بالشأن التاريخي، وهذا العمل يستلزم مني الخروج من ذاتي ومن زمني ومن مكاني، لأتلبس شخصيات أبطال الرواية رجالًا ونساء، وذلك عمل ليس بالسهل أبدًا.

وتؤكد التوبية أنها في كتابتها لا تأبه لموضوع أن تكون الشخصية نسائية أم رجالية، وتضيف: يتنوع أبطال رواياتي بين رجال ونساء، ففي رواية «سجين الزُرقة» كان البطل رجل وهو «راشد»، بكل ما عانته هذه الشخصية من ظلم مجتمعي، لا أنكر أن كتابتي لراشد كانت معقّدة واستلزمت الكثير من الوقت والجهد حتى خرجت بها كما أتت، لأنّي ركّزت على الشخصية منذ مرحلة الطفولة، ولكني استطعت الخروج بها إلى النور وعاش القارئ وجعه وفهم معاناته وعرف عن وجوده. كذلك شخصية أمه شمسة التي كانت موازية معه في صوت نسائي تحدّث عن هموم المرأة المستضعفة.

وفي رواية «البيرق» تبرز شخصية عويدة، الجدة ذات الشخصية القوية التي كانت تحمل البندقية في وقت تتطلب فيها الظروف أن تحمل المرأة السلاح، عويدة هي رمز للمرأة العمانية المشاركة للرجل في كل شيء وليس المساندة فقط، فهي الزوجة والأم والجدة، هي المرأة التي تقوم بدور الرجل في غيابه، بالنسبة لي، شخصية أمي تكون حاضرة أثناء الكتابة على الدوام، بطلات روايتي يأخذن الكثير من شخصية أمي في جمالها ورقة طباعها وحنانها الغامر وقوة شخصيتها في المقابل، هذه المرأة التي ضحّت بكل شيء لأكون، المرأة التي صنعتني بكل قوتها وضعفها، المرأة التي زرعت في قلبي كل هذا الحب لأكتب، لذا أمي هي الحاضرة في سطور كتاباتي أو المختبئة دائمًا خلف السطور.

سلاح ناعم

من جانبها أشارت شادية الأتاسي روائية سورية بأنها لا تؤمن كثيرا بنظرية الأدب النسوي، وأعشق الأدب الإنساني الشمولي، إلا أنه لا يمكن التغاضي أو تجاهل أن المشهد الاجتماعي والسياسي المتأجج، والتمادي في القهر والعنف من جهة، وتسلّط الفكر الداعشي، من جهة أخرى، تحت عباءة الدين، المقترن بالاستبداد السياسي، انعكس سلبًا على المرأة بالدرجة الأولى، هذا أجج الإحساس الكامن بالظلم، وهو ليس انحيازًا للمرأة بقدر ما هو انحياز للعدالة والحق والحقيقة، مبينة أننا يجب أن نميز بين المرأة الكاتبة، والمرأة التي تكتب، وهذا يعتمد على رؤية كل امرأة للأمور.

بالنسبة لي، تستفزني المرأة المغيبّة التي لا تحترم جسدها وفكرها، تمنحه لرجل «الزوج» تحت وطأة العنف، وتؤمن بأن هذا قدرها، وتقول باستسلام: «ضربني، رباني من أول الطريق».

وعن الحب تقول: «هادا عيب وحرام، كان أبي هراني من الضرب» ما يفسر سطوة وهيمنة الفكر الذكوري.

وعن القضايا التي تكتب عنها المرأة أوضحت الأتاسي بأن القضايا مطروحة أمام الجميع، وكل يناقشها حسب خزينه الفكري والثقافي والمكاني، قد تختلف الرؤية بين رجل ورجل وقد تتفق بين امرأة ورجل، إلا أن كونها كاتبة فتتابع: تشدني القضايا الإنسانية وأنحاز إليها، لكن كان من الطبيعي أن أنحاز إلى قضايا بلدي سوريا، الإنسان، الحرب، الظلم والقهر، الإحباط والهزيمة، الانقسام والتردي، الموت المجاني، الغربة والحنين، الأمل والحب.

أما ماذا يشد الرجل، ونحن نتحدث عن الكاتب المثقف، من الطبيعي أن تشده أمور كثيرة لا يمكن حصرها، حسب أين هو من هذا العالم، لكن من الطبيعي أيضًا أن تكون لقضايا بلده الاهتمام الأوسع، مؤكدة أن كل امرأة تعبّر عن ذاتها وفكرها وتعتبر أن الكلمة سلاحها الناعم، هي شخصية تؤثر بي.

ليست ساحة مبارزة

لبنى ياسين كاتبة وتشكيلية وصحفية سورية تقول: أنا قبل كل شيء إنسان، فالإنسانية هي ما تجعلك تشعرين بالآخر، بوجعه، خوفه، خيبته، حزنه، أرقه، فرحه، ومختلف حالاته ومشاعره، حتى وإن كان ذلك الآخر مخلوقا من مخلوقات الله، وليس بشرًا، ويبدو لي أن الرأسمالية نجحت في فرض رؤية مغلوطة لما حولنا تبنيناها جميعًا دون أن ندرك أبعاد ذلك، ففي الوقت الراهن أرى أننا نحوّل الأدب خصوصًا، والحياة عمومًا إلى ساحة مبارزة وقتال بين المرأة، والرجل، وهذا يسبب دمارًا هائلًا في مفهوم العلاقات الإنسانية التي لا تقوم عادة على الاقتتال والتنافس والمبارزة، بل على المحبة والتكامل، لكن هذا الاتجاه يصب في خدمة المصالح الخاصة الرأسمالية، أنا لا أنحاز للمرأة لا في الحياة، ولا في الأدب، لكنني عادة أقف إلى جانب الحق، وأدعم الإنسان المظلوم، أيًا كان جنسه، أو جنسيته، كما في روايتي «رجل المرايا المهشمة» فقد كان البطل رجلًا مقهورًا، وكانت المرأة هي الظالمة، مبينة أن في غالبية الأحيان تناقش المرأة نفس قضايا الرجل، وكثيرا من الكتب لا تستطيعين تحديد جنس الكاتب بعد قراءتها ما لم تقرئي اسم الكاتب، والأدب بشكل عام إنساني، وليس ذكوريًا أو نسائيًا من وجهة نظري، الوطن مثلًا، هل يمكن أن تراه المرأة بطريقة مختلفة عن الرجل؟ الظلم، الحرب، الحزن، الفرح، الفساد، كيف يمكن أن تُرى هذه الأشياء بطريقة مختلفة بسبب اختلاف الجنس، ربما كانت هناك بعض الخصوصية في موضوعات الأمومة مثلًا، تفاصيل الحمل والولادة، وغيرها، أقول ربما لأن هناك من الكتاب من كتب عن الأمومة بصدق يستطيع أن يجعلك تعتقدين أن الكاتب امرأة.

وتضيف: ما يشدني، وما يشد الكاتب في العموم هو الحالة الإنسانية، نحن ننتصر للإنسان، الإنسان بإنسانيته المفرطة، ضد الكائن البشري الذي لم يرق إلى مرتبة الإنسانية، ومع ذلك فليس من وظائف الأدب أن يحاكم البشر.

وعن الشخصيات النسائية في كتاباتها توضح أن هناك شخصيات، وليست شخصية واحدة، في قصة «تجيء ويغضي القمر» فتاة صغيرة، حولت مأساتها بموت أمها بمرض السرطان وهي في سن الطفولة إلى حافز للنجاح، لكن كما أسلفت، ليس الأمر بأنني أنحاز للمرأة، بقدر ما هو رؤية تخدم تفاصيل القصة، دون محاولة لتجنيس القوة والضعف، أو الظلم والعدل.

عفوية مطلقة

أما غفران طحان روائية سورية فتقول: لم أفكر يومًا بضرورة الانحياز للأنثى في كتاباتي، أو بمعنى أدق فإنني أكتب بعفوية مطلقة من دون تخطيط، فأنحاز إلى الشخصية التي أنوي إيجادها بعيدا عن جنسها، أنصفها من منظور ما تكون عليه، رجلًا كانت أم امرأة، فأنا لا أؤمن باختلاف بين الجنسين حين تتحول الشخصية إلى كائن متكمل، فإنها تنحاز باتجاه ما تريد أن تكون عليه.

ولا أجد اختلافا بين الرجل والمرأة أثناء الكتابة، يحتاج الأمر إلى الموهبة المصقولة، والإبداع، والخيال الحر المنطلق، حينها لا فرق يجعلنا نضع تصنيفا كهذا، مبينة أنه لا ريب أن جميع القضايا متاحة وممكنة، فالكاتب المبدع هو من يدخل أغوار امرأة ويكتبها وكأنه هي، كذلك الأمر بالنسبة للمرأة، لن تنجح إن لم تقدم شخصياتها الذكورية بنفس المستوى الشعوري الذي تخوضه حين تتحدث عن الأنثى. وتضيف: في روايتي كان البطلان رجلًا وأنثى، قدمت كليهما بالتوازي والتساوي، كل منهما يتحدث بضمير المتكلم، وكنت كليهما خلال العمل، وناقشت القضايا التي تمس كل جنس بذات المستوى الإبداعي والخيالي، وبالجرأة ذاتها.

وأكدت قائلة: لا أجد فرقا بيني وبين أيّ كاتب، أكتب عن الحياة، عن الفقر، عن الموت، عن التفاصيل الحساسة والحميمة، عن الثالوث العربي المقدس، بالمستوى ذاته، تبعًا لطريقتي الخاصة وأسلوبي الخاص، ورؤيتي وهذه الرؤيا فقط ما يجعل الاختلاف ممكنا.

وعن شخصية النساء في كتاباتها تشير إلى أن الشخصيات النسائية التي أكتبها تغلب عليها القوة، والقوة التي تنطلق مني، تتفرع منها، فأجدها تتصرف بقوة.. وهذا متوفر في غالبية قصصي، ولكن هذا لا يمنع وجود نساء ضعيفات ومحكومات ومقهورات، فنحن أخيرا نكتب عن مجتمع نعيشه بكل اختلافاته وتناقضاته.

وبالعودة إلى روايتي «فاصلة بين نهرين» فقد قدمت شخصيات نسائية متنوعة ومتفاوتة في علاقاتها وأحكامها وقوتها وانسجامها مع المجتمع أو تمردها عليه.

قدمت في الرواية لثلاث أمهات إحداهنّ كانت قوية وحازمة مع حنان كبير، وأخرى متمردة تبحث عن سعادتها، أما الثالثة فكانت مستكينة وراضية ومتقبلة لواقعها.