ترجمة: أحمد شافعي -

من المواضيع القليلة التي تحظى اليوم بإجماع في واشنطن أن سياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه الصين تأسست على خطأ فكري. إذ اعتقد الليبراليون والمحافظون على السواء بأن تبني بكين للسوق الحرة واندماجها في الاقتصاد العالمي سوف يغيران الصين جذريا. لكنهما لم يفعلا ذلك، فعلينا (كما يرى الإجماع) أن ندرك أن هذا كان إيمانا ساذجا بقوة الأسواق والتجارة.

في واقع الأمر إنني إذ أنظر إلى الصين في عشية المؤتمر المحوري العشرين للحزب يذهلني مدى ضآلة ما ينطوي عليه ذلك الاتجاه التحليلي من حقيقة ما جرى في الصين على مدار العقود الماضية. فلقد مرت الصين بتغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة. إذ ارتفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي فيها ثلاثين مرة منذ بداية التحرر الاقتصادي سنة 1978. كما غير التعليم الجماعي والتمدين وجه البلد. فمئات الملايين من الصينيين اليوم ينتمون إلى الطبقة الوسطى، ويستعملون أحدث وسائل ثورة المعلومات ولديهم قدر معتبر من حرية التملك، وإقامة الأنشطة التجارية وتغيير أماكن إقامتهم، وكل ذلك كان محظورا عليهم من قبل.

وفي رد على هذه التغييرات الهائلة تحديدا كان إطلاق شي جينبينغ برنامجه لفرض القمع وإحلال المركزية. حينما وصل شي إلى السلطة سنة 2012، قرر أن التحرير الاقتصادي يغير الصين بالفعل تغييرا عميقا، على نحو سيء. ورأى أن الحزب الشيوعي على شفا فقدان أهميته في مجتمع خاضع لسيطرة الرأسمالية والاستهلاكية. فمارس القمع في كل مجال يمكن تخيله، مهاجما القطاع الخاص، مهينا المليارديرات، محييا الأيديولوجية الشيوعية، مطهرا الحزب من المسؤولين الفاسدين، ورافعا بحدة من مستوى القومية (المناهضة غالبا للغرب) قولا وعملا.

في هذا الصدد، يتبع شي جينبنج نمطا مألوفا. ففي البلاد التي أثمر التحرير والنمو فيها طبقة وسطى، يكون رد فعل الأول من النظام الحاكم هو الحفاظ على قبضته على السلطة. في الحقبة التي كانت فيها كوريا الجنوبية وتايوان لا تزالان بلدين أوتوقراطيين، أدى التحرر الاقتصادي هناك تدريجيا إلى تنامي الطبقة الوسطى والدعوات إلى المزيد من الحرية السياسية، مما دفع النظامين الحاكمين إلى قمع ذلك، وبعنف في الغالب. غير أن القمع لم يفلح في نهاية المطاف، وأفسح الطريق للديمقراطية.

السؤال الحقيقي واجب الطرح هو لماذا حقق رد الصين على التغيرات الناجمة عن فتحها للسوق كل هذا النجاح. لماذا أفلحت حملة شي جينبنج القمعية في ما لم تنجح فيه حملات شرق آسيوية مماثلة؟ تكمن الإجابة في مقالة بارعة في 2021 للباحث الصيني مينكشن باي. يوضح باي أن الصين توشك أن تكون فريدة في عالمنا اليوم. فكل بلد تقريبا ذي دخل للفرد أكبر من دخل الفرد في الصين هو إما بلد ديمقراطي بطريقة أو بأخرى أو بلد دكتاتوري لديه نفط أو غاز. (فالموارد الوفيرة تمكن البلد من تحقيق الثراء دونما تحديث لاقتصاده أو مجتمعه، لأن كل ما عليه أن يفعله هو أن يحفر الأرض بحثا عن الثروة الطبيعية). فلماذا تمثل الصين الاستثناء الكبير؟

يحيي باي التمييز القديم بين الأنظمة الاستبدادية والشمولية. في الأنظمة الأولى تكون الحكومة قمعية لكنها ليست شاملة. وفي الأنظمة الأخيرة، من قبيل الصين والاتحاد السوفييتي، تسيطر الدولة على جميع مجالات الحياة ولا تسمح لمجتمع مدني مستقل بالنشوء. والحزب الشيوعي الصيني يسيطر على كل شيء في الصين. وحينما تصعد حركة اجتماعية خارج الحزب، من قبيل فالون جونج، يراها الحزب خطرا مهلكا ويغلقها.

في قلب رؤية شي جينبينج للعالم يكمن خوفه في ما يتعلق من زوال الشيوعية السوفييتية. وقد عبر شي جينبينج عن رؤيته بأن هذا قد حدث لأن قادة الحزب فقدوا الإيمان بأيديولوجيتهم، وحركتهم. وهو يرى ميخائيل جورباتشوف مصلحا أحمق فتح النظام السياسي فلم ينل من ذلك إلا أن رأى البلد كله ينهار. والدرس المستفاد هو مضاعفة سيطرة الحزب اللينيني.

يوضح باي أن التغيرات الناجمة عن النمو الاقتصادي تؤدي في ظروف الدولة الشمولية إلى الحاجة إلى المزيد والمزيد من القمع بما يثمر في الصين (وأضيف إليها روسيا) عودة إلى ستالينية جديدة. ويتشابه فلاديمير بوتين وشي جينبنج في إدراكهما أن الإفراط في التواصل والتجارة مع الغرب قد يقوض حكمهما.

مشكلة شي هي أنه يوجه الصين إلى مسار شديد الخطورة. فالدولة الآن تسيطر على الاقتصاد مرة أخرى والنمو تباطأ بشكل ملحوظ. ورجال الأعمال الصينيون ينتقلون إلى سنغافورة وغيرها. وثمة مناطق في المجتمع الصيني كانت ذات يوم حيوية ومبدعة يجري إغلاقها الآن. في الوقت نفسه، فإن العداء الدولي لتوسعية شي جينبنج يتنامى. ويوضح باي أن نموذج الستالينية الجديدة يكبت كل قوى التغيير، غير تارك إلا بابا وحيدا مفتوحا هو الثورة.

ومثلما يشير باي فإن الصين بحلول عام 2035 سيكون لديها قرابة 300 مليون خريج جامعي. فهل سيرضون بالعيش في هدوء في ظل حكم شي جينبنج القمعي؟

فريد زكريا كاتب سياسي له مقال في الشؤون الخارجية في صحيفة واشنطن بوست ويقدم برنامجا على قناة «سي أن أن» ومحرر مساهم في مجلة أتلانتك.

عن واشنطن بوست ترجمة خاصة بجريدة «$»