في شاعرية المكان يقول "غوستاف باشلار" إن: "المكان الأول في وجداننا العاطفي -سواء كان كوخا أو قصرا- يترك أثره في اللاوعي الذي يعيد إنتاج الصور عن ذاك المكان، ومع مرور الزمن لا تكون تلك الصورة مطابقة غالبا للواقع، بل إنها مطابقة لذكرى المكان في مخيلتنا".

ولمسقط في ذاكرتي صورة خاصة، أستطيع أن أدّعي أنها وبشكل ما تخصني وحدي، مدينة ملونة ومتنوعة وغنية باللغات والسحنات والأزياء، لكنها تبدو متجانسة بشكل مذهل، بل هي عندي أقرب إلى جدارية ضخمة من الفسيفساء، لو نزعت منها حجرا هدمت معناها.

أعرف مسقط بفطرة التجربة والعيش في التفاصيل وحكايات أناسها المختبئة خلف الأبواب والنوافذ القديمة المقضبة، وأعرف مسقط من حكايات أمي وذاكرة أبي، ومن البحث في المدونات والأرشيفات والمراجع والصور المحفوظة في مواقع عديدة على الإنترنت تخص في الغالب الجمعيات الجغرافية، ووثائق شركة الهند الشرقية والبعثات التبشيرية والجامعات المعنية بالعلوم الإنسانية.

لكن مسقط التي حاولت الاحتفاظ بها من خلال كتابتي تغيرت، ولتطوير مسقط تاريخ يعود للنصف الثاني من ستينيات القرن المنصرم، عندما استعان السلطان سعيد بن تيمور بمهندس أظنه إنجليزي، لإعادة تخطيط المدينة وإعمارها، واضعا ثقته في إيرادات النفط، حيث بدأ في عهده بناء مدرسة الزهراء، أول مدرسة للبنات في عمان، وافتتحت في أول عهد السلطان قابوس -طيب الله ثراه، ودخلتها أول دفعة من الفتيات في سبتمبر ١٩٧٠.

وأنا مع تحديث مسقط بالطبع، خاصة إذا ما استرجعنا ضعف حالها ورداءة بنيانها قبل السبعين، ولكني مع ذلك لا أفهم كيف يكون الهدم وإزالة علامات المكان التي أرخت لذاكرة المسقطيين شرط هذه الحداثة، فقد ترتب عليه إخلاء مسقط من أهلها، وبحسب الإحصائيات تقلص سكان مسقط من حوالي واحد وأربعين ألف نسمة عام ١٩٩٣ إلى ستة وعشرين ألفا في ٢٠٠٣ بمعدل نمو سكاني يساوي سالب ٤.٨٦.

وبالطبع كانت لهذا الخروج تبعاته، فالطبيعة لا تحب الفراغ كما يقال، وكان على الأمكنة المهجورة أن تملأ، وقد ملئت فعلا ولكن ليس بموظفي الدولة وأسرهم، رغم وجود بعض أهم المؤسسات فيها، بل بالعمال الوافدين، إذ إنه لم توجد أي حوافز لاستيطان المكان، بل خلقت كل الظروف الطاردة منه ومنحت حوافز الإخلاء بكرم، وكأن البلاد ليست بأهلها ولا الأماكن بعلاماتها.

ربما عجزنا عن تحديث مسقط بخطة متجانسة تحفظ روح المكان وأهله، لأننا ما زلنا نفكر في مسقط بالنمط القديم نفسه، أي أنها منقسمة ما بين من سكنوا داخل السور ومن هم خارجه، وهي فكرة قروسطية بامتياز، ولكن يبدو أننا نعيشها اليوم رغم كل ما يقال، وأن التخطيط الحديث يعود لممارسة ذلك من خلال أمثلة حداثية، نجدها ماثلة في المجمعات السكانية والتي تسكنها طبقات معينة والمعزولة بسور عن محيطها، لكن لذلك حديث آخر ربما عدنا إليه.

نعم مسقط الآن ما عادت تشبه مسقط التي في خاطري، لكني أحبها وأستعيدها من خلال الصور وفي الكتابة، كأم تحتفظ بصورة طفلة أخذت من حضنها عنوة.