*قارئ مخطوطاتي الأول هو والدي الشاعر حسن نجمي

أمي الروائية عائشة البصري كتبت لنفسها في البداية متفرغة لدورها كزوجة وأم

*زوجي المترجم سمير جريس يتحمل قلق وهواجس كاتبة تعيش بداخلها شخصيات مختلفة

*أبي أكثر شخص أعرفه لديه قدرة على تقييم الأعمال

* الأمومة هي أكثر تجربة إنسانية أثَّرت في حياتي

*خيار العيش في ألمانيا كان عاطفياً بالدرجة الأولى

*أعتبر نفسي محظوظة بأن مهنتي في الإعلام تتوافق مع هوايتي بالكتابة

*كنت ألعب بين الكراسي والميكروفونات وكبرت بين المثقفين

*طموحي أن أكتب نصاً أنيقاً يصل إلى قلب القارئ

*كتب رسائل روايتي بحب لذلك وصلت إلى الناس

*قرأت عن سيكولوجية النساء في مرحلة سن اليأس لأكتب «تشريح الرغبة»

*بعض المهاجرين العرب لديهم ازدواجية في التعامل مع الزوجة العربية والألمانية

*برلين هي متحف مفتوح للذاكرة ولم أتصور أن أعيش خارج ألمانيا بعد زيارتها

كبرتْ الكاتبة المغربية ريم نجمي بين الكراسي والندوات، إذ أن والدها الشاعر حسن نجمي كان يصطحبها معه إلى أغلب الندوات. وجدت نفسها متعلقة به وتقلده، وبدأت الكتابة في سن الخامسة. كان تملي عليه ما تكتبه وهو يصحح لها وينصحها، بينما اختارت أمها الكاتبة عائشة البصري أن تخلص لدورها كأم وزوجة عاملة، في البدايات، قبل أن تتجه إلى النشر بعد سنوات، ولذلك قررت ريم أن تستفيد من تجربة أمها وأن لا تقلدها، حيث وازنت جيداً بين تجربتها في الحياة وفي الكتابة.

ريم نجمي لديها عدد من الوجوه، فهي شاعرة ومترجمة، وروائية، وإعلامية تقيم في برلين، تضع قدماً في الثقافة العربية والأخرى في الثقافة الغربية، وقد أصدرت مؤخراً روايتها «تشريح الرغبة» التي قوبلت بترحيب نقدي وإعلامي كبير وحظيت بمقروئية عالية. هنا حوار معها ينطلق من روايتها الجديدة ويتعرض لتجربتها الحياتية كابنة لكاتبين كبيرين وزوجة لمترجم وأمٍ وإعلامية.

دعينا نبدأ من روايتك «تشريح الرغبة». بناؤها عبارة عن رسائل متبادلة بين عدد محدود من أبطال الرواية.. ألم تشعري بالقلق من أن تؤدى طريقة المخاطب إلى تسرب الملل إلى القراء؟

لأصدقك القول اعتبرت كتابة هذه الرواية مغامرة إبداعية، الكتابة في حد ذاتها مغامرة. أتذكر الآن ما قاله لي الكاتب الكبير الراحل إدوار الخراط في حوار أجريته معه سنة 2006، إنه «أثناء عملية الكتابة لا أستحضر أي قارئ لنصي». كنت أثناء الكتابة مستمتعة بما أكتب وربما صيغة المتكلم هي ما عمق متعتي ككاتبة، لأن هذه الصيغة جعلتني أتقمص دور شخصيات هذه الرواية. الأمر يشبه ما نسمعه من الممثلين الذين يتحدثون عن صعوبة الخروج من حالة التقمص. شعرت أن تلك الرسائل خرجت من روحي وبمشاعر الشخصيات، ربما لذلك لم يتمكن أغلب القراء من التعاطف مع شخصية بعينها أو حدثت لهم حالة من الارتباك في وضع الشخصيات في الخانات الدرامية، أي الخيّر والشرير والظالم والمظلوم. الرسائل كتبتها بحب وأعتقد أن ما كتب بحب يصل إلى القارئ، ولذلك لم أشعر بالقلق.

فى كل رسالة كان هناك جديد نعرفه نحن القراء عن المغربي عادل والألمانية يوليا والسورية جوري وغيرهم.. كيف استطعتِ أن تجعلى من مجرد رسالة طابقاً في معمار روائي كامل؟

لا أتخيل أن أحكي قصة عادل ويوليا وجوري في قالب روائي آخر، غير كتابة الرسائل. ربما لو حكيتها بتقنية الروائي العليم بكل شيء لفقدت الرواية الكثير من نقط القوة ومنها الإيحاء بصدقية الأحداث ومنح روح للشخصيات المتخيلة. فمن الأمور التي تسعدني ككاتبة عندما أقرأ تعليقات من قبيل أن هذه الرواية تشبه السيرة الذاتية لشخصيات حقيقية، بل وتصلني رسائل على الخاص من قراء يقسمون أن هذه الرواية لا يمكن أن تكون متخيلة، خاصة وأن التفاصيل الواردة فيها لا يمكن إلا أن تكون حقيقية. هذه الرسائل تجعلني أبتسم وأشعر بنشوة انتصار الكاتبة. لقد أردت أيضا لكل شخصية أن تعبر بنفسها عن وجهة نظرها في المواقف التي أدت إلى الانفصال وتقنية الرسائل خدمتني في تحقيق ذلك. قبل كتابة الرواية وضعت تصوراً لأغلب الرسائل، فيما يشبه التصميم. عنونت كل رسالة بموضوعها الأساسي على سبيل المثال: رسالة البدايات، رسالة العلاقة مع الأم، رسالة محاولات التعافي... لكن دون إغفال الخيط الرابط بين كل الرسائل والذي من خلاله نتقدم في الحكي. أثناء الكتابة ظهرت رسائل لم أكن قد خططت لها منذ البداية إذ وجدت ضرورة لإضافتها لإضاءة بعض التفاصيل في الحكاية ولتكتمل الصورة.

جعلتنا الرواية نتأرجح بين يوليا وعادل وهما يحكيان لبعضهما عن تحول السعادة الزوجية إلى تعاسة كاملة، ننحاز إلى يوليا ثم نقتنع برأي عادل وننحاز إليه، ثم نعود إلى يوليا ونتعاطف معها، وهكذا في لعبة دائمة.. هل كنت تخططين لإيصال القراء إلى هذه الحالة؟

خططت لأن تعبر كل شخصية عن وجهة نظرها وأن تقدم أسبابها أو مبرراتها في المواقف والأحداث على مدار سنوات الزواج. غير أني لم أتوقع أن تحدث حالة التأرجح التي تحدثت عنها لدى القارئ. كنت أعتقد أن القارئ سيتعاطف مع المتروكة ويدين التارك. غير أني تفاجأت من ردود أفعال القراء، الذين تفهموا موقف الشخصيات الثلاث ولم يتمكنوا من اتخاذ موقف متعاطف مع شخصية بعينها.

وأنت مع من تعاطفتِ؟

أستطيع أن أقول بحسم إني لم أتعاطف مع شخصيتي عادل ويوليا، الغريب أن هاتين الشخصيتين بالضبط أخذتا مني مجهوداً في البحث لرسمهما روائياً. كان ينبغي مثلاً أن أقرأ عن سيكولوجية النساء في مرحلة سن اليأس وعن شخصية الرجال في ما يعرف بأزمة منتصف العمر. وأيضا أن أجري حوارات مع رجال مروا بخبرة مشابهة: الزواج بألمانية وتركها ثم الارتباط مجدداً بامرأة عربية. أما شخصية جوري فنظراً لقربها العمري من عمري، ومرورها بخبرات شبيهة نوعاً ما بخبرتي كطالبة مغربية في الجامعة الألمانية، تواجه تحديات الاندماج في مجتمع ألماني بكل الصعوبات المتعلقة باللغة والحصول على سكن والشعور بالحنين إلى الأهل والبلد ومواجهة البيروقراطية الألمانية المعقدة.. ربما لذلك تعاطفت مع شخصيتها، وهي تختلف عني بكونها ليست مجرد طالبة عادية وإنما لاجئة تعيش صدمة فقدان الأخ والوطن ومثقلة بالكثير من الخيبات.

قلت إنك منشغلة بمشكلة «الزواج المختلط» فلماذا؟

أولاً لأنه كان ولا يزال يستفزني كامرأة، عربية على الخصوص تعيش في ألمانيا، رصد ازدواجية لدى بعض المهاجرين العرب في ألمانيا في التعامل مع الزوجة العربية والزوجة الألمانية. لا أقصد هنا تقييم تعامل الرجل العربي بالسيئ أو الجيد مع الزوجتين العربية أو الأوروبية لكنه تعامل مختلف. فقد يسمح بعض الأزواج العرب لزوجاتهم الأوروبيات بما لا يمكن أن يسمحوا به لزوجاتهم العربيات. قد تجده على سبيل المثال مقبلاً على القيام بأعباء البيت والطبخ والعناية بالأطفال عندما تكون الزوجة أوروبية وقد لا يضع قيوداً على لباسها أو حريتها في السفر لكنه لن يقوم بالشيء نفسه مع زوجته العربية. أنا هنا لا أعمم وإنما أتحدث عن بعض الظواهر التي لمستها وعايشتها كثيرا خلال 14 عاماً من الإقامة في ألمانيا. ثم هناك الجانب الشخصي: فزيجتي تصنف كزيجة مختلطة، ولو أنني لا أصنفها كذلك نظراً لأني أعتبر ثقافة وهوية زوجي المصرية جزءاً من ثقافتي ومن لغتي ومن مخيلتي كعاشقة لمصر.

هل الاختلاف الثقافي يؤدي غالباً إلى نوع من التنافر الإنساني؟

الاختلاف الثقافي قد يكون إغناء للعلاقات الإنسانية، إذا كان هناك تقبل لهذا الاختلاف. لذلك ستجد زيجات وصداقات وعلاقات إنسانية استمرت وكانت قوية وغنية باختلافها الثقافي. قبول الآخر هي الكلمة المفتاح، ليس بتعبيرها الجاهز وإنما أن ينطلق كل فرد بأن ثقافته ليست أسمى من ثقافة الآخر والابتعاد عن التفكير القائم على التفوق الثقافي أو الشعور بالدونية لمجرد الانتماء لجغرافيا معينة، مثل الشعور الذي تولد لدى عادل بطل شخصية «تشريح الرغبة».

لماذا اخترت أن تكون جوري السورية مسيحية؟

لأني أردت إيصال فكرة أؤمن بها، تتعلق بأن الاختلاف الثقافي ربما يكون عائقاً في العلاقة بين رجل وامرأة أكثر من الاختلاف الديني. فيوليا أسلمت في المغرب عند الزواج بعادل المسلم، غير أنها احتفظت بهويتها كألمانية، بما فيها الاحتفال بأعياد الميلاد والتي تعد في المجتمع الألماني حدثاً اجتماعياً وثقافياً أكثر منه عيداً دينياً. لديَّ أصدقاء ألمان غير مؤمنين ولكن حرصهم على الاحتفال بهذا العيد مع العائلة يعد مقدسا. في ليلة الميلاد تكون الشوارع خالية في المدن الألمانية. يوليا كذلك كانت تعبر عن رفضها لصيام عادل في رمضان باعتباره غير صحي، والانقطاع عن شرب الماء لساعات كان غير مفهوم بالنسبة إليها كألمانية. بينما جوري ورغم أنها مسيحية ومن عائلة متدينة إلا أن الدين لم يكن عائقاً في علاقتها بعادل، ولم يكن هو عقدة علاقتهما. كانت الثقافة العربية توحدهما بشكل ما، كذلك عادل شعر بإشباع كرجل عربي بعلاقته بجوري الفتاة القادمة حديثاً من العالم العربي، الفتاة العذراء التي ليس لها تجارب جسدية سابقة، والمعجب بلهجتها وبملامحها الشرقية السمراء..

تقدم هذه الرواية قراءة في تفاصيل المجتمعات الغربية، خاصة ألمانيا، إذ أن أم يوليا من «الأوسي» وهو لفظ قدحي لنعت المتحدرين من الشرق وبالضبط من ألمانيا الشرقية؟ هل أردت القول إن العنصرية لا تخص مجتمعاً بعينه وإنها شأن عالمي؟

أولاً أردت من خلال ذلك التأكيد على فكرة أن الزواج المختلط حتى لو كان داخل ثقافة واحدة - هنا الثقافة الأوروبية المسيحية - قد يفرض على بعض الأزواج الكثير من التحديات إذا دخلت تلك النظرة الفوقية من أحد الجانبين. من جهة أخرى أردت كذلك تقديم صورة للقارئ العربي عن التحديات التي واجهتها ألمانيا بعد الوحدة والمتعلقة بدمج مجتمعين مختلفين من شرق البلاد وغربها، إذ شعر بعض الألمان الشرقيين بالغربة في المجتمع الغربي الجديد. هناك كما أشرتَ فعلاً حالات من العنصرية التي مورست على الألمان الشرقيين. لديَّ صديقة ألمانية ولدت في ألمانيا الشرقية وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على سقوط الجدار تقول لي إنها لا تزال تشعر بنوع من الغربة تختفي عندما تزور عائلتها في مدينة من مدن شرق ألمانيا.

كانت هناك صعوبة بالنسبة لعادل أن يعيش في مدن متقشفة لا يكاد يجد فيها الموز.. هل احتجتِ إلى قراءة لمعرفة تاريخ ألمانيا قبل سقوط سور برلين؟

منذ أن جئت إلى ألمانيا في 2008 وأنا أقرأ عن التاريخ الألماني بالإضافة إلى أن مسألة الذاكرة أساسية في الثقافة الألمانية حتى لا تتكرر أخطاء الماضي الجسيمة. وبالتالي التاريخ موجود في اليومي، في التلفزيون، في المتاحف والشواهد والنصب التذكارية في كل مكان. أسماء الضحايا الذين سقطوا في محاولات التسلل من جدار برلين من الجهة الشرقية إلى الغرب منقوشة على الجدران وعلى الأرض... ثم إني أقيم في برلين المدينة التي عاشت الانقسام، ونجد لحد اليوم فرقاً بين شطرها الغربي وشطرها الشرقي. برلين هي متحف مفتوح للذاكرة، على سبيل المثال أمر كل يوم في طريقي إلى العمل على النصب التذكاري لتاريخ جدار برلين، أشاهد الصور باستمرار لقوى أمن ألمانيا الشرقية وصور بناء الجدار والضحايا بل إن بقايا منه لا تزال قائمة.. لذلك كان سيبدو غريباً أن أكتب نصاً عن برلين ولا تتسلل كل تلك الصور والحكايات إلى النص.

ننتقل إليكِ.. وأنت طفلة كيف اكتشفت أنك كاتبة؟ وماذا قال لك أبوك الشاعر المغربي حسن نجمي وأمك الكاتبة المغربية عائشة البصري؟

بدأت الكتابة في حوالي الخامسة من عمري، كنت أملي على والدي قصائدي الطفولية وهو يدونها. وبعد أن تعلمت الكتابة، رافقتني كهواية سواء أكانت الكتابة سردية أو شعرية.. اختارت الطفلة التي كنتها أن تقضي أوقات فراغها في التدوين على الأوراق بدل اللعب.. ربما هو الإعجاب بالأب وتقليده. فعندما أتأمل مساري المهني والإبداعي أجدني أقتفي خطوات أبي بشكل أو بآخر، فقد امتهنت مهنته كصحفي واخترتُ -أو اختارتني- الكتابة الأدبية، وأصدقك القول إني لا أعرف إن كان هذا الاختيار واعياً أو غير واع. لقد كنت قريبة من والدي على الخصوص وكنت أرافقه باستمرار إلى الندوات والفعاليات الثقافية وهذا ساهم بالتأكيد في تشكيل وعيي الشعري والأدبي. كما أن النقاش الثقافي لم يكن غائباً عن بيتنا، هذا إلى جانب مكتبة والدي الغنية والكبيرة والتي كنت أقرأ منها بتوجيه منه.. هذه العوامل ساهمت في صقل الخيار الإبداعي. كثيرا ما أطرح على نفسي السؤال: هل كنت سأصير شاعرة أو كاتبة لو لم أنشأ في هذا البيت؟ ربما نعم، لكن لا أعتقد أني كنت سأكتب نصوصي بالشكل الذي أكتبه اليوم.

ما الصفات التي تميز بها الاثنان، الأب والأم، وكيف أكملا بعضهما؟ وماذا أخذت من كل واحد منهما؟

عندما بدأ يتشكل وعيي لم تكن والدتي قد خرجت إلى عالم النشر. كانت تكتب لنفسها في البداية ولا تنشر، متفرغة لدورها كزوجة عاملة وأم. مانحة والدي المساحة ليكتب وليعمل في المجالين الصحفي والسياسي. بدأت والدتي النشر في سن الأربعين بعد أن كنت قد كبرت في العمر. ربما أثرت فيَّ تجربة والدتي، فبمنطقي النسوي الحالي كنت سأصبح سعيدة لو أن والدتي قد بدأت النشر مبكراً وحققت أحلامها الإبداعية. لذلك اخترت أن أزاوج بين العمل والكتابة والأمومة. أما والدي فيصعب عليَّ في أسطر قليلة أن أتحدث عن ما أخذته منه، فأنا مدينة له بكل ما أنا فيه. أخذت منه صفاته لا الشكلية فقط وإنما النفسية كذلك. والدي هو رجل موسوعي وكان بوابتي نحو فهم العالم، إذ كنت أجد لديه كل الأجوبة. ثم كانت له توجيهات جنبتني الوقوع في أخطاء البدايات أو تضييع الوقت في قراءات ربما لن تخدمني ككاتبة، دائماً كان يرشح لي الأعمال التي ستطورني وتطور لغتي ومعرفتي.

هل تحرصين على أن يكون زوجك المترجم المصري سمير جريس هو قارئ مخطوطاتك الأول؟

يهمني طبعاً رأي زوجي فيما أكتب فهو قبل أن يكون مترجماً ومثقفاً كبيراً هو كذلك قارئ محترف. وقبل قراءته للمخطوط أكون قد ناقشته في عدد من التصورات المتعلقة بالعمل السردي والخطوط الدرامية وأحكي له القصة كل مرة بشكل مختلف وبالتفاصيل، أكاد أقول إنه يتحمل قلق وهواجس كاتبة تعيش بداخلها شخصيات مختلفة. غير أن قارئ مخطوطاتي الأول هو والدي فهو أكثر شخص أعرفه لديه قدرة تقييم الأعمال وإبداء ملاحظات تطور النص، بالإضافة إلى معرفته اللغوية والنحوية، ثم إني كابنة معجبة بأبيها يهمني الحصول على ذلك التأكيد منه على أن العمل جيد.

وماذا منحته لك تجربة الأمومة؟

تجربة الأمومة هي أكثر تجربة إنسانية أثرت في حياتي. شكلت لي الأمومة في البداية نوعاً من الصدمة، إذ أن الأمومة بالصور الجاهزة في المخيلة المشتركة والمجتمع والإعلام كانت هي الصورة التي أحملها عن دور الأم. صور بها قدر من الرومانسية والمثالية غير أن الأمومة ومع المشاعر الاستثنائية والدفق العاطفي التي تمنحه هي كذلك وظيفة قاسية. تشغلني هذه التجربة وأعد لكتاب عنها يحمل طابعاً شخصياً. في الوقت نفسه أنا مدينة لابنتي وابني بالكثير. الغريب أن أجمل النجاحات المهنية والأدبية وأجمل الرحلات التي قمت بها عبر العالم كانت بعد أن أصبحت أما. لقد علمتني الأمومة قيمة الوقت، وكيفية استثماره بعد أن كنت أشعر من قبل أن كل وقت العالم لي وبالتالي أؤجل مشاريع كثيرة. بعد الأمومة أصبحت أكثر إنتاجية أكثر إصراراً على تحقيق الكثير. لأني كنت خائفة من نموذج خبرته عن قرب: نساء كن مثل الشعلة، لديهن موهبة وأحلام ومشاريع مهنية وأدبية لكن مباشرة بعد الزواج والأطفال، أهملن ذلك الجانب المشرق فيهن، بإرادتهن أو بغير إرادتهن.. ربما لم تسمح لهن الظروف بالمواصلة. منهن من كن سعيدات بهذا الخيار وهذا شيء جميل أيضا لكن كثيرات لم يكن سعيدات أو مشبعات بدور الأم فقط، وكان هناك جانب تعيس مسكوت عنه في أرواحهن. لذلك خشيت أن تبتلعني الأمومة، خصوصاً وأني توقفت فعلاً لسنتين ونصف عن العمل، لكني كنت متمسكة بالكتابة، بيدٍ أربت على ابني لينام وبالأخرى أكتب، إذ ساعدتني مفكرة هاتفي النقال في تدوين النصوص والأفكار حتى وأنا أقوم بدوري كأم.

كيف تأقلمت على الحياة في ألمانيا؟ وما الذي أعطته لك الحياة هناك؟

أقول دائماً إن خيار العيش في ألمانيا كان خياراً عاطفيا بالدرجة الأولى. فقد جئت إلى مدينة بون في ٢٠٠٨ لإجراء تدريب مهني قصير والعودة إلى المغرب. غير أن حالة حب حدثت مع المكان والأجواء المبهرة لشابة في العشرين من عمرها. وهو ما دفعني إلى تغيير مخططاتي بمتابعة دراساتي العليا في فرنسا أو أمريكا واتخاذ قرار الدراسة في ألمانيا رغم أني ساعتها لم أكن أتحدث الألمانية، فكيف أدرس بها في الجامعة؟! حالة الحب تلك دفعتني إلى التفرغ سنة لتعلم اللغة الألمانية وحصلتُ فعلاً بعدها على أعلى مستوى لغوي يؤهلني للدراسة الجامعية في بون.

بفضل ذلك الحماس لم أجد صعوبة كبيرة في التأقلم، إذ كنت محاطة بالكثير من الأصدقاء والزملاء لكن طبعاً كانت هناك تحديات لغوية وبيروقراطية تمكنت بفضل حالة الحب تلك أن أتغلب عليها. الحياة في ألمانيا منحتني الكثير وأعتقد أنها أغنتني ككاتبة.

لقد اكتشفت في الفترة الأخيرة أن كتاباتي الشعرية والسردية في السنوات العشر الأخيرة تدور كلها في فلك «ألمانيا» وتولد لديَّ انطباع داخلي غريب أني ربما لن أتوفق في الكتابة خارج هذا العالم. فقبل أشهر أنهيت مخطوط رواية جديدة اكتشفت أنها هي أيضاً مسكونة بالعوالم الألمانية، حتى تكاد تكون رواية ألمانية كُتبت بالعربية. أكيد أن ألمانيا بغناها الثقافي والفلسفي والتاريخي لها تأثير على الكاتبة المقيمة بها، كما أن الحرية التي أشعر بها كامرأة في الشارع العام انعكست أيضاً على كتاباتي وأصبحت أكثر حرية. أسئلة كثيرة تركتها الإقامة في ألمانيا في نفسي، كسؤال الهوية وسؤال المكان ومعنى الوطن.. تلك الأسئلة حاولت أن أطرحها من خلال الكتابة.

ماذا أضاف لك العمل الإعلامي؟

سواء بوعي أو غير وعي تلقي المهنة بظلالها على الكاتب. الكتابة الصحفية على الخصوص هي وجه آخر للكتابة الإبداعية، التقرير التلفزيوني يسمى «ستوري» أي قصة، وتحتاج إلى بناء درامي وخيط رابط وغيرها من التقنيات الإبداعية.. لذلك أعتبر نفسي محظوظة أن مهنتي تتوافق مع هوايتي. وأنت تعرف بلا شك أن المجال الإعلامي غني في حد ذاته بالحكايات والشخصيات الروائية. لا أخفيك أنه سبق لي أن وظفت الخبرة في المجال الإعلامي في رواية لم أنشرها ومارست عليها رقابة ذاتية، فقد كان الإعلام موضوعها الأساسي وهذا بالضبط سبب عدم نشرها، إذ تخوفت من الخلط بين تجربتي المهنية الشخصية وأحداث تلك الرواية غير المنشورة.

وكيف توازنين بين العمل الإعلامي والكتابة.. وكيف يؤثران في بعضهما؟

أجد صعوبة كبيرة في الموازنة بين العمل الإعلامي والكتابة ودوري كأم وزوجة. خاصة أني عندما أركز في عمل معين لا أستطيع القيام بأي عمل آخر. عندما أغوص في الكتابة السردية ينقطع العالم من حولي، أدخل في عوالمي وأسكن أفكاري وأعيش مع هواجس الشخصيات ومشاعرها. عندما أعمل كمذيعة أنقطع عن الكتابة وحتى عن الواجبات اليومية، أغوص في عالم الأخبار وتحليلها والقراءات التاريخية والاستشرافية حتى أني لا أتمكن حتى من الرد على الهاتف أو الرسائل. أغلب الأعمال التي كتبتها وربما أنشرها في السنوات القادمة ستكون نتاجاً لفترة توقف عن العمل قاربت ثلاث سنوات، حيث كتبت بغزارة ووضعت تصورات وأنتجت مادة أولية يمكن الاشتغال عليها. أعتقد أني عندما سأدخل في مرحلة الكتابة ينبغي أن آخذ إجازة طويلة من العمل.

ما أبرز ملاحظاتك على الوسط الأدبي العربي؟

أعتبر نفسي جزءاً من الوسط الأدبي وابنة للعديد من المثقفين لا المغاربة فقط وإنما العرب كذلك. كبرت بين المثقفين والفنانين وكنت أحضر الندوات والمهرجانات والمعارض، وألعب بين الكراسي والميكروفونات. عايشت قصصاً ومواقف كثيرة ولذلك لديَّ نظرة فيها الكثير من الطفولة والحنين للوسط الأدبي العربي. غير أنه بحكم إقامتي في ألمانيا ابتعدت عن هذا الوسط وتربطني فقط وسائل التواصل الاجتماعي بالأصدقاء من الوسط. أبرز ملاحظة لمستها في الآونة الأخيرة، أن لديَّ الكثير من الكتاب العرب الشباب روح من التضامن والاحتفاء بالزملاء الآخرين وبأعمالهم، وهذا شيء جميل فعلاً.

وما طموحك أخيراً من الكتابة؟

لا أعرف في الحقيقة، ما يهمني حالياً هو أن أكتب. أن أكتب نصاً أنيقاً يصل إلى قلب القارئ والأفق مفتوح على كافة الاحتمالات.