التدفقات الاستثمارية تسجل خروجًا ملموسًا من عديد من الأسواق وتتوجه نحو أمريكا بحثًا عن عوائد مرتفعة
عدم مواكبة التوجه نحو رفع الفائدة اصبح يعني تراجعًا في تنافسية جذب الاستثمارات
يستخدم الدولار في 40% من حجم التجارة العالمية ونحو 80% من جميع المعاملات العالمية
شهدت البورصات العالمية تأثيرات سلبية مع انخفاض شهية المستثمرين نحو المخاطرة
للحيلولة دون الوقوع في أزمة يجب على مختلف الدول أن تعزز أوضاع ماليتها العامة وأن تعتمد على الاقتراض المستدام
تقرير - أمل رجب
في ظل الارتفاع الكبير للدولار الأمريكي منذ بداية هذا العام، تتعدد التبعات والمخاطر المحيطة باقتصاد كثير الدول كما قد تمتد هذه التبعات لتشمل النمو الاقتصادي العالمي مما ينذر بأزمة مالية واقتصادية قد تضرب العالم بسبب المستويات المرتفعة التي بلغتها العملة الأمريكية وبدأت بالفعل في التأثير على قيمة عملات الدول سواء النامية أو الصاعدة أو حتى الدول المتقدمة، كما أثرت قوة الدولار على حركة التدفقات الاستثمارية العالمية التي سجلت خروجًا ملموسًا من عديد من الأسواق وتوجهت نحو السوق الأمريكية بحثًا عن العوائد المرتفعة التي تتيحها السندات الأمريكية؛ نظرًا للرفع المتوالي لسعر الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كما شهدت البورصات وأسواق المال العالمية تأثيرات سلبية مع انخفاض شهية المستثمرين نحو المخاطرة وتفضيلهم العائد الثابت والمرتفع الذي تقدمه السندات الأمريكية في الوقت الحالي.
ومنذ بداية العام وبشكل مطرد واصل مؤشر الدولار الارتفاع ووصل مؤخرًا إلى أعلى مستوى له خلال عقدين، بينما سجلت العديد من العملات العالمية مستويات شديدة الانخفاض، وسط توترات سياسية عالمية أدت إلى زيادة الطلب على الدولار الأمريكي باعتباره عملة ملاذ آمن، في حين تظل عملات اليورو والعملات الأوروبية الأخرى مثل الفرنك السويسري وكذلك الين الياباني واليوان الصيني عرضة لمزيد من الانخفاض.
وهبط سعر اليورو في ظل الغموض المحيط بآفاق الاقتصاد الأوروبي؛ نظرًا لتبعات الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة التي تتفاقم اكثر مع قرب حلول فصل الشتاء ووقف إمدادات الغاز تمامًا عبر خط أنابيب نورد ستريم من روسيا، وتراجع اليورو بشكل مستمر منذ بداية العام ليصل إلى أدنى مستوى يسجله منذ ديسمبر 2002، مواصلًا مساره التنازلي المستمر في مقابل العملة الأمريكية، كما هبط الجنيه الاسترليني إلى أدنى مستوى له أمام الدولار، بتأثير من أزمة الطاقة واتجه الجنيه الاسترليني لمزيد من التراجع مع الإعلان عن أضخم تخفيضات ضريبية تقدم عليها بريطانيا منذ 50 عامًا، ومن المرجح استمرار التأثيرات على العملة البريطانية، حيث وعد وزير الخزانة البريطانية كواسي كوارتنج بمزيد من التخفيضات الضريبية، ضمن حزمة تدابير داعمة قيمتها 45 مليار جنيه إسترليني تم الإعلان عنها مؤخرًا.
وفي الصين التي تعد ثاني أكبر اقتصاد عالمي، قدم بنك الشعب الصيني "البنك المركزي" حزمة من الإجراءات الحمائية لوقف تراجع اليوان الصيني الذي سجل هو أيضًا أدنى مستوى له أمام سعر صرف الدولار الأمريكي، ووصلت العملة الصينية إلى اقل مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وبينما تتبع الصين سياسة التحفيز المالي وتثبيت أو خفض الفائدة تتوجه الولايات المتحدة إلى تشديد السياسة المالية ورفع الفائدة، وادت هذه الفجوة بين السياستين الماليتين في الصين والولايات المتحدة إلى خروج التدفقات الاستثمارية من ثاني أكبر اقتصاد في العالم متوجهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت نفسه مازال الاقتصاد الصيني يعاني من تبعات الإغلاق المصاحب لتفشي جائحة كورونا، وتلقي الأزمة في سوق العقارات الصيني بظلال مستمرة على مسار النمو الاقتصادي هذا العام وأيضا خلال السنوات المقبلة، وتشير توقعات المحللين إلى ترجيح تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين إلى 3.4 بالمائة فقط هذا العام مسجلا بذلك أبطأ وتيرة في أكثر من أربعة عقود (باستثناء عام 2020 الذي شهد تفشي الجائحة بتأثيراتها الحادة على النمو في كافة دول العالم).
ولا يختلف الوضع كثيرًا في اليابان إذ هوى
الين الياباني لأدنى مستوى في 24 عامًا مقابل الدولار وخسر الين 15 بالمائة من قيمته منذ بداية العام، ولا يحبذ بنك اليابان حتى الآن تشديد السياسة المالية الفيدرالية مفضلًا عدم رفع سعر الفائدة في محاولة لتعزيز نمو الاقتصاد الذي كان قبل سنوات ثاني أقوى اقتصاد عالمي قبل أن يتراجع لتحل مكانه الصين، ويعد البنك المركزي الياباني من بين قلة من البنوك المركزية العالمية التي لم ترفع الفائدة هذا العام، وقد يشهد الاقتصاد الياباني مزيدًا من التأثيرات السلبية بعد أن أصبحت سياسة التيسير النقدي لليابان تسير عكس السياسات في الاقتصادات المتقدمة التي لجأت لرفع متوالٍ لأسعار الفائدة ضمن سياسات احتواء التضخم وبهدف مواكبة المتغيرات العالمية الخاصة برفع أسعار الفائدة وقد أصبح التخلف عن هذا الركب يعني تراجعًا في تنافسية جذب الاستثمارات.
يستخدم الدولار الأمريكي في حوالي 40 بالمائة من حجم التجارة العالمية، وما يقرب من 80 بالمائة من جميع المعاملات العالمية عبر الحدود. ويتم تداول معظم السلع والعديد من السلع الأخرى بالدولار الأمريكي -النفط والنحاس والسلع الزراعية- على سبيل المثال لا الحصر. ويحتاج المستثمرون إلى الاحتفاظ بالدولارات للتداول في السلع والخدمات وكذلك للتداول في البورصات.
نتيجة ذلك يظل الدولار أكثر الملاذات الآمنة، وجرت العادة على انه خلال أوقات تصاعد التوتر العالمي، يتحرك الدولار نحو الصعود بشكل عام، حيث يبحث المستثمرون عن اقتصاد كبير وذي سيولة وموثوق به لوضع أموالهم وهو ما يجدونه في السوق الأمريكي. وحين تفشى الوباء في بداية عام 2020، ارتفع الدولار إلى أعلى مستوى له منذ عقود مقارنة مع مجموعة واسعة من العملات الأخرى بسبب الطلب العالمي على الدولار.
ولا يقتصر الأمر على المستثمرين الأفراد بل يمتد البحث عن الملاذات الآمنة ليشمل صناديق ومؤسسات الاستثمار وأيضًا البنوك المركزية الأمر الذي يخلق طلبًا كبيرًا على السندات الأمريكية من قبل البنوك المركزية الأجنبية وكبار المستثمرين الذين يتدفقون بقوة نحو سوق آمن للاستثمار فيه توقيًا لتبعات الاضطرابات المصاحبة للتوترات السياسية العالمية، وفي ظل ارتفاع الفائدة لا يتمتع السوق الأمريكي بالأمن فقط بل يقدم أعلى عائد ممكن على الاستثمار في الأدوات التي تحقق الدخل والعائد الثابت خاصة سندات الخزانة الأمريكية.
وخلال الأيام الأخيرة حذرت عديد من المؤسسات الدولية المعنية بالشأن الاقتصادي العالمي وكذلك المحللون من تأثيرات محتملة واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي بسبب قوة الدولار، واعتبر محللون استراتيجيون في بنك مورجان ستانلي أن ارتفاع الدولار يوجد "وضعًا لا يمكن تحمله" للأصول ذات المخاطر العالية والتي يمكن أن تنتهي بأزمة مالية أو اقتصادية، وتعد الأصول ذات المخاطر العالية هي التعاملات في الأوراق المالية المدرجة في البورصات العالمية التي شهد العديد منها انخفاضات ملفتة خلال الفترة الماضية.
كما أشار تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أن موجة صعود الدولار الأمريكي أدت إلى ارتفاع العملة الأمريكية نحو 11 بالمائة منذ بداية العام، ووصل الدولار للمرة الأولى إلى مستوى التعادل مع اليورو، وفي المقابل انخفض عدد من أهم العملات العالمية مقابل الدولار مع تداعيات كبيرة على بلدان العالم النامية والصاعدة خاصة ما يتعلق بتراجع العملات الوطنية وزيادة كلفة وأعباء القروض. ورصد التقرير أن السبب الرئيسي لارتفاع قيمة الدولار هو قوة الطلب إذ تشير تقارير الآفاق الاقتصادية لمعظم البلدان إلى اتجاهها نحو تراجع شديد للنمو مع تراجع العائدات خاصة بالدولار. وفي الوقت نفسه، خلقت الحرب في أوكرانيا مخاطر جيوسياسية وتقلبات في الأسواق. علاوة على ذلك، دفع التضخم الذي بلغ مستويات تاريخية مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) إلى إجراء زيادات كبيرة لأسعار الفائدة، وتدفع هذه العوامل ضمن جملة أشياء أخرى إلى هروب المستثمرين نحو الاستثمارات الآمنة، حيث يتخارجون من مراكزهم الاستثمارية في أوروبا والأسواق الصاعدة وأماكن أخرى ويبحثون عن ملاذ آمن في أدوات استثمارية مقومة بالدولار الأمريكي وهو ما يتطلب تدافعًا على شراء الدولار.
ورصد تقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز نقلًا عن بيانات لمعهد التمويل الدولي أن المستثمرين الأجانب سحبوا أموالًا من الأسواق الصاعدة لمدة خمسة أشهر متتالية في أطول موجة سحب للاستثمارات على الإطلاق، ويهدد هذا الخروج بتباطؤ نمو الاقتصاد المحلي في عدد من الدول، وقد يؤدي إلى تفاقم مشكلات الديون، كما قد يؤثر صعود الدولار أيضًا على حركة التجارة العالمية. فالدولار الأمريكي يُهيمن على المعاملات الدولية، وتستخدمه الشركات العاملة في اقتصادات لا تتعامل بالدولار في التسعير وتسوية معاملاتها، وهناك سلع أولية أساسية مثل النفط تباع وتشترى بالدولار، أيضا مع ارتفاع الدولار تزداد تكلفة الواردات (بالعملة المحلية)، وهكذا تضطر الشركات إلى تقليص استثماراتها أو زيادة الإنفاق على الواردات الحيوية، ونصح تقرير البنك الدولي بأنه للحيلولة دون وقوع الأزمة التالية، يجب على مختلف الدول أن تعزز أوضاع ماليتها العامة وأن تعتمد على الاقتراض المستدام.
عدم مواكبة التوجه نحو رفع الفائدة اصبح يعني تراجعًا في تنافسية جذب الاستثمارات
يستخدم الدولار في 40% من حجم التجارة العالمية ونحو 80% من جميع المعاملات العالمية
شهدت البورصات العالمية تأثيرات سلبية مع انخفاض شهية المستثمرين نحو المخاطرة
للحيلولة دون الوقوع في أزمة يجب على مختلف الدول أن تعزز أوضاع ماليتها العامة وأن تعتمد على الاقتراض المستدام
تقرير - أمل رجب
في ظل الارتفاع الكبير للدولار الأمريكي منذ بداية هذا العام، تتعدد التبعات والمخاطر المحيطة باقتصاد كثير الدول كما قد تمتد هذه التبعات لتشمل النمو الاقتصادي العالمي مما ينذر بأزمة مالية واقتصادية قد تضرب العالم بسبب المستويات المرتفعة التي بلغتها العملة الأمريكية وبدأت بالفعل في التأثير على قيمة عملات الدول سواء النامية أو الصاعدة أو حتى الدول المتقدمة، كما أثرت قوة الدولار على حركة التدفقات الاستثمارية العالمية التي سجلت خروجًا ملموسًا من عديد من الأسواق وتوجهت نحو السوق الأمريكية بحثًا عن العوائد المرتفعة التي تتيحها السندات الأمريكية؛ نظرًا للرفع المتوالي لسعر الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كما شهدت البورصات وأسواق المال العالمية تأثيرات سلبية مع انخفاض شهية المستثمرين نحو المخاطرة وتفضيلهم العائد الثابت والمرتفع الذي تقدمه السندات الأمريكية في الوقت الحالي.
ومنذ بداية العام وبشكل مطرد واصل مؤشر الدولار الارتفاع ووصل مؤخرًا إلى أعلى مستوى له خلال عقدين، بينما سجلت العديد من العملات العالمية مستويات شديدة الانخفاض، وسط توترات سياسية عالمية أدت إلى زيادة الطلب على الدولار الأمريكي باعتباره عملة ملاذ آمن، في حين تظل عملات اليورو والعملات الأوروبية الأخرى مثل الفرنك السويسري وكذلك الين الياباني واليوان الصيني عرضة لمزيد من الانخفاض.
وهبط سعر اليورو في ظل الغموض المحيط بآفاق الاقتصاد الأوروبي؛ نظرًا لتبعات الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة التي تتفاقم اكثر مع قرب حلول فصل الشتاء ووقف إمدادات الغاز تمامًا عبر خط أنابيب نورد ستريم من روسيا، وتراجع اليورو بشكل مستمر منذ بداية العام ليصل إلى أدنى مستوى يسجله منذ ديسمبر 2002، مواصلًا مساره التنازلي المستمر في مقابل العملة الأمريكية، كما هبط الجنيه الاسترليني إلى أدنى مستوى له أمام الدولار، بتأثير من أزمة الطاقة واتجه الجنيه الاسترليني لمزيد من التراجع مع الإعلان عن أضخم تخفيضات ضريبية تقدم عليها بريطانيا منذ 50 عامًا، ومن المرجح استمرار التأثيرات على العملة البريطانية، حيث وعد وزير الخزانة البريطانية كواسي كوارتنج بمزيد من التخفيضات الضريبية، ضمن حزمة تدابير داعمة قيمتها 45 مليار جنيه إسترليني تم الإعلان عنها مؤخرًا.
وفي الصين التي تعد ثاني أكبر اقتصاد عالمي، قدم بنك الشعب الصيني "البنك المركزي" حزمة من الإجراءات الحمائية لوقف تراجع اليوان الصيني الذي سجل هو أيضًا أدنى مستوى له أمام سعر صرف الدولار الأمريكي، ووصلت العملة الصينية إلى اقل مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وبينما تتبع الصين سياسة التحفيز المالي وتثبيت أو خفض الفائدة تتوجه الولايات المتحدة إلى تشديد السياسة المالية ورفع الفائدة، وادت هذه الفجوة بين السياستين الماليتين في الصين والولايات المتحدة إلى خروج التدفقات الاستثمارية من ثاني أكبر اقتصاد في العالم متوجهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت نفسه مازال الاقتصاد الصيني يعاني من تبعات الإغلاق المصاحب لتفشي جائحة كورونا، وتلقي الأزمة في سوق العقارات الصيني بظلال مستمرة على مسار النمو الاقتصادي هذا العام وأيضا خلال السنوات المقبلة، وتشير توقعات المحللين إلى ترجيح تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين إلى 3.4 بالمائة فقط هذا العام مسجلا بذلك أبطأ وتيرة في أكثر من أربعة عقود (باستثناء عام 2020 الذي شهد تفشي الجائحة بتأثيراتها الحادة على النمو في كافة دول العالم).
ولا يختلف الوضع كثيرًا في اليابان إذ هوى
الين الياباني لأدنى مستوى في 24 عامًا مقابل الدولار وخسر الين 15 بالمائة من قيمته منذ بداية العام، ولا يحبذ بنك اليابان حتى الآن تشديد السياسة المالية الفيدرالية مفضلًا عدم رفع سعر الفائدة في محاولة لتعزيز نمو الاقتصاد الذي كان قبل سنوات ثاني أقوى اقتصاد عالمي قبل أن يتراجع لتحل مكانه الصين، ويعد البنك المركزي الياباني من بين قلة من البنوك المركزية العالمية التي لم ترفع الفائدة هذا العام، وقد يشهد الاقتصاد الياباني مزيدًا من التأثيرات السلبية بعد أن أصبحت سياسة التيسير النقدي لليابان تسير عكس السياسات في الاقتصادات المتقدمة التي لجأت لرفع متوالٍ لأسعار الفائدة ضمن سياسات احتواء التضخم وبهدف مواكبة المتغيرات العالمية الخاصة برفع أسعار الفائدة وقد أصبح التخلف عن هذا الركب يعني تراجعًا في تنافسية جذب الاستثمارات.
يستخدم الدولار الأمريكي في حوالي 40 بالمائة من حجم التجارة العالمية، وما يقرب من 80 بالمائة من جميع المعاملات العالمية عبر الحدود. ويتم تداول معظم السلع والعديد من السلع الأخرى بالدولار الأمريكي -النفط والنحاس والسلع الزراعية- على سبيل المثال لا الحصر. ويحتاج المستثمرون إلى الاحتفاظ بالدولارات للتداول في السلع والخدمات وكذلك للتداول في البورصات.
نتيجة ذلك يظل الدولار أكثر الملاذات الآمنة، وجرت العادة على انه خلال أوقات تصاعد التوتر العالمي، يتحرك الدولار نحو الصعود بشكل عام، حيث يبحث المستثمرون عن اقتصاد كبير وذي سيولة وموثوق به لوضع أموالهم وهو ما يجدونه في السوق الأمريكي. وحين تفشى الوباء في بداية عام 2020، ارتفع الدولار إلى أعلى مستوى له منذ عقود مقارنة مع مجموعة واسعة من العملات الأخرى بسبب الطلب العالمي على الدولار.
ولا يقتصر الأمر على المستثمرين الأفراد بل يمتد البحث عن الملاذات الآمنة ليشمل صناديق ومؤسسات الاستثمار وأيضًا البنوك المركزية الأمر الذي يخلق طلبًا كبيرًا على السندات الأمريكية من قبل البنوك المركزية الأجنبية وكبار المستثمرين الذين يتدفقون بقوة نحو سوق آمن للاستثمار فيه توقيًا لتبعات الاضطرابات المصاحبة للتوترات السياسية العالمية، وفي ظل ارتفاع الفائدة لا يتمتع السوق الأمريكي بالأمن فقط بل يقدم أعلى عائد ممكن على الاستثمار في الأدوات التي تحقق الدخل والعائد الثابت خاصة سندات الخزانة الأمريكية.
وخلال الأيام الأخيرة حذرت عديد من المؤسسات الدولية المعنية بالشأن الاقتصادي العالمي وكذلك المحللون من تأثيرات محتملة واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي بسبب قوة الدولار، واعتبر محللون استراتيجيون في بنك مورجان ستانلي أن ارتفاع الدولار يوجد "وضعًا لا يمكن تحمله" للأصول ذات المخاطر العالية والتي يمكن أن تنتهي بأزمة مالية أو اقتصادية، وتعد الأصول ذات المخاطر العالية هي التعاملات في الأوراق المالية المدرجة في البورصات العالمية التي شهد العديد منها انخفاضات ملفتة خلال الفترة الماضية.
كما أشار تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أن موجة صعود الدولار الأمريكي أدت إلى ارتفاع العملة الأمريكية نحو 11 بالمائة منذ بداية العام، ووصل الدولار للمرة الأولى إلى مستوى التعادل مع اليورو، وفي المقابل انخفض عدد من أهم العملات العالمية مقابل الدولار مع تداعيات كبيرة على بلدان العالم النامية والصاعدة خاصة ما يتعلق بتراجع العملات الوطنية وزيادة كلفة وأعباء القروض. ورصد التقرير أن السبب الرئيسي لارتفاع قيمة الدولار هو قوة الطلب إذ تشير تقارير الآفاق الاقتصادية لمعظم البلدان إلى اتجاهها نحو تراجع شديد للنمو مع تراجع العائدات خاصة بالدولار. وفي الوقت نفسه، خلقت الحرب في أوكرانيا مخاطر جيوسياسية وتقلبات في الأسواق. علاوة على ذلك، دفع التضخم الذي بلغ مستويات تاريخية مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) إلى إجراء زيادات كبيرة لأسعار الفائدة، وتدفع هذه العوامل ضمن جملة أشياء أخرى إلى هروب المستثمرين نحو الاستثمارات الآمنة، حيث يتخارجون من مراكزهم الاستثمارية في أوروبا والأسواق الصاعدة وأماكن أخرى ويبحثون عن ملاذ آمن في أدوات استثمارية مقومة بالدولار الأمريكي وهو ما يتطلب تدافعًا على شراء الدولار.
ورصد تقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز نقلًا عن بيانات لمعهد التمويل الدولي أن المستثمرين الأجانب سحبوا أموالًا من الأسواق الصاعدة لمدة خمسة أشهر متتالية في أطول موجة سحب للاستثمارات على الإطلاق، ويهدد هذا الخروج بتباطؤ نمو الاقتصاد المحلي في عدد من الدول، وقد يؤدي إلى تفاقم مشكلات الديون، كما قد يؤثر صعود الدولار أيضًا على حركة التجارة العالمية. فالدولار الأمريكي يُهيمن على المعاملات الدولية، وتستخدمه الشركات العاملة في اقتصادات لا تتعامل بالدولار في التسعير وتسوية معاملاتها، وهناك سلع أولية أساسية مثل النفط تباع وتشترى بالدولار، أيضا مع ارتفاع الدولار تزداد تكلفة الواردات (بالعملة المحلية)، وهكذا تضطر الشركات إلى تقليص استثماراتها أو زيادة الإنفاق على الواردات الحيوية، ونصح تقرير البنك الدولي بأنه للحيلولة دون وقوع الأزمة التالية، يجب على مختلف الدول أن تعزز أوضاع ماليتها العامة وأن تعتمد على الاقتراض المستدام.