- 1 -
لم أكن أتصور أنني سأحظى بهذه المتعة المعرفية المدهشة على شرف "البحر" المدهش وعوالمه ومفرداته الواقعية والمتخيلة على السواء، فقد كان من حظي أن أشارك في الجلسة العلمية المخصصة لمناقشة موضوع "سرديات البحر في التراث"، أسماء كبيرة جدا بقيمة وقدر العلامة المغربي القدير الدكتور سعيد يقطين، والخبيرة في التراث الثقافي اللا مادي الدكتورة نجيمة طاي طاي والباحث الفولكلوري المعروف الدكتور مصطفى جاد عميد المعهد العالي للفنون الشعبية..
ضمن فعاليات النسخة الثانية والعشرين من ملتقى الشارقة الدولي للراوي، وعلى مدار الأيام الثلاثة الفائتة بإكسبو الشارقة، التقى واجتمع ما يزيد على المائة باحث ومتخصص في التراث والفولكلور والأساطير والأنثروبولوجيا لإلقاء خلاصة أبحاثهم ودراساتهم حول البحر وعوالمه وما أُنتج حوله من سرديات ومرويات وخطابات عكف على تحليلها ودراستها وقراءتها من منظورات مختلفة هذه النخبة المميزة من الباحثين والدارسين من كل أنحاء العالم.
تعددت الموضوعات والمداخل وزوايا النظر والمعالجة، لكننا بنظرة طائر يمكن أن نوجز المناقشات والطروحات الثرية التي قدمت في عدد من الدوائر الموضوعية والبحثية؛ هي: دائرة تتعلق بالبحر في الخليج العربي، موضوعا وممارسة وخيالا وحكيا ورواية وطقوسا وتقاليد، ويمكن أن ندرج في هذه الدائرة، على سبيل المثال، موضوعات من قبيل "الواري وكائنات خرافية أخرى" للدكتور عبدالعزيز المسلم، و"البحر في الأمثال الشعبية البحرينية" (للدكتورة أنيسة فخرو)، و"حكايات البحر وإشكالية التعالق بين المروي والمدون" للدكتور سمير الضامر.. إلخ.
وهناك دائرة أخرى تتصل بالبحر في الموروث والأدب العالمي من منظور مقارن؛ مثل الورقة التي قدمتها الدكتورة ناتاشا معنا من إيطاليا حول "ماذا يروي لنا البحر في إيطاليا؟" واستعرضت من خلالها عددا من الأساطير العالمية التي نشأت على سواحل إيطاليا الجنوبية والشرقية والغربية. ومثل "تجليات حكاية البحر في التراث العالمي" للدكتورة مروى مهدي عبيدو، أو "أساطير البحر المتوسط من أنزار إلى لالا ميمونة" للباحثة الجزائرية ويزة قلاز.. إلخ.
وهناك دائرة تتصل بالبحر في التراث العربي عموما، وفي المخيال الشعبي المغربي الزاخر، وفي هذه الدائرة تحديدا حظينا بمجموعة من الأوراق المهمة جدا التي قدمها باحثون مغاربة منها مثلا: "البحر في المتخيل الشعبي المغربي" للدكتورة نجيمة طاي طاي، و"سيميولوجية البحر في الحكاية الشعبية المغربية" للدكتور حبيب الناصري، و"البحر المتخيل غرائب في الموروث الثقافي المغربي" للدكتور حسن أميلي.
- 2 -
وقد استمعتُ بتركيز واستمتاع إلى أكثر جلسات الملتقى واستوقفتني أوراق بعينها لفتت انتباهي بجدة موضوعها وإطارها المنهجي أو بفرادة الموضوع وجاذبية مادته خصوصا في الشق الحكائي أو القصصي أو الأسطوري. من هنا مثلا تأتي أهمية الورقة التي طرحها الدكتور سعيد يقطين حول «سردية البحر في ألف ليلة وليلة»، وهو في الحقيقة قدم كعادته عرضا رائقا ممتعا لحضور البحر في متن الليالي، وتوقف تفصيلًا عند حكاية عبدالله البري وعبدالله البحري، متأملا ومحللا، ومستعرضا المستويات العميقة لهذه الحكاية الفريدة بمفارقاتها وتفصيلاتها وتخييلاتها المدهشة، ومقدما تأويلا ممتازا لهذه الحكاية من حكايات قصصنا البحري في تراثنا العربي.
يعتبر الدكتور سعيد أن القصة التالية في الأهمية من "أدب البحر" لقصص وحكايات السندباد في «ألف ليلة وليلة»، هي حكاية عبدالله البري وعبدالله البحري، وهي "من أمتع القصص الخيالية في أدب البحر، وهي تخلق عالم البحر خلقًا جديدًا، بين الأسطورة والخيال، وتروي القصة الخيالية بوقائع مادية قريبة من منطق عصرها. أما البحر في هذه القصة فهو عالم هائل يضم في أعماقه المدن وعجائب المخلوقات مع الثروات والكنوز والجواهر. وهو عالم بالغ النقاء والصفاء والخلق والإيمان الكامل بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فكل من في البحر والأرض يسبّح بحمد الله، لذا يحمل الجميع اسم عبدالله، فالكل عبيد الله، وفي البحر يفرحون بالموت لأن الروح أمانة أودعها الله في أجسام كل المخلوقات، وهو يستردها متى شاء، وقد كانت هذه نقطة الخلاف والقطيعة بين بطلي القصة عبدالله البحري وعبدالله البري بسبب معرفة الأول بحزن أهل البر لموت أقاربهم.
وفي البحر تأخذ القصة في إبداع عالمها الخيالي "المتخيل"، عندما يصحب عبدالله البحري صديقه عبدالله البري للسير في عالم البحر والتعرف على أهله وعجائب المخلوقات به وعاداته وتقاليده، ولكنهما اختلفا في نهاية الرحلة على تقاليد الوفاة في البر والبحر، فكانت تلك نهاية العلاقة بين كل من عبدالله البري وعبدالله البحري، وختام الحكاية البحرية كلها، وهو ختام سعيد كما يحدث في كل حكايات «ألف ليلة وليلة»، إذ عاش عبدالله البري في سعادة كوزير للملك بفضل جواهر البحر.
- 3 -
واستمعتُ كذلك باهتمام إلى خلاصة ورقة مميزة قدمتها الأستاذة الدكتورة فاطمة الزهراء صالح من المغرب، حول «بحر الظلمات - غرابة الافتتان» انطلقت فيها من التأسيس الجغرافي للمغرب الذي "يحده البحر الأبيض المتوسط شمالًا على مسافة طولها (512 كلم) والمحيط الأطلسي غربا على امتداد (2943 كلم)، والذي جعل من "البحر" مادة دسمة غذت المتخيل الجماعي بشتى الصور والأشكال".
ومنذ القدم، وكما أبانت الدكتورة فاطمة، شكلت هذه الازدواجية الوجه المركب للبحر بشاطئيه المتوسط والأطلسي، لتبلور صورة مشرقة وأخرى باعثة للريبة والحذر ليس فقط على المستويين السياسي والعسكري، ولكن أيضًا على مستوى الذاكرة الجماعية، المخيلة والوجدان، وكيف أثر هذا الارتباط المتناقض بالبحر، وتراكم الأحداث على المتخيل الجماعي المغربي الذي حبك أكثر من حكاية، تدور أحداثها في مداره. وتطرح الدكتورة فاطمة سؤالها الذي سيمثل محاولة الإجابة عنه متن الورقة:
كيف نفسر لجوء عدد، ليس بالهين، من الشيوخ الصوفيين الذين اعتكفوا للتعبد إلى شواطئ عدة ووجدوا فيها "خلوة" لم يبرحوها حتى بعد مماتهم، إذ باتت أضرحتهم مطلة على البحر؟
في تقدير الدكتورة فاطمة الزهراء، فإن اختيار شاطئ البحر كفضاء للخلوة والتفرغ التام لعبادة الله، من طرف مجموعة من الشيوخ بشمال وغرب المغرب، يجعلنا ندرك أهميته أنثروبولوجيًّا. فإذا كان ارتفاع الجبل يوحي بسمو الروح والتقرب من السماء، فإن رمزية الماء توحي بالنقاء والصفاء، والاغتسال الروحي من شوائب الحياة الدنيوية. حتى أنه إذا أمعنا الملاحظة في الطقوس المتبعة من طرف الزوار خلال المواسم السنوية، نجد أن الاغتسال بماء البحر جزء لا يتجزأ منها.
- 4 -
أما الدكتور مصطفى جاد؛ الباحث الفولكلوري وعميد المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون بمصر، فقدم مسحا ممتعا لحضور الماء في التراث الشعبي العربي، أو كما أطلق عليه هو في مداخلته "رحلة في علاقة الماء بالتراث الشعبي في عالمنا العربي"، فنجد الماء حاضرا في كرامات الأولياء الذين يسيرون على الماء، والكائنات فوق الطبيعية التي تعيش في البحار والأنهار، كما أوضح أن الماء يرتبط بدلالات خاصة جدا في الأحلام والتنبؤات (التنبؤ بالمستقبل وعلم الغيب)، وكذلك طرق العلاج الشعبي والمداواة من الأمراض والعلل، وأعمال السحر والمعتقدات الشعبية الخرافية.. إلخ.
وفي جمعه الاستقصائي لهذا الحضور الثقافي المتعدد والمتنوع للماء، يشير الدكتور جاد إلى بروز الماء في كثير من الاحتفالات والكرنفالات الشعبية في جميع أنحاء العالم العربي، مثل "الحية بية"، و"أربعاء أيوب"، و"وفاء النيل"، "وعيد الغطاس"، وغيرها من الاحتفالات والمواسم الشعبية المعروفة.
وحظي الأدب الشعبي بكم وافر من الحكايات والقصص المرتبطة بالماء عموما والبحر خصوصا، منها على سبيل المثال حكايات السندباد البحري في ألف ليلة وليلة، والبحث عن كتاب النيل في سيرة سيف بن ذي يزن، ومنها طقس الاغتسال في بئر مياه عذبة (أو عين ماء عذبة) في سيرة الظاهر بيبرس كطقس عبور أو تحول من المرض إلى الشفاء.
ويشير الدكتور جاد أيضا إلى التوظيفات الإبداعية المتعددة للماء في الأمثال، والأحاجي والألغاز الشعبية، والشعر الشعبي، وتتغنى به الجماعة الشعبية على إيقاعات راقصة.. إلخ.
- 5 -
هذه مجرد أمثلة دالة فقط على الوفرة والثراء اللذين حظي بهما ملتقى الشارقة الدولي للتراث هذا العام، وللأمانة وعلى المستويين الشخصي والمعرفي فقد أُفدت كثيرا منهجيا وعلى مستوى المادة المعروضة والمجموعة بصورة لم أكن أتوقعها صراحة. كل هذا فضلا على الإصدارات العلمية المتخصصة المصاحبة للملتقى وفيها كتب ودراسات قيمة تستحق أن نفرد لها حديثا آخر... (وللحديث بقية)
لم أكن أتصور أنني سأحظى بهذه المتعة المعرفية المدهشة على شرف "البحر" المدهش وعوالمه ومفرداته الواقعية والمتخيلة على السواء، فقد كان من حظي أن أشارك في الجلسة العلمية المخصصة لمناقشة موضوع "سرديات البحر في التراث"، أسماء كبيرة جدا بقيمة وقدر العلامة المغربي القدير الدكتور سعيد يقطين، والخبيرة في التراث الثقافي اللا مادي الدكتورة نجيمة طاي طاي والباحث الفولكلوري المعروف الدكتور مصطفى جاد عميد المعهد العالي للفنون الشعبية..
ضمن فعاليات النسخة الثانية والعشرين من ملتقى الشارقة الدولي للراوي، وعلى مدار الأيام الثلاثة الفائتة بإكسبو الشارقة، التقى واجتمع ما يزيد على المائة باحث ومتخصص في التراث والفولكلور والأساطير والأنثروبولوجيا لإلقاء خلاصة أبحاثهم ودراساتهم حول البحر وعوالمه وما أُنتج حوله من سرديات ومرويات وخطابات عكف على تحليلها ودراستها وقراءتها من منظورات مختلفة هذه النخبة المميزة من الباحثين والدارسين من كل أنحاء العالم.
تعددت الموضوعات والمداخل وزوايا النظر والمعالجة، لكننا بنظرة طائر يمكن أن نوجز المناقشات والطروحات الثرية التي قدمت في عدد من الدوائر الموضوعية والبحثية؛ هي: دائرة تتعلق بالبحر في الخليج العربي، موضوعا وممارسة وخيالا وحكيا ورواية وطقوسا وتقاليد، ويمكن أن ندرج في هذه الدائرة، على سبيل المثال، موضوعات من قبيل "الواري وكائنات خرافية أخرى" للدكتور عبدالعزيز المسلم، و"البحر في الأمثال الشعبية البحرينية" (للدكتورة أنيسة فخرو)، و"حكايات البحر وإشكالية التعالق بين المروي والمدون" للدكتور سمير الضامر.. إلخ.
وهناك دائرة أخرى تتصل بالبحر في الموروث والأدب العالمي من منظور مقارن؛ مثل الورقة التي قدمتها الدكتورة ناتاشا معنا من إيطاليا حول "ماذا يروي لنا البحر في إيطاليا؟" واستعرضت من خلالها عددا من الأساطير العالمية التي نشأت على سواحل إيطاليا الجنوبية والشرقية والغربية. ومثل "تجليات حكاية البحر في التراث العالمي" للدكتورة مروى مهدي عبيدو، أو "أساطير البحر المتوسط من أنزار إلى لالا ميمونة" للباحثة الجزائرية ويزة قلاز.. إلخ.
وهناك دائرة تتصل بالبحر في التراث العربي عموما، وفي المخيال الشعبي المغربي الزاخر، وفي هذه الدائرة تحديدا حظينا بمجموعة من الأوراق المهمة جدا التي قدمها باحثون مغاربة منها مثلا: "البحر في المتخيل الشعبي المغربي" للدكتورة نجيمة طاي طاي، و"سيميولوجية البحر في الحكاية الشعبية المغربية" للدكتور حبيب الناصري، و"البحر المتخيل غرائب في الموروث الثقافي المغربي" للدكتور حسن أميلي.
- 2 -
وقد استمعتُ بتركيز واستمتاع إلى أكثر جلسات الملتقى واستوقفتني أوراق بعينها لفتت انتباهي بجدة موضوعها وإطارها المنهجي أو بفرادة الموضوع وجاذبية مادته خصوصا في الشق الحكائي أو القصصي أو الأسطوري. من هنا مثلا تأتي أهمية الورقة التي طرحها الدكتور سعيد يقطين حول «سردية البحر في ألف ليلة وليلة»، وهو في الحقيقة قدم كعادته عرضا رائقا ممتعا لحضور البحر في متن الليالي، وتوقف تفصيلًا عند حكاية عبدالله البري وعبدالله البحري، متأملا ومحللا، ومستعرضا المستويات العميقة لهذه الحكاية الفريدة بمفارقاتها وتفصيلاتها وتخييلاتها المدهشة، ومقدما تأويلا ممتازا لهذه الحكاية من حكايات قصصنا البحري في تراثنا العربي.
يعتبر الدكتور سعيد أن القصة التالية في الأهمية من "أدب البحر" لقصص وحكايات السندباد في «ألف ليلة وليلة»، هي حكاية عبدالله البري وعبدالله البحري، وهي "من أمتع القصص الخيالية في أدب البحر، وهي تخلق عالم البحر خلقًا جديدًا، بين الأسطورة والخيال، وتروي القصة الخيالية بوقائع مادية قريبة من منطق عصرها. أما البحر في هذه القصة فهو عالم هائل يضم في أعماقه المدن وعجائب المخلوقات مع الثروات والكنوز والجواهر. وهو عالم بالغ النقاء والصفاء والخلق والإيمان الكامل بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فكل من في البحر والأرض يسبّح بحمد الله، لذا يحمل الجميع اسم عبدالله، فالكل عبيد الله، وفي البحر يفرحون بالموت لأن الروح أمانة أودعها الله في أجسام كل المخلوقات، وهو يستردها متى شاء، وقد كانت هذه نقطة الخلاف والقطيعة بين بطلي القصة عبدالله البحري وعبدالله البري بسبب معرفة الأول بحزن أهل البر لموت أقاربهم.
وفي البحر تأخذ القصة في إبداع عالمها الخيالي "المتخيل"، عندما يصحب عبدالله البحري صديقه عبدالله البري للسير في عالم البحر والتعرف على أهله وعجائب المخلوقات به وعاداته وتقاليده، ولكنهما اختلفا في نهاية الرحلة على تقاليد الوفاة في البر والبحر، فكانت تلك نهاية العلاقة بين كل من عبدالله البري وعبدالله البحري، وختام الحكاية البحرية كلها، وهو ختام سعيد كما يحدث في كل حكايات «ألف ليلة وليلة»، إذ عاش عبدالله البري في سعادة كوزير للملك بفضل جواهر البحر.
- 3 -
واستمعتُ كذلك باهتمام إلى خلاصة ورقة مميزة قدمتها الأستاذة الدكتورة فاطمة الزهراء صالح من المغرب، حول «بحر الظلمات - غرابة الافتتان» انطلقت فيها من التأسيس الجغرافي للمغرب الذي "يحده البحر الأبيض المتوسط شمالًا على مسافة طولها (512 كلم) والمحيط الأطلسي غربا على امتداد (2943 كلم)، والذي جعل من "البحر" مادة دسمة غذت المتخيل الجماعي بشتى الصور والأشكال".
ومنذ القدم، وكما أبانت الدكتورة فاطمة، شكلت هذه الازدواجية الوجه المركب للبحر بشاطئيه المتوسط والأطلسي، لتبلور صورة مشرقة وأخرى باعثة للريبة والحذر ليس فقط على المستويين السياسي والعسكري، ولكن أيضًا على مستوى الذاكرة الجماعية، المخيلة والوجدان، وكيف أثر هذا الارتباط المتناقض بالبحر، وتراكم الأحداث على المتخيل الجماعي المغربي الذي حبك أكثر من حكاية، تدور أحداثها في مداره. وتطرح الدكتورة فاطمة سؤالها الذي سيمثل محاولة الإجابة عنه متن الورقة:
كيف نفسر لجوء عدد، ليس بالهين، من الشيوخ الصوفيين الذين اعتكفوا للتعبد إلى شواطئ عدة ووجدوا فيها "خلوة" لم يبرحوها حتى بعد مماتهم، إذ باتت أضرحتهم مطلة على البحر؟
في تقدير الدكتورة فاطمة الزهراء، فإن اختيار شاطئ البحر كفضاء للخلوة والتفرغ التام لعبادة الله، من طرف مجموعة من الشيوخ بشمال وغرب المغرب، يجعلنا ندرك أهميته أنثروبولوجيًّا. فإذا كان ارتفاع الجبل يوحي بسمو الروح والتقرب من السماء، فإن رمزية الماء توحي بالنقاء والصفاء، والاغتسال الروحي من شوائب الحياة الدنيوية. حتى أنه إذا أمعنا الملاحظة في الطقوس المتبعة من طرف الزوار خلال المواسم السنوية، نجد أن الاغتسال بماء البحر جزء لا يتجزأ منها.
- 4 -
أما الدكتور مصطفى جاد؛ الباحث الفولكلوري وعميد المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون بمصر، فقدم مسحا ممتعا لحضور الماء في التراث الشعبي العربي، أو كما أطلق عليه هو في مداخلته "رحلة في علاقة الماء بالتراث الشعبي في عالمنا العربي"، فنجد الماء حاضرا في كرامات الأولياء الذين يسيرون على الماء، والكائنات فوق الطبيعية التي تعيش في البحار والأنهار، كما أوضح أن الماء يرتبط بدلالات خاصة جدا في الأحلام والتنبؤات (التنبؤ بالمستقبل وعلم الغيب)، وكذلك طرق العلاج الشعبي والمداواة من الأمراض والعلل، وأعمال السحر والمعتقدات الشعبية الخرافية.. إلخ.
وفي جمعه الاستقصائي لهذا الحضور الثقافي المتعدد والمتنوع للماء، يشير الدكتور جاد إلى بروز الماء في كثير من الاحتفالات والكرنفالات الشعبية في جميع أنحاء العالم العربي، مثل "الحية بية"، و"أربعاء أيوب"، و"وفاء النيل"، "وعيد الغطاس"، وغيرها من الاحتفالات والمواسم الشعبية المعروفة.
وحظي الأدب الشعبي بكم وافر من الحكايات والقصص المرتبطة بالماء عموما والبحر خصوصا، منها على سبيل المثال حكايات السندباد البحري في ألف ليلة وليلة، والبحث عن كتاب النيل في سيرة سيف بن ذي يزن، ومنها طقس الاغتسال في بئر مياه عذبة (أو عين ماء عذبة) في سيرة الظاهر بيبرس كطقس عبور أو تحول من المرض إلى الشفاء.
ويشير الدكتور جاد أيضا إلى التوظيفات الإبداعية المتعددة للماء في الأمثال، والأحاجي والألغاز الشعبية، والشعر الشعبي، وتتغنى به الجماعة الشعبية على إيقاعات راقصة.. إلخ.
- 5 -
هذه مجرد أمثلة دالة فقط على الوفرة والثراء اللذين حظي بهما ملتقى الشارقة الدولي للتراث هذا العام، وللأمانة وعلى المستويين الشخصي والمعرفي فقد أُفدت كثيرا منهجيا وعلى مستوى المادة المعروضة والمجموعة بصورة لم أكن أتوقعها صراحة. كل هذا فضلا على الإصدارات العلمية المتخصصة المصاحبة للملتقى وفيها كتب ودراسات قيمة تستحق أن نفرد لها حديثا آخر... (وللحديث بقية)